Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتحوا على الأصحاح 13 مِن إنجيل يوحنَّا في كِتابكم المقدَّس إذ إنَّنا سنُلقي نَظرةً خاطفة على إنجيل يوحنَّا والأصحاحات 13 و14 و15 و16. وهناك مَن يقول: "مِن المؤكَّد أنَّنا لن نُلقي نظرة خاطفة فقط!" بَلى، سوف نفعل. فسوف تكون هذه نَظرة عامَّة فحسب. فلديَّ فكرةُ كِتاب ما زالت تَخْتَمِرُ في ذهني عن هذا الموضوع تحديدًا. لذا، سأحاول أن أَطرحها عليكم وأختبرها وأرى ردود الفعل الَّذي سأحصل عليها. وقد عَنْوَنْتُ هذه الدِّراسة في هذا الصَّباح "مِيراث يَسوع"... "مِيراث يَسوع". وأنا أَعلم أنَّنا جميعًا، في لحظةٍ أو أخرى، إمَّا حَصلنا على ميراث، وإمَّا فَكَّرنا كثيرًا في الحصول على ميراث، أو رُبَّما صَلَّينا طالبين الحصول على مِيراث. فهذا أمر مألوف جدًّا جدًّا في حياة الإنسان.

ومع أنَّكم ربَّما لم تَفهموا ذلك حقًّا، فإنَّنا قد حَصلنا جميعًا [بصورةٍ أو بأخرى] على ميراثٍ مِن نوعٍ ما. فإن لم يكن مبلغًا كبيرًا مِن المال، أو شيئًا ثمينًا تُرِكَ لنا، قد تكون مُجرَّد ذِكريات حياة أشخاص عزيزين على قُلوبنا. فأُمِّي، مَثلاً، لديها أشياء مِن أُمِّها عزيزة جدًّا على قلبها تَركتها لها عند موتها. وهناك أشخاص يترك أولادُهم البيت عندما يَتزوَّجون ويَنفصلون عنهم. وفجأةً، تَكتسب كلُّ الأشياء الصَّغيرة الَّتي تَخُصُّ أولادهم قيمةً كبيرة. ونحن جميعًا نَعرف معنى أن يكون لك إرث، أي أن يَترك لك شخصٌ إرثًا. وهذا هو ما كان يَخطر ببال يسوع في إنجيل يوحنَّا والأصحاحات مِن 13 إلى 16.

فنحن نقرأ عن انتهاء خِدمَتِه بين النَّاس في الأصحاح 12. وهو يَصْرِفُ وقتَه الآن (في الأصحاحات 13 و14 و15 و16) مع تلاميذه. وهذا كُلُّه يحدث في غضون ساعات قليلة في مكانٍ واحد وهو العِليَّة. وهذا كُلُّه يَحدث في اللَّيلة الَّتي سَبَقت صَلبه. فقبل أن يموت مباشرةً، يُعطي تلاميذَهُ، وبالتَّالي يُعطينا جميعًا على مَرِّ العُصور، وَصيَّتَه الأخيرة وعهدَهُ. فهو يقول: "هذا هو ما سأتركه لكم". وأنا أُسَمِّي ذلك "إرثُ المُؤمِن". فهو ميراثُنا في المسيح. فإن سألني أحد الأشخاص: "ما الَّذي تَملِكُهُ بصفتك مسيحيًّا ولا أملِكه أنا؟" سأقول: "أنا أَملِكُ كلَّ شيءٍ أعطاه يسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحات مِن 13 إلى 16". وأودُّ أن أقول لكم يا أصدقائي إنَّه إن حَشَرتُموني في زاوية وسألتموني: "ما هو المقطَع المُفضَّل لديك في الكتاب المقدَّس؟" سأجد صعوبة في قول أيِّ شيء آخر سِوى أنَّه إنجيل يوحنَّا والأصحاحات 13-16.

ولا يوجد ما أفعله هنا في الحقيقة. فيسوع لا يَطلب أيَّ شيء مِن تلاميذه بصورة مُحدَّدة. صحيحٌ أنَّه توجد تَحريضات قليلة مُوزَّعة هنا وهناك في هذه الأصحاحات، ولكن بصورة رئيسيَّة فإنَّ كُلَّ ما يقولُه هذا النَّصُّ هو: "إليكم ما سأتركه لكم. إليكُم ما أُقدِّمُهُ لكم. إليكم ما سأُعطيكم إيَّاه". وأعتقد أنَّ هذا هو أيضًا الشَّيء الَّذي يمكننا أن نُقدِّمه للنَّاس الَّذي لم يَعرفوا المسيحَ بعد إذْ يُمكننا أن نقول لهم: "إليكم هذا السَّبب المُقنِع كي تأتوا إلى المسيح. اسمعوا وأصغوا إلى وَصِيَّتِه". فهذه هي أَثمَنُ مُمتلكاتٍ لديَّ. ففي هذا العالَم بأسرِه، إن أردتُ أن أُفَكِّر حقًّا في ذلك وأن أُفكِّر في الأشياء الثَّمينة في حياتي، لا بُدَّ أن أقول إنَّ أثمن شيء أَملِكُه في هذا العالَم مُدَوَّن هنا في هذا المقطع. إنَّها كُلُّ تلك الأشياء الَّتي هي مِلكي بسبب عَطايا يسوع لي. فأنا لا أملِك أيَّ شيءٍ ماديّ يَعني أيَّ شيءٍ بالنِّسبة إليَّ؛ ولكنَّ هذه الأشياء تَعني شيئًا بالنِّسبة إليَّ. وأنا أَعلم أنَّها تَعني شيئًا بالنِّسبة إليكم أيضًا.

لننظر إلى الخَلفيَّة قليلاً. فعندما ننظر إلى الموقف، نَرى أنَّ يسوع على وشك الموت. فقد أعلنَ موتَه لهم بطريق عديدة، ولا سيَّما في الأصحاح 12 والعدد 24 عندما تَحدَّث عن حَبَّة الحنطة الَّتي تقع في الأرض وتموت وتأتي بثمر. فقد سَمَح لهم أن يَعلموا أنَّه سيموت. وفي الأصحاح 11 مِن إنجيل يوحنَّا قال إنَّه سيموت في الحقيقة. فقد قال ما مَعناه: "سأذهب إلى أورُشَليم". لذا، في مُناسباتٍ عديدة قال ذلك الحقَّ لهم. ولكنَّه الآنَ يَقول ذلك مُباشرةً.

يوحنَّا 13: 31. لننظُر إلى هذا العدد في البداية: "فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ يَسُوعُ: الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ اللهُ فِيهِ. إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ تَمَجَّدَ فِيهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُمَجِّدُهُ فِي ذَاتِهِ، وَيُمَجِّدُهُ سَرِيعًا". والآن، إن أردتم أن تَفهموا ذلك، يجب عليكم أن تَسمعوا العِظة المُسَجَّلة الَّتي قَدَّمتُها قبل وقتٍ طويل. فأنا لا أريد أن أتوسَّع في هذا الموضوع. ولكنِّي سأُلخِّص ذلك بقول ما يلي: لقد قال يسوع: "لقد حان الوقت الآن لأتمجَّدَ ويتمجَّد الآب". وما قَصَدَهُ بذلك هو موته وقيامته وعودته إلى الآب. وهو يقول في الأصحاح 17 مِن إنجيل يوحنَّا: "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ... وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَم". فذُروة تمجيد الله حدثت على الصَّليب، وفي القيامة، وفي الصُّعود. وقد قال يسوع: "لقد آن الأوان لحدوث ذلك".

العدد 33: "يَا أَوْلاَدِي، أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ". لن أبقى هنا طويلاً. وَهُوَ لم يَبْقَ طويلاً. "سَتَطْلُبُونَنِي، وَكَمَا قُلْتُ لِلْيَهُودِ..." [وكان قد قال لهم ذلك في وقتٍ سابق]: "...حَيْثُ أَذْهَبُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأتُوا، أَقُولُ لَكُمْ أَنْتُمُ الآنَ". فهو يقول: "يا أحبَّائي، سوف أغادر. سوف أغادر بعد قليل. وستَطلبونني، ولكنَّكم لن تجدونني. ولن تتمكَّنوا مِن المجيء إلى المكان الَّذي سأكون فيه". والآن، ما هو في رأيكم رَدُّ فِعل التَّلاميذ؟ فطَوال ثلاث سنوات، كان كلُّ ما عرفوه هو حضور يسوعَ المسيح. وطَوال ثلاث سنوات، كان هو كلّ شيء في عالمِهم.

فعندما حان الوقت لكي يَدفعوا ضرائبَهم، جَعلهم يَصطادون سَمكة ويُخرجون ما يَدفعون به ضرائبهم مِن فَمِها. وهذه فكرة رائعة! وعندما احتاجوا إلى الطَّعام، خَلَقَهُ لهم. وعندما احتاجوا إلى معرفة الحقِّ، عَلَّمَهم إيَّاه. وعندما احتاجوا إلى التَّعزية، قَدَّمها لهم. وعندما احتاجوا إلى التَّوبيخ، حَصلوا عليه. فَهُم لم يَعرفوا أيَّ شيء سوى ما قَدَّمَهُ يسوعُ ووَفَّرَهُ لهم، وحُضور يسوع. وقد كانوا يَتَّكلون عليه كثيرًا جدًّا حتَّى إنَّهم شعروا عندما تحدَّث عن ذهابه أنَّهم سيكونون في وَرطة كبيرة: "ماذا ستفعل؟ لا يُعقَل أنَّكَ تَعني ذلك!" وحتَّى إنَّ بطرس قال له ذات مَرَّة: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!"

إذًا كيف كان رَدُّ فعلهم؟ انظروا إلى العدد 36 مِن الأصحاح نفسه (يوحنَّا 13): "قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: يَا سَيِّدُ، إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟" إلى أين تَذهب يا رَبّ؟" أَجَابَهُ يَسُوعُ: حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي". لم يكن بطرس يريد أن يَعرف حقًّا أين سيذهب يسوع، بل أراد أن يَعرف كيف يَذهب إلى هناك. لذا فإنَّ يسوع لم يُجِب عن السُّؤال الَّذي طَرَحَه، بل أجاب عن السُّؤال الَّذي كان يَعلم أنَّه يدور في ذهنه. لا يُمكنك أن تأتي يا بُطرس، ولكنَّك ستأتي لاحقًا. "قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: يَا سَيِّدُ، لِمَاذَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَتْبَعَكَ الآنَ؟" وَهُوَ يبدو هنا مِثل وَلَدٍ مِن أولادي. "ماذا تعني أنَّني لا أستطيع أن آتي... إِنِّي أَضَعُ نَفْسِي عَنْكَ! وما أعنيه هو أنَّك إن كنت ستموت وتذهب، سوف أموت وأذهب معك". وأنا أُحبُّ حَماسَتَهُ. فهو يُشير إلى حقيقة أنَّه لم يكن يتخيَّل فكرة العيش مِن دون يسوعَ المسيح. أتَرَوْن؟ فبالنِّسبة إليه، لم تكن تلك الحياةُ حياةً.

انظروا إلى العدد الأوَّل مِن الأصحاح 14. فالنَّصُّ اليونانيُّ يقول هنا: "لا تَسمحوا لقلوبكم أن تَضطرب". فقد أَعلن يسوع لهم أنَّه سيذهب فانهاروا. ويسوعُ يقول: "توقَّفوا! لا تَسمحوا لقلوبكم أن تَضطرب". انظروا إلى العدد الخامس: "قَالَ لَهُ تُومَا: «يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟»" سوف تتركنا. وننحن لا نَعرف كيف نذهب إلى المكان الَّذي ستذهب إليه. انظروا إلى العدد 27 مِن إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14... إلى نهاية العدد. فهو يقول هنا أيضًا: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ". فقد كانوا قَلِقين وخائفين جدًّا. فقد كان يسوع هو الكُلُّ في الكُلِّ بالنِّسبة إليهم. وكان حضورُه هو الَّذي يَمنحُهم الشُّعور بالأمان. لذا فقد اضطربوا وخافوا.

انظروا إلى يوحنَّا 16: 6. وهذه مُجرَّد نظرة خاطفة على مشاعرهم في تلك اللَّحظة. إنجيل يوحنَّا 16: 6 ... أو لِنَنظُر إلى العدد الخامس: "وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي". أنا ذاهبٌ إلى الآب. "وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي: أَيْنَ تَمْضِي؟ لكِنْ لأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هذَا قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُمْ". فلم يَسأله أحد في الحقيقة أين يَمضي، بل سألوه فقط عن كيفيَّة الذَّهاب إلى هناك. ويسوع يقول: "أنتم تَشعرون بالحُزن. فقد مَلأَ الحُزنُ قُلوبَكُم". والكلمة الَّتي رأيناها سابقًا في أثناء دراستنا وهي "مَلأَ" تعني: "استَحوذَ على".

فقد كانوا يَبكونَ؛ وهذا أمرٌ أنا مُتيقِّنٌ منه. فقد كانوا يَبكون في أعماقهم. فلم يكن بمقدورهم أن يَستوعبوا الحياة مِن دون المسيح. ولم يكن بمقدورهم أن يَتقبَّلوا ذلك. هل تَعتقدون أنَّكم تَشعرون بانفطار قُلوبكم عندما تفقدون شخصًا عزيزًا؟ إنَّ هذا لا شَيء إن قَارَنَّاه بالعيش في حضرة ابن الله الكامِل، الخالي مِن أيِّ عيبٍ أو خطيَّة، بِكُلِّ ما فيه مِن محبَّة وتعاطُف يَصعُب وَصفُهُما، وبكلِّ ما فيه مِن كمال في كلِّ علاقة بشريَّة مُمكنة. فَمِنَ الصَّعب جدًّا أن تَستوعب أنَّه سيَذهب دون أن تَعرف حتَّى أين سيذهب أو كيف يمكنك الذَّهاب إلى هناك. لذا فقد خافوا.

وعوضًا عن أن يُبالي يسوع بموته الَّذي كان سيحدث بعد ساعات قليلة، كان يُظهِر دائمًا تعاطُفًا كاملاً، وكان يُبالي بهم أكثر بكثير مِمَّا يُبالي بنفسه. لِذا فإنَّه يَصرِف كلَّ الأصحاحات 13 و 14 و 15 و 16 في إخبارهم عن كيف أنَّه سيتركهم. "أنا أَعلم أنَّني سأمضي، ولكن إليكم ما سأتركه لكم". وفي نهاية المطاف، كان ما قَصَدَ أن يقولَه هو: "مِن الأفضل أن أمضي لأنَّني إن لم أذهب لن تحصلوا على هذه الأشياء". والفكرة هي أنَّه بعد أن يَنتهي مِن ذلك سيقولون: "يا رَبّ، لقد فَهِمنا. مِن الأفضل أن تَمضي". والآن، ما هي الأشياء الَّتي تَرَكها لهم؟ ما هي الأشياء الَّتي تَرَكها يسوعُ إرثًا لتلاميذه ولجميع مَن يَتَّكلون عليه؟ لقد عَثَرْتُ على عشرة أشياء. وسوف نَتحدَّث عن خمسة منها في هذا الصَّباح، ونُكمِل البقيَّة في المَرَّة القادمة.

أوَّلاً، الشَّيءُ الأوَّل الَّذي تَرَكه يسوع هو البُرهانُ على محبَّته... البُرهانُ على مَحبَّته. فهناك فَرق، في اعتقادي، بين أن تسمع شخصًا يقول لك إنَّه يُحبُّك، وبين أن ترى شخصًا يُبرهن على محبَّته لك. أليس كذلك؟ فما زلتُ أَذكُرُ عندما كنتُ صَبيًّا صغيرًا أنَّ أوَّل شيءٍ تَعلَّمتُه في صِغَري مِن خلال ذهابي إلى مدرسة الأحد... وقد كنتُ مِثلَ فَأرٍ اتَّخذ جُحْرًا له في الكنيسة. فقد مَكَثْتُ هناك طَوال حياتي. ولكنِّي أَتَذكَّر شيئًا واحدًا تَعلَّمتُه. فأوَّلُ شيءٍ تَعلَّمتُه هو: "يسوعُ يُحِبُّني. هذا هو ما أعرفُهُ لأنَّ الكتاب المقدَّس يَقولُ لي ذلك". وكانت أوَّلُ آية تَعلَّمتُها هي: "لأنَّهُ هكذا [ماذا؟] أَحَبَّ اللهُ العالَمَ". وتلك هي الرِّسالة الرئيسيَّة. ولكن إن كنتُ أعيشُ هناك مع يسوع، واستمرَّ يسوع يقول طَوال ثلاث سنوات: "أنا أُحِبُّكَ"، ثُمَّ قال: "سأمضي"، قد أقول لنفسي: "إن كان يُحبُّني، كيف يُعقَل أن يَفعل هذا؟" أليس كذلك؟ "لأنَّه يَعلم كيف أَشعُر.

تَخَيَّل أنَّك تُحِبُّ شخصًا ما، وأنَّ محبَّتك لذلك الشَّخص هي محبَّة كاملة تمامًا. وذات يوم، يقول لك ذلك الشَّخص: "أنت تَعلم أنِّي أُحبُّك حقًّا، وأنِّي أُحبُّكَ محبَّة مُطلَقة، وأنِّي أُحبُّك مِن دون أيَّة تَحَفُّظات. ولكنِّي مُضطَرٌّ إلى الذَّهاب. سوف أذهب، ولن أراكَ مَرَّةً أخرى!" سوف يكونُ تَقَبُّلُ ذلك أمرًا صعبًا. وهذا هو في الحقيقة ما حدث. لذا فقد كان التَّلاميذُ يقفون ويقولون: "هل هو يُحِبُّنا حَقًّا؟ هل هو يُحبُّنا حَقًّا؟" وقد أراد يسوع أن يَتيقَّن مِن أنَّهم يَعلمون أنَّه يُحبُّهم. لذا فقد قَدَّمَ الدَّليلَ على محبَّته. انظروا إلى يوحنَّا 13. فهذا رائع! وفي كلِّ مَرَّة يَخطر شيء ببالي ويدفعني إلى التَّساؤل عن محبَّة يسوع لي، وهو سؤالٌ يَخطُر ببالي أحيانًا لأنِّي لستُ شخصًا مَحبوبًا جدًّا... ولكن عندما يَخطُر هذا السُّؤال في ذهني فإنِّي أعود حالاً إلى الأصحاح 13 مِن إنجيل يوحنَّا وأقرأُ هذا الحقَّ العظيم.

والآن، لاحظوا ما جاء في العدد الأوَّل: "أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ..." [فقد حانَت لحظة مُغادرته]، "...إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى". فقد حان وقتُ مُغادرته. لذا، هل تَعلمون ما الشَّيء الَّذي أرادَ أن يُريهم إيَّاه؟ ماذا؟ المحبَّة. "يا أحبَّائي، يجب عليَّ أن أُقنِعَكُم". لذا فقد أحبَّهُم إلى المُنتَهى. فقد سَكَبَ محبَّته في تلك السَّاعات الأخيرة. كيف؟ العددُ الثَّاني يُخبرنا كيف: "فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ...". وقد تقولُ تَرجماتٌ أخرى: "بعد أن انتهَى العَشاءُ". ولكن لا! فالنَّصَّ اليونانيَّ يقول: "عندما ابتدأَ العَشاءُ". فقد كانوا قد ابتدأوا في تَناول الطَّعام، ثُمَّ تأتي تلك الجُملة القصيرة عن يَهوذا. وسوف نَنتقل إلى العدد 4.

"قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا، ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا". والآن، افهموا الصُّورة. فقد كان التَّلاميذ جميعًا يأكلون لأنَّهم كانوا في عَجلة مِن أمرهم لإعداد الطَّعام، ولأنَّهم كانوا يَتجادلون. فقد كانوا يَتجادلون بشأن مَن سيكون الأعظم في الملكوت. وبسبب ذلك الجِدال، وبسبب عدم وجود خادم يَفعل ذلك، لم يُكَلِّف أيُّ شخصٍ نفسَه عَناءَ غَسْلِ أقدام الحاضِرين. ولا شَكَّ في أنَّ تلك كانت فُرصة رائعة للرَّبّ. لذا فقد خَلَعَ ثِيابَهُ الخارجيَّة، وأخذَ مِنشَفَةً وَاتَّزَرَ بها فوق ثيابه الدَّاخليَّة، ثُمَّ ابتدأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَهم.

وبلا شَكٍّ، عندما جاء إلى بطرس، قال له بُطرس: "يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ! لا يُمكنني أن أستوعب هذا! أنت هو الله! ما الَّذي تفعلُه؟" أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ". وما قَصَدَهُ بذلك هو: أنتَ لا تَفهم عمل الاتِّضاع تمامًا. وأنتَ لا تَفهم ما أحاول أن أُريك إيَّاه. ما أحاول أن أُريك إيَّاه هو أنِّي أُحبُّك يا بُطرس. وسوف تَفهم جُزءًا الآن، أمَّا الجُزءُ الآخرُ ففي وقتٍ لاحقٍ ستَفهمُه. فسوف تَعلم ذلك الآن مِن خلال غَسلي لقدميك. وسوف تَعلم ذلك لاحقًا مِن خلال مَوتي. سوف تَعلم أنِّي أُحبُّك".

قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: "لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا! لن أَسمحَ بذلك". أَجَابَهُ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ". قالَ لَهُ بُطرس: "يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأسِي". حَمِّمْني يا رَبُّ إن كان الأمر كذلك. والآن، انظروا إلى العدد 13: "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ. إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ". إذًا، فقد قال يسوع: "أنا أُعطيكم مِثالاً أو أُعطيكم نَموذجًا أو أُعطيكم قُدوةً على المحبَّة بأن غَسلتُ أَرجُلَكُم".

وحالاً بعد ذلك، هناك فاصِلٌ مع يَهوذا. وهذا مُحزنٌ جدًّا. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 34 أنَّ يسوعَ يَعودُ إلى فكرة غَسل الأرجُل. انظروا إليها. العدد 34: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". والآن، استمعوا إليَّ يا أحبَّائي: إنَّ يسوع يقول: "لقد أحببتُكم". وقد تقول: "كيف أحببتَنا؟" بِصُنْعِ ماذا؟ "بأن غَسلتُ أقدامَكُم". وكما تَرون فإنَّه في العدد الأوَّل أحبَّهم إلى المُنتَهى. فقد أحبَّهم إلى أقصى حَدٍّ مُمكن. وقد كان مِن الحَسَن أن يَشعُر بذلك، ولكن كيف عَبَّرَ عن ذلك؟ لقد عَبَّرَ عن ذلك بأن غَسلَ أرجُلَهم. ثُمَّ إنَّه يقول: "انظروا! هكذا أَريتُكم مَحبَّتي. وهكذا أتوقَّع منكم أن تُظهِروا مَحبَّتُكم بعضُكم لبعض مِن خلال الخدمة المُتواضعة، ومِن خلال التَّصَرُّف بوداعة. أنا أُحبُّكم".

ولو كان يسوعُ هنا لما فَرِحَ بشيءٍ أكثر مِن أن يَغسلَ أرجُلَكُم. هل تَعلمون ذلك؟ وسوف أكونُ أنا شَبيهًا ببُطرس. فإن اقتربَ الرَّبُّ مِنِّي وابتدأ يَغسلُ رِجليَّ سأقول: "يا رَبّ، انهَض. لَنْ تَفعل هذا أَبَدًا!" ولكن كما تَرَوْن فإنَّه يقول: "أنا أُحبُّكم"، ولكنَّه كان ينبغي أن يفعل ما هو أكثر مِن مُجرَّد قول ذلك لإقناع هؤلاء الأشخاصِ أصحاب القلوب المُنكسرة. لذا فإنَّه يُبرهن على ذلك بفعلِ شيءٍ عَبَّرَ حقًّا عن عمل المحبَّة. والشَّيءُ الجميل بهذا الخصوص هو أنَّنا نَقرأُ في صميمِ الأصحاح 13 عن خيانة يهوذا الَّذي أحبَّهُ يَسوعُ أيضًا. وحتَّى إنَّه غَسَلَ قَدميه. فهو يُحِبّ.

ولكن هناك المزيد. انظروا إلى يوحنَّا 15. فالبُرهانُ الَّذي قَدَّمَهُ على المحبَّة في تلك اللَّيلة لم يكن يَقتصر على ذلك فقط. ففي إنجيل يوحنَّا 15: 12، يَعودُ يسوعُ إلى الفكرة نفسِها. ولعلَّكُم تَذكرون أنَّ ذلك حدث في غُضون ساعات قليلة في نفس تلك اللَّيلة. لذا فإنَّ كلَّ هذا الحديثَ يَدورُ حولَ الموضوعِ نفسه: "كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ". والآن اسمعوا: "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ". والآن، سوف يَتقدَّم خُطوةً أخرى في ذلك: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ [ماذا؟] نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ". ثُمَّ تأتي الجُملة الرَّئيسيَّة: "أَنْتُمْ.... [ماذا؟] ... أَحِبَّائِي".

أَتَذكرون ما قُلتُه في يوحنَّا 13؟ فيسوعُ يقولُ لبُطرس: "بُطرس! سوف أفعلُ هذا الآن ولكنَّك ستَفهمُه لاحقًا". وكان يسوعُ يَعني بذلك: "أنا أُحبُّك يا بُطرس. دَعني أُبرهِن على ذلك بأن تَسمحَ لي أن أغسلَ رِجليكَ. وفيما بعد، سأُبرهن لك على ذلك عندما [ماذا؟] عندما أَضَعَ [ماذا؟] نفسي لأجلك". اسمعوا: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ". فهو يُريد منهم أن يَحصلوا على مِثال. وَهُوَ يريد منهم أن يحصلوا على نَموذج. لذا فإنَّه يقول: "أَلاَ فَكَّرتُم يا أحبَّائي بهذا عندما تَرونَني على الصليب؟ فهذه هي مَحبَّتي لكم". أترون؟ فهو ليس درسًا وحسب كما تَرون. وهي ليست عظة وحسب، بل هو بُرهان. فاللهُ بَرهنَ على محبَّته لنا لأَنَّهُ "وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ..." ماذا حدث؟ "...مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا".

أنا لا أَشُكُّ في محبَّة يسوع لجون ماك آرثر. صحيحٌ أنَّني قد أَشُكُّ فيها في أحوال مُعيَّنة فأقول: "أنا لستُ أكثرَ شخصٍ يُمكن أن يُحَبّ. وأنا بكلِّ تأكيد لستُ أكثر شخصٍ مُطيع. وأنا أسقُط. وأنا غير أمين. وأنا أقترفُ الخطيَّة في حياتي بين الحين والآخر. وأنا لا أفعلُ دائمًا الأشياء الَّتي أريد أن أفعلها. فمع أنَّني أريد عادةً أن أفعل ما هو صَواب فإنِّي لا أفعل ذلك دائمًا. ولو كنتَ تُحبُّني على أساسِ مُؤهِّلاتي لكنتُ في ورطة كبيرة".

ولكن عندما أَشُكُّ في ما إذا كان يُحبُّني أَم لا فإنَّني أرجعُ إلى هذا النَّصِّ تحديدًا وأقول: "ولكن يا رَبّ، لو كنتَ هُنا لكنتَ غَسلتَ رِجْلَيَّ، ولكنتَ بكلِّ تأكيدٍ قد مُتَّ عَنِّي". وهذانِ أمرانِ يُعبِّران عن أعمق أشكال المحبَّة – التَّواضُعُ المُطلَقُ، والموت. فما الَّذي تَرَكَهُ يسوعُ لنا؟ وما الَّذي يُشَكِّلُ جُزءًا من إرثِه؟ الشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي ابتدأَ هذا كُلَّهُ هو أنَّه تَرك لنا بُرهانًا على محبَّته. أليس كذلك؟ وفيما أعيشُ حياتي كُلَّها، أتَعلمونَ شيئًا؟ أنا أَعلمُ أنَّ يسوع المسيح يُحبُّ جون ماك آرثر. وهذا مُدهش!

واسمحوا لي أن أَذكُر لكم الشَّيءَ الثَّاني. فما هو الشَّيء الثَّاني في لائحة الأشياء الخمسة الَّتي سأذكُرها لكم في هذا الصَّباح؟ الإرثُ الثَّاني الَّذي تَرَكَهُ يسوعُ المسيح مَذكور في الأصحاح 14 والأعداد مِن 1 إلى 3. إنجيل يوحنَّا 14: 1-3. وسوفَ أُسَمِّي ذلك: "الرَّجاءُ المُختصُّ بالسَّماء". فقد تَرَكَ لنا لا فقط بُرهانًا على محبَّته، بل أيضًا رجاءً مُختصًّا بالسَّماء. فقد كان هؤلاءِ الأشخاص يقولون: "يا رَبّ، سوف تذهب إلى مكانٍ ما. ونحن لا نَعرف حتَّى إلى أين ستذهب، ولا نَعلم كيف ستذهب إلى هناك. وأنت لم تترك لنا أيَّ تَذاكر! ونحن في ورطة كبيرة". لِذا فإنَّه يقول: "حسنًا! اسمحوا لي أن أقول لكم كلَّ شيء عن ذلك". يوحنَّا 14: 1: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ". اهدأوا يا أحبَّائي. لا تَحزنوا كثيرًا. "أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ...". بعبارة أخرى، أنتُم تَثِقونَ باللهِ. أليس كذلك؟ "...فَآمِنُوا بِي".

وهذا مُذهل! فهو، مِن جهة الثِّقة، يُساوي نفسَهُ بالله. فإن كانت كلمة الله جَديرة بالثِّقة، فإنَّ كلامَهُ جَديرٌ أيضًا بالثِّقة. وهذه مساواة بين الأقانيم. "لا تَحزنوا. ثِقوا بي. لن أترككم". والآن، استمعوا إلى العدد الثَّاني. وهذا رائع جدًّا: "فِي بَيْتِ أَبِي غُرَفٌ كَثِيرَة". هل تجدون الكلمة "مَنازِل" في التَّرجمة الَّتي بين أيديكم؟ ليسَ هذا هو الموجود في السَّماء. فأنا دائمًا، عندما أُفكِّر في المنزل، أُفكِّر دائمًا في فيلم "عائلة آدمز" (Addams Family). وسوف أقول لكم شيئًا واحدًا: لن أسكن في أيِّ بيت كهذا في السَّماء! اسمعوني: "فِي بَيْتِ أَبِي مَنازِل كَثِيرَةٌ". فلا يمكنكم أن تَضعوا مَنازِل كثيرة في بيتٍ واحد. هل تَعلمون كم مِنْ بيتٍ يوجد في السَّماء؟ واحد. وهل تَعلمون بَيتُ مَن هو؟ إنَّهُ بيتُ الآب. وأنا أَسكُنُ فيه.

وقد قلتُ لكم مِن قَبل: "لا!" فأنتُم لا تعيشون كما لو أنَّ السَّماء مُقَسَّمة إلى طَبقات، وكما لو أنَّ شخصًا يَسكُن على بُعد أربعة أميال مِن هذا الطَّريق، وعلى بُعد ستَّة أميال مِن ذلك الطَّريق، بل إنَّنا نَعيش في بيت الآب. "فِي بَيْتِ أَبِي غُرَفٌ كَثِيرَةٌ". وهذا مُدهش. وكما تَعلمون، في تلك الأيَّام في إسرائيل، كان رَبُّ الأُسرَة (وَفقًا لِنَمَطِ حياة الآباءَ الأوائِل) كان يَمتلك منزلاً له، وَهُوَ مَنزل بسيط توجد ساحَة أمامَهُ. وعندما كان أولادُهُ يتزوَّجون، أو عندما كان ابنُه يَتزوَّج، كان يُضيفُ شِقَّةً أخرى إلى بيت الأب، ويَستمرُّون في بناء الشِّقَق هكذا إلى أن يصير المنزلُ مُربَّعًا. وكانت كُلُّ العائلة تعيش حول السَّاحة المتوسِّطة. وكانوا يَخرجون جميعًا ويأكلون معًا. فقد كانت هذه هي حياة الآباء الأوائل.

فقد كان جميعُ الأبناء يُحضرون زوجاتهم ليعيشوا جميعًا في بيت الأب. وغالبًا، كانت الابنة تَتزوَّجُ شخصًا مِن بلدٍ آخر فيُضيفُ هو الآخر شِقَّتَهُ الخاصَّة به. وكانوا يَحسُبون عدد الشِّقق الَّتي يحتاجون إليها وَيَضُمُّون الكلَّ معًا فيصيرُ الجميعُ في بيت الأب. لِذا، بقي النَّاسُ جيلاً بعد جيل بعد جيل يَملِكونَ نفس الأرض ونفس البيت. وهكذا هي السَّماء. فنحن جميعًا في بيت الآب. وَهُوَ موجودٌ هناك وَيُعِدُّ غُرَفًا لنا.

والآن، أنا أُحِبُّ العَدَدَ التَّالي: "وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ". هل تَعلمون أنَّه لا يُخفي عنَّا أيَّ أسرار؟ "هل تَعلمون أنَّه الوَداعُ الأخير، يا أصدقائي؟ يَكفي أنَّنا استمتعنا بالسَّنوات الَّتي عِشناها معًا. وعندما تموتون، سَتُودِّعونَ الحياة ويَنتهي كلُّ شيء، وتُسدَلُ السِّتارة. وَداعًا!" ولكنَّه يقول: "وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ". فأنا لا أحاولُ أن أُخفي عنكم شيئًا، بل أنا أقول لكم شيئًا. فما تُفكِّرون به غير صحيح. والصَّحيحُ هو أنَّه سيكون هناك شيء لأجلكم في السَّماء. "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا". وهذا رائع جدًّا. هل تَعرفون شيئًا واحدًا يَفعله الربُّ الآن مِن أجل إعدادِ مكانٍ لنا؟ فأحيانًا، هناك أشخاص يقولون لي إنَّهم لا يؤمنون بضمانِ المؤمن أو لا يُؤمنون بأنَّه بمقدور المؤمن أن يَعرف الآن أنَّه ذاهب إلى السَّماء. فَهُم ليسوا مُتيقِّنين.

وحينئذٍ أُفَكِّر قائلاً: "حسنًا، ولكن هل تعتقد أنَّ الربَّ يُعِدُّ أماكنَ هناك لن يَسكُن فيها أحد؟" وأنَّه قد يُفكِّر قائلاً: "هذا مُؤمِنٌ جَيِّد"، ولكنَّه يَسقُط. هذا لن يحدث. كلاَّ. اسمعوني يا أصدقائي، إن كان يُعِدُّ مَكانًا، ستذهب إليه. "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا". وكيف تَعلَم ذلك؟ انظروا إلى العدد الثَّالث: "وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا..." – فلا توجد أماكنَ شاغِرَة في السَّماء. ثُمَّ إن كانَ هذا صحيحًا "آتِي أَيْضًا..." وماذا؟ "...وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ". فأنا لا أُعِدُّ أماكن لن يذهبوا إلى هناك". ففي سيادَتِه العظيمة، وفي نِعمته العظيمة، فإنَّه يَعلم مَن هُم أولادُه. وَهُوَ يُعِدُّ مكانًا لهم.

ويجب أن تَعلموا أنَّه إن أردنا أن نُفَكِّرَ في السَّماء، يمكننا أن نُفكِّرَ فيها بطرائق عديدة. ففي الكتاب المقدَّس، تُسَمَّى السَّماءُ "بَلَدًا" بسبب اتِّساعِها. وهي تُسَمَّي "مَدينةً" بسبب كَثرة سُكَّانِها. وهي تُسَمَّى "مَملكةً" بسبب شكلها وتنظيمها. وهي تُسَمَّى "الفِردوس" بسبب جمالها. ولكنَّ أفضل اسمٍ لها هو "بيت أبي". ألا تَعتقدون ذلك؟ وما أعنيه هو أنَّني لا يُمكن أن أتحمَّس كثيرًا للذَّهاب إلى بلد، أو للذَّهاب إلى مدينة، أو للذَّهاب إلى مَملكة، أو للذَّهاب إلى فردوس. قد يكون ذلك جميلاً، ولكنَّ الشَّيء الأجمل هو أن أذهب لأكون مع أبي، وأن أعيشَ في بيت أبي.

وهناك مَن يقولون: "هل تعتقد أنَّه سيكون هناك مُتَّسَع في السَّماء لكلِّ شخصٍ يذهب إلى هناك؟" أنتُم تَعلمون ما جاءَ في العدد الثَّاني. فهو يقول: "هناك غُرَف كثيرة". هل تَعلمون كم يَبلُغ حَجم السَّماء؟ ولا أنا أَعلَم ذلك أيضًا! ولكنِّي سأقول لكم شيئًا واحدًا: إنَّها كبيرة بما يَكفي. فأورُشليمُ الجديدة وحدُها هائلة المساحة. ونجدُ وصفًا لأورُشليم الجديدة في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 21 إذ يبلغ حَجمُها 1500 ميلٍ مُكَعَّب. وهل تَعلمون ضخامة ذلك؟ أي أنَّ مِساحتها تبلغ 2,250,000 ميلٍ مُربَّع - 2,250,000 ميلٍ مُربَّع. وهل تَعلمون ما هي مِساحة لُندن؟ 140 ميل مُربَّع. وهذه مِساحة هائلة في نَظري. وسوف نَذهب أنا وأنتم والبقيَّة إلى هناك. والربُّ يَعلَم هذا. كذلك، هناك الكَونُ كُلُّه لتَتَجوَّلوا فيه. فهناك غُرَف كثيرة. فهو بيتٌ كبير... بيتٌ كبير.

ولكنَّ ما أُحبُّه هو ما جاء في العدد الثَّالث. فأنا أُحبُّه. فقد قال يسوع: "وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ..." إلى أين؟ "...إليَّ، حَيْثُ [ماذا؟] حيثُ أَكُونُ أَنَا". هل تَعلمون ما هو أفضل جُزء في السَّماء؟ أن تكونوا مع مَن؟ مَعَ المسيح. وهل تَعلمون ما الَّذي كنتُ أُفكِّر فيه عندما كنتُ طفلاً؟ إن كان بمقدوري أن أذهب إلى السَّماء، ربَّما أستطيع الحصول على موعد لقضاء وقتٍ مع يسوع. فسوف يكون مَشغولاً حقًّا... أنا أَعلم ذلك... سوف يكون مَشغولاً بِكُلِّ أولئك المؤمنين الموجودين هناك والَّذين يريدون الدُّخول والتحدُّث معه بخصوص الكثير مِن الأمور الَّتي كانوا يَنتظرون للتحدُّث معه بشأنها. ولكن عندما تُفكِّرون بهذه الطريقة فإنَّ يسوعَ يقول ببساطة: "سوف آتي بكم إليَّ". فلن تكون هناك لحظة في السَّماء طَوال الأبديَّة لن أكون فيها في حضرة يسوعَ المسيح. هذه هي السَّماء. وهذا رائع. لذا فإنَّه يقول: "سوف أُقدِّم لكم البُرهان على محبَّتي. سوف أُعطيكم رجاءً في السَّماء".

ثالثًا، هناك جزء آخر مِن مِيراثِه وَهُوَ: ضَمان القُوَّة... ضَمان القُوَّة. والآن، يمكنكم أن تَفهموا كيف كان التَّلاميذ يَشعرون لأنَّ المسيح كان مَصدر كلِّ شيء. فقد كانوا يَشعرون أنَّهم مُحَصَّنون عندما كانوا حولَه. ولا شَكَّ في أنَّ بُطرس كان يَشعر هكذا. فقد كان بمقدور بطرس أن يَفعل أيَّ شيء عندما كان قريبًا مِن المسيح. فقد مَشى على الماء، وقال أمورًا مُعجزيَّة، وكان يَتحلَّى بشجاعة كبيرة. وحتَّى إنَّه في البُستان اسْتَلَّ سَيفًا وحاول أن يُقاتِل جيشًا رومانيًّا كاملاً بمُفرده. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّه كان يقول ليسوع: "إن وقعتُ في وَرطة، أَجْهِز عليهم". فكما تَعلمون، لقد كان... أو لقد كانوا يَشعرون بأنَّهم مُحصَّنون في حضرة يسوع. وَهُوَ سيُغادِر الآن. وأنا على يَقين بأنَّهم ابتدأوا يَشعرون بأنَّ كلَّ قُدرتهم قد نَضَبَت. وما أعنيه هو: "يا لها مِن وَرطة! انظروا يا رِفاق! لم يَتَبَقَّ مِنَّا سوى أحدَ عشرَ شخصًا. سوف يَذهب. كيف سنَتصرَّف؟ ومِن أين سنَستمدُّ قوَّتَنا؟" ولكنَّه يُعطيهم ضَمانةً بالقوَّة.

انظروا إلى الأصحاح 14 والعدد 11 ... إنجيل يوحنَّا 14: 11: فهو يقول: "صَدِّقُونِي..." أو في الحقيقة: "صَدِّقوا كَلامي". "صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ". صَدِّقوني أنِّي والآبُ واحد. صَدِّقوا الكلام الَّذي أقولُه. صَدِّقوا ما قُلتُهُ بأنِّي الله. صَدِّقوا ذلك! "وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا". فإن لم يكن الكلامُ كافيًا، اسمحوا للأعمال أن تُبرهِنَ على صدق الكلام. لقد رأيتُم ما صَنعت. وقد كانوا يقولون: "أجل، لقد رأينا ذلك". وَهُوَ يُخاطب فيلبُّس فيقول: "أجل، لقد رأينا ذلك". "اَلْحَقَّ الْحَقَّ [في العدد 12] أَقُولُ لَكُمْ...". افهموا هذا يا أحبَّائي: "مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي".

والكلمة "أعمال" هنا في العدد 12 تَتَكرَّر مَرَّتين في عددٍ مِن التَّرجمات، ولكنِّي أعتقد أنَّه مِن الأفضل حَذفُها في المَرَّة الثَّانية وقراءة العدد كما يلي: "فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا". فهو لا يَعمل أعمالاً أعظم، بل هي أعظم بمفهومٍ آخر. فما المقصودُ هنا؟ هناك الكثير مِن التَّشويش بهذا الشَّأن. ولكن اسمعوني: إنَّ يسوعَ يقول: "إن آمنتُم بي..." [وهذا كَلامٌ يُقصَد به جَميع المؤمنين] "...ستعملون الأعمال الَّتي أعملُها أنا". وقد تقول: "هذا رائع!" ولكن تَذكَّروا أنَّ هذا الكلامَ مُوَجَّهُ بصورة رئيسيَّة إلى الرُّسُل. هل أقامَ الرُّسُل المَوتى؟ أجل. هل شَفَوْا المَرضى؟ أجل. هل أعطوا سَمْعًا للصُّمِّ؟ أجل؟ هل أعطوا بَصرًا للعُمي وصوتًا للبُكْم؟ أجل. لقد فعلوا ذلك. فهذا الكلامُ مُوَجَّهٌ بصورة أساسيَّة إليهم.

ولكن في النِّطاقِ الرُّوحيِّ، جاء يسوعُ المسيحُ بقوَّة تَمنَح الولادة الجديدة، وقد جَدَّدَ حياة البشر. وهذا هو جَوهرُ ما يقولُه. وهل فعلَ التَّلاميذ ذلك؟ هل حملوا إنجيل التَّجديد ورأوا حياة النَّاس تتغيَّر؟ بكلِّ تأكيد. وهل فَعلنا ذلك نحن أيضًا؟ أجل. وما المقصود بالكلمة "أعظَم"؟ لقد سَمعتُ أشخاصًا يقولون: "نحن نَصنَع في الحقيقة مُعجزات أعظم مِن تلك الَّتي صَنَعها يسوع". ولكنَّ هذا هُراء. وهناكَ مَن يقول: "نحن نَمتلِك قُدرة أعظم مِن قُدرته". وهذا سُخْفٌ. فهو الله. ولا توجد قُدرة أعظم مِن قُدرته. لذا، لا يُعقَل أنَّ ذلك يَعني أنَّنا نَمتلِك قُدرة أعظم. "لا، بل إنَّنا سنَعمل أعمالاً أعظم". أخبروني ما هو العمل الأعظم مِن إقامة المَوتى!

وما هو العمل الأعظم مِن أن يُقيم نفسَهُ مِن الموت؟ وما هو العمل الأعظم مِن أن يَصعد إلى السَّماء... أن يُغادر ويَصعد مُباشرةً إلى أعلى؟ وما هي القُدرة الأعظم مِن عُبورِ جِدار؟ وما هي القُدرة الأعظم مِن شِفاءِ البَشر؟ وما هي القُدرة الأعظم مِن خَلق سَمَك وخُبز لكي يأكُل النَّاس؟ وما هي القُدرة الأعظم مِن المشي على الماء؟ لا يوجد شيء أعظم (مِن جِهَة النَّوع) مِن ذلك. فلا توجد قُدرة أعظم مِن القدرة الإلهيَّة. وقد تقول: "إذًا، ما مَعنى الكلمة ’أعظم‘ هُنا؟" إنَّها تعني ببساطة: أعظَم في نِطاقِها. لِذا فإنَّ الكلمة "أعمال" تُشَوِّش مَعنى الكلمة "أعظم" مِن جهة نِطاقها.

واسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا: لا يمكنني القيام بأيِّ شيءٍ أعظم مِن الأشياء الَّتي قام بها يسوع. فهذا سيكونُ سُخْفًا مِن جهة أنواع المعجزات. وبالرَّغم مِن ذلك، هناك أشخاص يَدَّعون ذلك. ولكنِّي أرى أنَّ نِطاقًا أوسَع ... اسمعوني... نِطاقًا أوسَع في مُعجزة التَّغيير مِن ذاك الَّذي رآهُ يسوع فِعليًّا في حياته. والآن، اسمحوا لي أن أقول شيئًا قد يبدو صَادِمًا لكم: لقد كَرَزَ جون ماك آرثر، الَّذي كان سابقًا مُجَدِّفًا، وخاطئًا نال الخلاصَ بالنِّعمة، لقد كَرَزَ لأُناسٍ أكثر مِن الَّذينَ كَرَزَ لهم يسوعُ طَوالَ حياته. هل تَعلمون ذلك؟ هل تَعلمون أنَّهُ رُبَّما يوجد أشخاصٌ كثيرون يعيشون في العالَم اليوم قادوا أُناسًا إلى معرفة الله في حياتهم أكثر مِن أولئك الَّذينَ قادَهُم يسوعُ في خدمته الَّتي دامت ثلاث سنوات؟ أُناسٌ حَقيقيُّون.

والآن، افهموا ما أقول. مِن المؤكَّد أنَّه هو الَّذي يَقودُ الجميعَ إلى الله. ولكن في الوقت الحقيقيِّ لخدمته، واجَهَ غالبًا ماذا؟ الرَّفض. وهناك كارِزونَ ومُرسَلونَ ومُؤمِنون على مَرِّ التَّاريخ نَشروا الإنجيلَ على نِطاقٍ أوسَع بكثير مِن ذاك الَّذي نَشَرَهُ يسوع. هل تَعلمون أنَّه لم يَخرج يومًا مِن فِلَسطين؟ وهي أرضٌ طُولُها 200 ميل وعَرضُها نحو 50 أو 60 ميلاً. فهذا هو نِطاقُها. ولم تكن هناك خدمة إذاعة أو تِلفاز أو صُحُف أو أيُّ شيءٍ آخر. وهل تَعلمون أنَّ الرَّسول بولس كَرَزَ بالإنجيل في نِطاقٍ أوسَع مِن نِطاق يسوع؟

وهل تَعلمون أنَّ عدد المُعجزات فاقَ عَدَد المُعجزات الَّتي صَنَعها يسوع عندما التهبت الكنيسة الباكرة حماسةً بقوَّة روحِ الله وانطلقَ الرُّسُل وراحوا يَصنعون المعجزات في كلِّ مكان، وزَرعوا الكنائسَ في كلِّ مكان إذ إنَّ تلك الأشياء الأعظم ابتدأت حالاً بالحدوث. وهي ليست أعظم في نَوعِها، وليست أعظم في قُوَّتها، ولكنَّها أعظم فقط في نِطاقها. واليوم، أنتُم وأنا نَسيرُ في الحقيقة على ذلك الدَّرب نفسِه يا أحبَّائي. فنحن نَرى أمورًا أعظم مِن الَّتي رآها يسوعُ في فترة حياته لأنَّ الإنجيلَ يَنتشرُ إلى العالَم. ففي كلِّ يومٍ بالمَعنى الحَرفيِّ للكلمة، يأتي أُناسٌ مِن جميع أرجاء العالم إلى معرفة يسوع المسيح، وتَتغيَّر حياة كثيرين. فالمعجزات الروحيَّة مُستمرَّة في حياة النَّاس.

لذا فإنَّه يقول للتَّلاميذ: "يا أحبَّائي، لا يجوز أن تَشعروا بالحزن بسبب مُغادرتي، بل يجب أن تَتشجَّعوا بسبب ذلك لأنِّي عندما أمضي ستَرونَ نِطاقًا للخدمة أوسَع مِن أيِّ نِطاقٍ رأيتموه مَعي هنا". وهل تَعلمون ما الَّذي حدث؟ في يوم الخمسين، حَلَّ روحُ الله. وقد ابتدأوا يَكرزون. وقد أَحدَثوا ثورةً في مدينة أورُشليم؛ وهو شيء لم يَحدث مِن قبل، يا أحبَّائي، في أثناء حياة يسوع. وبعد أن قَلَبوا مدينة أورُشليم رأسًا على عَقِب وطَردوهم، تَشَتَّتوا وراحوا يَكرزون بالإنجيل في جميع نَواحي السَّامرة واليهوديَّة. ثُمَّ إنَّهم تَشَتَّتوا إلى أجزاءٍ أخرى مِن الأرض فصاروا يَكرزونَ في كلِّ مكان، وزَرعوا كنائسَ ورَبِحوا نُفوسًا للمسيح. وما زلنا أنا وأنتم نفعل الأمرَ عَينَهُ. أليس كذلك؟

وقد قال يسوع: "لا تَحزنوا لأنِّي سأمضي. فسوف تَنالونَ قُوَّةً هائلة. وسوف تَرونَ هذه الأشياء على نِطاقٍ أوسع مِن أيِّ شيءٍ رأيتموه عندما كنتُ هنا". ويا لهُ مِن وعد! فهو رائع! وأن يكون المرءُ جُزءًا مِن ذلك هو امتيازٌ لا مَثيلَ له. وقد تقول: "ومِن أين تأتي تلك القوَّة؟" إنَّها تأتي مِن الرُّوح القُدُس إذ نقرأ في سِفْر أعمال الرُّسُل 1: 8: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً..." مَتى؟ "...مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ". وقد عاد يسوع إلى الآب، وأَرسلَ الرُّوح. وبولس يقول: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا". لِذا فإنَّ يسوعَ يقول: "اسمحوا لي أن أَترُكَ لكم شيئًا آخر: ضَمان القوَّة". أضيفوا ذلك إلى الرَّجاء المُختصّ بالسَّماء والبُرهان على مَحبَّتي لكم.

رابعًا، وهذا حَقٌّ مُدهش جدًّا: ضَمان سَدِّ الحاجات... ضَمان سَدِّ الحاجات. فكما ذَكرتُ سابقًا، كانت لدى التَّلاميذ بكلِّ تأكيد حاجات سَدَّها يسوع. فقد كانوا مُكْتَفينَ لأنَّه كان قادرًا على سَدِّ حاجاتهم. والآن، كانت فكرة مُغادرته تَهديدًا مُريعًا. فكيف سَيَسُدُّون حاجاتهم؟ ومَن سيُعلِّمهم؟ ومَن سيُقدِّم لهم ما يحتاجون إليه للعَيش؟ ومَن سَيُؤويهِم؟ ومَن سيَكسوهُم؟ وإلى مَن يَلتجئون عندما يحتاجون إلى الرِّعاية أو إلى مُشاركة أعبائهم أو قَلقهم أو حاجاتهم أو عندما يَرغبون في حدوث شيءٍ مَا؟ وإن كانت لديهم صلاة أو طِلبة، إلى مَن يَلتجئون إن لم يكن يسوع هناك؟

لِذا، في إنجيل يوحنَّا 14: 13 و14، يُقدِّم لهم يسوعُ ضَمانَ سَدِّ الحاجات. وهذا أمرٌ غَنِيٌّ جدًّا جدًّا. اسمعوا ما جاء في العدد 13: "وَمَهْمَا..." – وأنا أُحِبُّ ذلك – "...وَمَهمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ...". انظروا إلى العدد 14: "إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ". وهل تَعلمونَ ماذا أُسَمِّي ذلك؟ أنا أُسَمِّي ذلك: "الحَبْلَ السِّرِّيَّ الرُّوحيّ". وأنتم وأنا نُشبههم تمامًا. فنحن مُرتبطون بالمسيح الَّذي يَستمرُّ في ضَخِّ حياتِه فينا. وَهُوَ يقول: "أنا سأمضي، ولكنَّنا أنا وأنتم سنرتبط بعلاقة حَميمة يا أحبَّائي. فإن طَلبتُم شيئًا باسمي سأفعله". وما الَّذي يُشيرُ إليه؟ إنَّهُ يُشيرُ إلى الصَّلاة. أليس كذلك؟

ويجب أن تَعلموا أنَّني لم ألتَقِ يومًا يسوعَ المسيح؟ فَمِن ناحية جسديّة، لم أرَهُ يومًا. ولكنِّي تحدَّثتُ إلى أشخاصٍ يقولونَ إنَّهم رأَوْه. وقد تَحدَّثتُ إلى رَجُلٍ ذات يوم قال إنَّ المسيح جاء إليه وتَحَدَّث إليه، وأمسكَ بكتفه، وهَلُمَّ جَرَّا. ولا يُمكنني أن أستوعبَ ذلك جيِّدًا، ولكن على أيِّ حال هذا هو ما قالَهُ. ولكنِّي لم أتحدَّث يومًا مع المسيح، ولم أَرَهُ يومًا. ولكن هل تَعلمون شيئًا؟ لقد قامَ طَوال أيَّام حياتي منذ أن صِرتُ مُؤمنًا بِسَدِّ كلِّ حاجاتي. هل تَعلمون هذا؟ "فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". أليس كذلك؟ فاللهُ سَدَّ، في المسيح، كلَّ احتياجي. وَهُوَ مُستمرٌّ في القيام بذلك. وأنا أرى يَدَهُ تعمل بهذه الطريقة في حياتي.

وأنا أَتكلَّم معه وأُصلِّي إليه. فهو حَيٌّ فِيَّ. صحيحٌ أنَّه ليس في عالَمي، ولا يَنزِل ويُعطيني ما أريد، ولا يأتي إلى هنا ويَفعل كذا ويَفعل كذا جسديًّا، ولكنَّه يَسُدُّ احتياجاتي باستمرار في كلِّ يومٍ مِن أيَّام حياتي. ونتيجة للصَّلاة، أنا مُنخَرِط في تلك العمليَّة. والآن: "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ". وقد يقولُ أُناسٌ: "إنَّ الكلامَ عَامٌّ هنا! ما هي الشُّروط؟" اسمحوا لي أن أُبيِّنَها لكم: "باسمي". وقد تقول: "وما مَعنى أن نَطلُب باسم يسوع؟" لقد قُلنا مِن قَبل، كما تَعلمون، أنَّ هناك أشخاصًا يقولون: "إنَّ هذا يَعني أن تقول في النِّهاية: ’ باسم يسوع، آمين!‘ فتحصل على ما تُريد". لا، لا، لا! إنَّها لا تعني ذلك. فهذا هو تَفسيرُ النَّاس البسيط لهذه العبارة، ولكنَّ الأمر ليس كذلك.

فأن نَطلُب باسمه يعني أن نَكونَ مُنسجمين مع طبيعته. وهذا يعني أن أقول: "أنا أطلُب هذا لأنَّ هذا هو ما أُوْمِنُ بأنَّ يسوع يُريدُه". وهذا يعني أن نُصلِّي في شخصِه، وأن نَضَع أنفسَنا مَكانَه، وأن نَقترن به، وأن نَطلب استِنادًا إلى اتِّحادنا به لكي يصير هو المُتضرِّع الحقيقيّ. وهذا يعني أن نَطلب مِن الله على أساس استحقاقات ابنه الحبيب. وهذا يعني أنَّه هو الَّذي يَحصُل على المُوافقة الحقيقيَّة. وهذا يعني أن أقول: "يا أبتاه، أُصلِّي باسمه كما لو أنَّني أطلُب ما يُريده هو، وأن أَسعى إلى ما يَسعى هو إليه، وأن ألتَمِسَ الأشياء الموجودة في قلبه هو، وأن أرغبَ في أن أُعطيه هو المجد". وقد تَعلَّمتُ في حياة الصَّلاة الخاصَّة بي، أي في حياة الصَّلاة الشخصيَّة عندما أتحدَّث إلى الرَّبِّ، أن أَختِمَ صلواتي بالقول: ’يا رَبّ، هذه هي الأشياء الَّتي أطلُبُها لأنِّي أشعر، بحسب مَعرفتي، أنَّ هذا هو ما يُريدُه يسوعُ على الأرجح‘". وهذا يُساعدني كثيرًا في تحديد صلواتي. "هذا هو ما أشعُر أنَّ يسوعَ يُريدُه". وإن كان الأمرُ كذلك فإنَّه يقول: "سوف أفعل ذلك. سوف أفعل ذلك".

لماذا؟ هل تساءلتم يومًا لماذا ينبغي لنا أن نُصلِّي؟ انظروا إلى العدد 13: "لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْن". فهل تَعلمون لماذا ينبغي لنا أن نُصلِّي؟ قد تقول: "أجل، لكي نَحصل على ما نُريد". لا، بل ليتمجَّد الله – هذا صحيح. أتذكرون ذلك؟ فقد دَرَسنا ذلك. فيجب علينا أن نُصلِّي لكي يَعمل الله، ولكي يَتمجَّد. ولعلَّكم تَذكرون أنَّني استَخدمتُ مَثلاً توضيحيًّا عن شخص يَنهضُ في مجموعة شَرِكَة، أو مَجموعة صلاة، أو مَجموعة أخرى، ويقول: "لقد جاءَ فُلانٌ إلى المسيح. وأنا فَرِحٌ جدًّا. إنَّهُ أمرٌ رائع". فيقولُ شخصٌ آخر: "المجدُ للرَّبّ. لقد جاءَ فُلانٌ إلى المسيح". ولكنَّ الشَّخصُ الَّذي يَجلس في الزَّاوية يقولُ ببرود: "هذا رائع! إنَّه مُدهش!" فكما تَعلمون، إنَّه يقولُ ذلك دون مُبالاة!

وقد تقول: "وما الفَرق بين الشَّخصين؟" الفَرقُ هو أنَّ واحدًا منهما كان يُصلِّي لأجل خلاص ذلك الإنسان لأنَّهُ مُهتمٌّ حقًّا؛ في حين أنَّ الشَّخص الآخر لم يكن يُصَلِّي لأجله. لذا، عندما نَالَ الخلاصَ فإنَّه لم يُبالي حَقًّا. وهل تَعلمون شيئًا؟ قد يَمضي اللهُ ويَفعل الأشياء نفسها الَّتي يريد أن يَفعلها في جميع الأحوال سَواء صَلَّيتَ أو لم تُصَلِّ لأجلِها. ولكن إن صَلَّيتَ لأجلها فإنَّك ستَفرح لاستجابته وتُمَجِّدُهُ لأنَّك ستَرى ذلك استجابةً مُباشرةً لصلاتك. واللهُ يُريد أن يَتمجَّد. فهو يُريد منك أن تُصلِّي لكي تَراه يَعمل، ولكي تَعلم أنَّه يَعمل، ثُمَّ أن تُمجِّدَه. فالصَّلاة ليست مِن أجلك أنت لكي تَحصل على ما تُريد. والصَّلاة لا تَرمي إلى جَعل الله يُغيِّر ما يُريد أن يَفعلَه في مُطلَق الأحوال، بل إنَّ الصَّلاة تَرمي إلى إعطاء الله الفُرصة لإظهار نفسه لكي تَتمكَّن مِن تسبيحه على ما يَفعل.

لذا فقد أعطانا اللهُ ذلك الوعد بِسَدِّ حاجاتنا. وأنا أسألُكم يا أحبَّائي: هل فَكَّرتُم يومًا في ذلك؟ في رأيكم، ماذا يَفعل الشَّخص الَّذي مِن دون المسيح عندما تكون لديه حاجات؟ وإلى مَن يَلتجئ؟ وماذا نَفعل أنا وأنتُم؟ "أبي، لديَّ حاجة. وهي كالتَّالي". ويا له مِن أمر رائع! وما أعنيه هو أنَّ هذا يُشبه أن يكون معك شِيك مَسحوب على مَصرِف السَّماء. فهذا رائع! وهذا إرْثٌ مُذهل! فقد تَرَكَ رَبُّنا الحبيب لنا بُرهانًا على محبَّته، ورَجاءً بخصوص السَّماء، وضَمانةً بالقوَّة، ويَقينًا بِسَدِّ حاجاتِنا.

خامسًا، وسوفَ نتحدَّث في عُجالة عن النُّقطة الخامسة. لقد تَركَ لنا عَطِيَّةَ الرُّوح إذ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 14: 16: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ...". وأنا أُحِبُّ ذلك. أتَعلمون لماذا؟ لأنَّها صورة رائعة عن اتِّضاع المسيح في تَجَسُّدِه. "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ...". توقَّفوا هنا. قد يكون هذا هو أعظمُ مِيراثٍ في نظرِ بَعضٍ مِنَّا: وجود مُعين خارق للطَّبيعة. والكلمة "مُعَزِّيًا" هي "باراكليتوس" (parakletos) في اليونانيَّة. والكلمة "كليتوس" (kletos) مُشتقَّة مِن "كاليئو" (kaleo) وتَعني: "يَدعو" أو شَيئًا مِن هذا القَبيل. فهذا هو ما تَعنيه. والكلمة "بارا" (para) تَعني: "الوقوف إلى جانب". لِذا فإنَّها تَعني: "يَدعو إلى الوقوف إلى جانبنا". فالمُعزِّي هو شخصٌ مَدعوٌّ للوقوف إلى جانبنا ومساعدتنا. فهو مُعينٌ خارق للطَّبيعة.

لذا فإنَّ يسوع يقول: "انظروا! سوف أطلب مِن الآب فيُعطيكم مُعينًا خارقًا للطَّبيعة". وأودُّ أن أقول لكم إنَّ هذا رائع! "انظروا! أنا سوف أُغادر، ولكن في غِيابي، أودُّ أن أُعطيكم مُعينًا شخصيًّا خارقًا للطَّبيعة يَبقى معكم طَوال الوقت". يا لروعة ذلك! إنَّه مُدهش! هل لاحظتم الكلمة "آخر"؟ فهناك كلمتان يونانيَّتان يُمكن أن تُترجَما بالكلمة "آخر" وَهُما: "آلوس" (allos) و "هيتيروس" (heteros). والكلمة "هيتيروس" تُستخدَم للإشارة إلى شخص أو شيء آخر مِن حيث النَّوع؛ في حين أنَّ الكلمة "آلوس" تُشير إلى شخص أو شيء مِن نفس النَّوع تمامًا. والكلمة المُستخدمة هنا هي "آلوس". "سوف أرسل إليكم مُعَزِّيًا آخر مِن نفس النَّوع بالضَّبط، مِثلي تمامًا". أليست هذه الكلماتُ رائعة!

هل تَعلمون مَن هو الرُّوح القُدُس؟ إنَّ بولسَ يَدعوه "روح المسيح" ... "روح المسيح". والمسيح يقول: "سوف أمضي، ولكنِّي سأُرسل إليكم مُعزيًّا مِثلي تمامًا". فهو بَديل مُطابق تمامًا لحضور يسوع المألوف بالنِّسبة إلى أولئك التَّلاميذ. "وهو سيكونُ مُعينكم الخارق للطَّبيعة". وكم هذا يُدهشني! هل تُدركون مَعنى أن تَحصلوا على روح الحقّ (أي الرُّوح القُدُس) في حياتكم؟ ثُمَّ إنَّه يُضيفُ قائلاً في العدد 17: "الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ". سوف تَحصلون عليه؛ في حين أنَّ العالَم لن يحصل عليه. فهذا شيءٌ يَفوق طاقة البشر. وهذا شَيء يَفوق الخبرة البشريَّة العاديَّة. "الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ". وهذا يعني أنَّهُ لا يَستطيع أن يَفهمَهُ روحيًّا. "وَلاَ يَعْرِفُهُ [أو يَختبره]، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ [أين] فِيكُمْ". ويا لهُ مِن وَعد يَختصُّ بذلك المُعين الخارق للطَّبيعة الَّذي هو معكم، والذي سيأتي ويَعيش أين؟ فيكم.

والآن، لماذا أَضافَ ذلك الجُزء الصَّغير عن أنَّ العالَم لن يَقبلَه؟ أعتقد أنَّه كان مِن المُهمِّ أن يُضيف ذلك لأنَّه كان مِن السَّهل عليهم أن يَتحمَّسوا ويَتلهَّفوا كثيرًا. فربَّما يَتلهَّفون كثيرًا ويقولون: "حسنًا! سوف يأتي الرُّوحُ القُدُسُ ويُحقِّق نَجاحًا باهرًا. وسوف نَخرج إلى هناك ونُغيرُ على العالَم فَيَسقط". ولكنَّه أراد أن يُذكِّرهم بأنَّ العالَم لن يَقبل الرُّوح القُدُس كما أنَّه لم يَقبل يسوع المسيح. فالأمر لن يتغيَّر. اعلَموا ذلك فحسب. ولكنَّكم ستحصلون على مُعينٍ خارق للطَّبيعة. وَهُوَ لن يكون حَولهم كما كان هو، بل إنَّه سيكون "فيكُم". وهذا رائع! وأنا أتوقَّف أحيانًا وأُفكِّر في أنَّ الله يَسكُن فيَّ، أو كما يقول بولس فإنَّ هذا الهيكل هو هَيكل الرُّوح القُدُس، وليس مُجرَّد شخصيَّة هذا الإنسان". وهذه حقيقة مُدهشة!

لذا فإنَّ الرُّوح القُدُس قد أُعطي لي ولكم مِيراثًا مِن المسيح. واسمحوا لي أن أُطلِعَكُم على شيءٍ آخر يَختصُّ بخدمة الرُّوح القُدُس. انظروا إلى إنجيل يوحنَّا 16: 7. فهو يَعِدُهم لا فقط أنَّ الرُّوح القُدُس سيسكن فيهم، بل يَعِدُهم بشيءٍ آخر: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ". فَمِن مَصلحَتِكُم أن أنطلِق "لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ". وكأنَّ اللهَ أعطى الرُّوح القُدُس مُكافأةً على عمل المسيح الَّذي اكتمَل. لذا فإنَّ المسيح يقول: "إن أَكملتُ عملي، سيُرسل الآبُ المُعزِّي. وهذا أفضل. لِذا، مِن الأفضل لكم أن يَسكُن الرُّوح القُدُس فيكم على أن أعيشَ أنا حولَكم وبينَكم". فَمِنَ الأفضل لكم مِن حيث القُوَّة الكامنة فيكم أن يَسكُنَ روحُ الله فيكم على أن أكون أنا موجودٌ هنا جسديًّا لأنَّكم لن تُضطرُّوا آنذاك إلى القلق بخصوص بقائكم معي. فهو سيكون معكم".

ولكنَّه يقول أيضًا: "وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ..." [في العدد 8] "...يُبَكِّتُ [أو يُقنِعُ أو يُوَبِّخُ] الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ". وهل تَعلمون ما الأمر الرَّائع؟ عندما أَعِظ، وعندما أُشارِك المسيح، وعندما أحاول أن أعيش حَياةً شاهِدَةً فإنَّ روح الله يَعمل في حياتي. وهل تَعلمون شيئًا آخر؟ إنَّه يَعمل أيضًا في حياة الأشخاص الَّذي أحاول أن أُبَشِّرَهم. وما الَّذي يَفعله في هؤلاء الأشخاص؟ إنَّهُ يَمنَحُني القوَّة، ويُبَكِّتُهم. وما الَّذي يُبكِّتُهم عليه؟ "أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي" (أي على خطيَّة رَفْض المسيح). "وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا". بعبارة أخرى، عندما مَضَى المسيحُ إلى الآب، كانَ اللهُ هو الَّذي قال إنَّهُ بارٌّ، وإنَّه قام بعمله، وأكملَ عَمله، وأنَّه ينبغي أن يُمَجَّد. لِذا فإنَّ الرُّوح القُدُس يُبَكِّت لا فقط على خطيَّة رفض المسيح، بل يُبكِّت أيضًا على حقيقة أنَّ المسيح بارٌّ، وأنَّهُ مَصدرُ البِرّ، وأنَّهُ مِعيارُ البِرّ.

وثالثًا: "وَأَمَّا [أنَّهُ يُبَكِّت] عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ". بعبارة أخرى، كُلُّ ما يحتاجُ الرُّوحُ القُدُس إلى القيام به هو أن يقول للمرء: أنظر ماذا حَدثَ للشَّيطان. انظر إلى دَينونته. ما الَّذي يَجعلُك تَظُنُّ أنَّك ستنجو إن لم يَنْجُ هو؟" لذا فإنَّ الرُّوح القُدُس يأتي ويُبَكِّت. لذا فقد قال يسوع: "سوف أُرسِل إليكم رُوحيَ القُدُّوُس. وَهُوَ سيَسكُن فيكم، وسيَعمل فيهم". ويا لهُ مِن وعد! فهو وعدٌ رائع! والرُّوحُ القُدُسُ يَفعل ذلك. فهو يَعمل في غير المؤمن. في كِتاب "جون بَنيان" (John Bunyan) بعُنوان: "الحرب المُقدَّسة" (Holy War)، هناك مَدينة اسمُها "نَفْس الإنسان" (Man soul). وتَرمِزُ مدينةُ "نفس الإنسان" إلى الأشخاص المَفديِّين إذ إنَّ عِمَّانوئيل يأتي ويَفدي "نَفسَ الإنسان". ولكنَّ مَدينة "نفس الإنسان" تَشهَد تَمَرُّدًا فيَتِمُّ أَسْرُ السيِّد "ضَمير".

كان للسيِّد "ضَمير" عمل في المدينة. وكان عَملُه يَقتضي منه أن يَقرع الجرس. وكان يَقرع الجرس دائمًا. ففي كلِّ مَرَّة يحدث فيها شيءٌ خاطئ، كان يَقرع الجَرس. لذا، عندما حَدثت الثَّورة، حَبَسوا السيِّد "ضَمير" في بيتِه ووضعوا قُضبانًا على النَّوافذ. وهل تَعلمون ما الَّذي حدث؟ يقول "جون بَنيان" إنَّه بِغَضِّ النَّظر عن الوسائل الَّتي كانوا يَتَّبعونها في حَبسِه، وبالرَّغم مِن كلِّ شيء، كان يَهرب بطريقةٍ ما ويَقرع الجرس. وأنتُم تَعلمون كيف يَعمل الضَّمير في حياتنا وفي حياة الأشخاص الَّذينَ لم يَختبروا التَّجديد. فقد حاولوا أن يَحبسوا السيِّد "ضَمير"، وقد قَطعوا حَبْلَ الجرسِ أيضًا، ولكنَّه كان يَقرعُ الجرس بالرَّغم مِن ذلك. وقد حاولوا جاهدينَ أن يَسجنوه، ولكن بطريقةٍ ما... بطريقةٍ ما، كان روح الله يُحَرِّر السيِّد "ضَمير" فيَقرع جَرَسَه. وهذا هو التَّبكيت.

لِذا فإنَّ الرُّوح القُدُس يَعمل. ويا له مِن وعد! فَكِّروا في الأمر يا أحبَّائي! فقد تَركَ لنا يسوعُ بُرهانًا على مَحبَّته لنا، ورجاءً لنا في السَّماء، وضمانةً بالقوَّة، ويَقينًا بأن يَسُدَّ حاجاتِنا، وعَطيَّةَ الرُّوح القُدُس. وهذا هو نِصْفُ الميراث فقط. وسوف أقول لكم شيئًا. اسمحوا لي أن أعكسَ الأمرَ وأقول هذا بالطَّريقة التَّالية: عندما أتوقَّف وأفكِّر في حقيقة أنَّه أَراني البُرهان على محبَّته فإنَّ هذا يَجعلني راغبًا في أن أُحبَّه بالمُقابل. هل يَحدث هذا مَعكم أنتم أيضًا؟ فهذا يَجعلني راغبًا في أن أُحِبَّهُ بالمُقابل. وهو يقول: "إن كُنتُم تُحبُّونَني..." [افعلوا ماذا؟] "...احفظوا وَصاياي". وعندما أتوقَّف وأُفكِّر في أنَّه أعطاني رجاءً في السَّماء، وأنَّه يقول: "أنتَ مُواطِن يا جون ماك آرثر، وأنا أُعِدُّ لك مَكانًا" فإنِّي أقول في نفسي: "يجب عليَّ أن أعيش حياةً تَليقُ بالمواطِنِ السَّماويِّ". أليس كذلك؟ يجب عليَّ أن أُظهِرَ ولو جانبًا صغيرًا مِن ذلك الجانبِ السَّماويِّ في حياتي الأرضيَّة. يجب عليَّ أن أتصرَّفَ بطريقة تَليقُ بمواطنِ المَلكوت".

وعندما يَقولُ الكتاب المقدَّس إنَّهُ ضَمِنَ لي القوَّة، يجب عليَّ أن أكون جريئًا وأن أخرجَ وأُجَرِّبَهُ. أَلاَ تَظُنُّون ذلك؟ وعندما يقول: "لقد أعطيتُكَ يَقينَ سَدِّ الحاجات"، يجب عليَّ أن أصرفَ وقتًا على رُكبتيَّ لأنَّه توجد أشياء كثيرة يُريدها يسوع، وتوجد أشياء كثيرة يمكنني أن أَطلُبَها لكي أُمَجِّدَه. وعندما أُدرك أنَّه أعطاني عَطيَّة الرُّوح القُدُس، هناك ثلاثة أشياء لا يَجوزُ أن أفعلَها: فلا يجوزُ لي أن أكذبَ على الرُّوح، ولا يجوزُ لي أن أُحزِنَ الرُّوح، ولا يَجوزُ لي أن أُطفئَ الرُّوح. وهناك شيء واحد ينبغي أن أفعله وهو أن أخضعَ للرُّوح. وبهذا الميراث يا أحبَّائي، مِن المُستحيل أن أُصدِّقَ أنَّ المؤمنين لن يكونوا فَتَّاكينَ جدًّا في هذا العالَم مِن جِهةِ الفاعليَّة، وأنَّنا لن نكون راضين مِن جِهةِ مَعرفة مَا لَنا في المسيح.

يا أبانا، نَشكُرك في هذا الصَّباح على مُساعدتنا على رؤية العديد مِن الأمور المُهمَّة. والشَّيءُ الَّذي يُدهشُني يا رَبّ هو أنَّ السَّببَ في أنَّ كلَّ هذه الأشياء هي لنا هو أنَّكَ مُلتصِقٌ بنا، وأنَّك لم تَتركنا البَتَّة. ولكنَّنا نَملِكُ هذه الأشياء لأنَّنا مُلتصقون بك. فأنتَ لم تَذهب حقًّا. صَحيحٌ أنَّكَ ذَهبتَ جسديًّا، ولكنَّك لم تَتركنا حقًّا. أَشكُرك... أَشكُرُك على ما أعطيتَهُ لي. أشكُرك على الميراث الَّذي هو لي. فأنا لستُ جَديرًا بأن أكونَ ابنًا في ذاتي، ولكنَّكَ جَعلتَني بِنِعمتَك مُستحقًّا. وأنا أُريدُ أن أَسْلُكَ كَما يَليق بالقصدِ الَّذي خَلَقتني لأجلِه، وأريدُ أن أُمَجِّدَك على ذلك الميراث الَّذي أعطيتني إيَّاه. وهذه هي صلاتي لأجلنا جميعًا في هذا الصَّباح. باسم يسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize