
في هذا المساء، سنَستعرِضُ الجزءَ الثالث مِن دراستنا القصيرة عن الشيطان: هل هو موجود؟ مَن هو؟ وما هي صفاته؟ فالرسول بولس يقول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس 2: 11 إنَّه لا يجوز لنا أن نجهل أفكار الشيطان، أو خُطَطَه، أو حِيَلَه، أو أَلاعيبَه. فيجب علينا أن نعرف كيف يعمل. ويجب علينا أن نعرف شيئًا عن شخصيته، وشيئًا عن كِيانِه، وشيئًا عن أسلوبه. وحيث إنَّ لدينا كلمة الله الَّتي تُزيل القِناع عن الشيطان وتكشف خُططه، لا مُبَرِّرَ لجهلِنا. وما نحاول أن نفعله معًا في دراستنا هو، ببساطة: أن نَفتح صفحات كلمة الله، وأن نُبيِّن لكم ما أعلنه الله بخصوص عَدُوِّنا. وقد رأينا سابقًا أنَّ إحدى أذكى ألاعيب الشيطان هي أن يجعل الناس يقتنعون بأنَّه غير موجود. فإن لم يكن هناك عَدُوٌّ، لا حاجة لأيِّ دفاع. وإن لم يكن هناك دفاع، فإنَّ النصرٌ سهلٌ.
أما بالنسبة إلى الأشخاص الذين يُصِرُّون على الإيمان بأنَّ الشيطان موجود، فإنَّ الشيطان يُفَضِّلُ أن ينشر أفكارًا مغلوطة عن نفسه مِنْ خلال إِيْهامِ الناس بأنه بالرَّغم مِن وجوده، فإنَّهُ أقَلُّ خَطرًا مِمَّا يَظُنُّون. لذلك فإنَّ البعض يَتخيَّلونه بأنَّه مُجرَّد شخصيَّة أُسطوريَّة تَرمِز إلى الشَّرِّ عامَّةً. والبعض يعتقدون أنه وحشٌ مِن الوحوش التي نراها في القصص الخُرافيَّةِ، إذْ إنَّهُ يَرتدي رِداءً، وله قرْنانِ وذَنَبٌ أحمرُ مُدَبَّبٌ، ويَحْمِلُ بيدِهِ مِذْراةً أوْ شَوْكَةً مُتَشَعِّبَةً ضَخْمَةً. والبعض يرونه كما لو كان كائنًا مرعبًا يَعمل على تعذيب المسيحيِّين وينبغي أن نهرب منه وأن نلتجئ إلى مكانٍ ما للنجاة. وصَدِّقوني أنَّ الشيطان يُفَضِّلُ أنْ يَظُنَّ الناس أنه غير موجود. وإن لم يتمكن مِن إقناعهم بأنه غير موجود، في أذهانهم على أقَلِّ تقدير، فإنه يُفضل، بكل تأكيد، أن يبقى غيرَ مَنْظورٍ. لذلك فإنه يَضَعُ قِناعًا. ولكنَّ الكتاب المقدَّس يُزيل القِناعَ عنه. ومِن المدهش أنَّ الأشخاص الذين يقولون إنهم يَعبُدون الشيطان لا يعبدون الشيطان الحقيقيّ، بل يَعبُدون شيطانًا آخر مِنْ صُنْعِ الشيطان نفسه - لإيقاع الناس في الفَخِّ. فهو مُخادعٌ. بل هو أكبر مخادعٍ في الكون. وقد رأينا في الأسابيع الماضية كم مِنَ المهم أن نفهم ذلك.
وبالنسبة إلى الأشخاص المُتديِّنين، أيِ الأشخاص الذين يؤمنون لا بالشيطان فحسب، بل بالله أيضًا، أو ربما يؤمنون بالله الحقيقي، فإنَّ الشيطان يَتبع أسلوبًا آخر. فهو يُحِبُّ أن يُوْهِمَ الناسَ بأنَّه الله. وقد قال "ترتليانوس" (Tertullian): "ديابولوس إيس دي سيميا" (Diabolos est Dei simia). وترجمة ذلك هي: "الشَّيطان هو قِرْدُ الله". وما قَصَدَهُ "ترتليانوس" هو أنَّ أكثر شيءٍ يُحِبُّه الشيطانُ هو أن يُقَلِّدَ الله كالقِرْد، وصَدِّقوني أنَّ هناك الكثير مِن المسيحيين الجُهَّال الذين يظنون أنَّ الله يفعل شيئًا ما، في حين أنَّ ذلك العمل ليس مِنْ صُنْعِ الله. وقد حاولنا في الأسابيع العديدة الماضية أن نَدرس بعنايةٍ شخصية الشيطان لكي نُفَنِّدَ الأساطيرَ التي أَلَّفَهَا الشَّيطانُ نفسه لإخفاء حقيقته. وقد حاولنا أن نُزيل القِناع عنه. وقد دَرَسْنا السؤال: "هل هو موجود؟" وقلنا إنه موجود. وقد درسنا السؤال: "مَن هو؟" وقد أَزَلْنَا القناع عنه وقلنا إنه مَلاكٌ ساقط. وقد تحدثنا عن صِفاته إذْ دَرَسنا صِفاتِهِ مِن وُجهة نظر أسمائه، وألقابه، والمصطلحات المُستخدَمة لوصفه.
ونأتي في هذا المساء إلى النقطة الرابعة في المخطط الذي بين أيديكم: "كيف يعمل الشيطان؟" والحقيقة هي أنَّ هذا الموضوع يَمَسُّ الجوانب العمليَّة في حياتنا. فكيف يعمل الشيطان في العالم لتحقيق مقاصده؟ وهذا يأتي بنا إلى الجوانب العملية مِن حياتنا. وأرجو أن تُبقوا الكِتابَ المقدَّسَ بين أيديكم لأننا سنُشير إلى العديد مِنَ الأشياء المهمة.
والآن، فيما يَختصُّ بعمل الشيطان، يجب علينا ببساطة أن نفهم أنه يعمل في فِئَتَيْن: فهو يعمل في أولاده، ويعمل في أولاد الله. فهذان هُما النِّطاقان اللَّذانِ يعمل فيهما الشيطان. والآن، لننظر أولاً إلى الفئة الأولى ونَرى كيف يعمل الشيطان في أولاده. وأنا أعتقد أنَّ جميع الناس في العالم مِمَّنْ لا يؤمنون بيسوعَ المسيحِ وليسوا من عائلة الله هم أولادٌ للشيطان. وأنا أفهم ذلك مِن خلال ما جاء في رسالة يوحنا الأولى 5: 19 حيث نقرأ: "وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ". وقد قال يسوع في إنجيل يوحنا 8: 44 للفَرِّيسيِّين: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". وأعتقد أنَّ هذا الكلام قابلٌ للتوسُّع ليشمل كُلَّ شخصٍ ليس ابنًا لله.
إذًا، كيف يعمل الشيطان في أولاده؟ سوف أَذْكُرُ لكم ثلاثَ طُرُقٍ عامةٍ وبعض الطُّرُق الخاصة أيضًا. أولاً، إنَّهُ يَعْمَلُ مِنْ خلالِ مَنْعِ الحَقِّ. فالشيطان مُنهَمِكٌ جدًّا في مَنْعِ الحَقِّ. وهناك العديد مِن الأشياء التي يمكننا أنَّ نتحدث عنها في هذا الإطار. وكبداية، لِنَنْظُر إلى الأصحاح الثامن مِن إنجيل لوقا، ثم سنُقارن ذلك بالأصحاح 13 مِن إنجيل مَتَّى. وفي الأصحاح الثامن مِن إنجيل لوقا، سنتَخَطَّى المقطع الأول الذي ذَكَرَهُ الربُّ في المَثَل، ونذهب مباشرة إلى تفسير المَثَل في العدد 11 - لوقا 8: 11: "وَهذَا هُوَ الْمَثَلُ: الزَّرْعُ هُوَ كَلاَمُ اللهِ". وكما تعلمون، فقد خَرَجَ الزَّارِعُ ليَزْرَع. والزارع يَرمِز إلى الشخص الذي يَكرِز بالكلمة ويكرز بالحق. "الزَّرْعُ هُوَ كَلاَمُ اللهِ، وَالَّذِينَ عَلَى الطَّرِيقِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِئَلاَّ يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا".
وكما تُلاحظون في العدد 5، فإنَّ الطريق المذكور هو طريق يَدوسُه الناس. فالناسُ يمشون عليه. لذلك فإنه قَاسٍ جدًّا. لذلك عندما تسقط البذور عليه فإنها تبقى في مكانها فتأتي الطيور وتأكلها. وهذا يرمز إلى كلمة الله التي يُكْرَزُ بها في أرضٍ ناشفة لا تتقبَّلُها، فيأتي الشيطان ويَخْطَفُها. فالشيطان عاكفٌ على المَنْع. وأول شيءٍ يقوم به هو أنه يَخْطَفُ الكلمة. فهو يَخْطَفُ كلمة الله. كذلك، لكي نفهم الصورة الكاملة لهذا المثل، يجب علينا إلى أن ننظر إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 13 لأنه يحوي تفاصيلَ تُساعدنا في الفهم. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 13، نجد المَثَلَ مذكورًا هناك أيضًا. ونقرأ في العدد 19: "كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ الْمَلَكُوتِ وَلاَ يَفْهَمُ، فَيَأْتِــي الشِّرِّيرُ وَيَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِعَ فِي قَلْبِهِ. هذَا هُوَ الْمَزْرُوعُ عَلَى الطَّرِيقِ". فالشيطان يأتي هنا ويَخطَف الكلمة. ونحن نجد في هذا المثل أربعة أنواع مِن القلوب - أربعة أنواع مِنَ الأرض. فنحن نجد القلبَ غَيْرَ المُتَجاوِب في العدد 19، وهو القلب الذي لا يفهم. فهو لا يحتفظ بأي شيء. وهو لا يتجاوب البَتَّة.
ثم نجد القلب المُنْدَفِع في العددَيْن 20 و 21 إذْ نقرأُ: "وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَحَالاً يَقْبَلُهَا بِفَرَحٍ، وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ. فَإِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ اضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ الْكَلِمَةِ فَحَالاً يَعْثُرُ". فهذا هو القلب المُنْدَفِع. وهو يُشير إلى الشخص الذي يأخذ قراراتٍ مُتَسَرِّعَةً بخصوص المسيح دون أنْ يكون لها أَصْلٌ فيه. ونقرأ في العدد 22 عن القلب المُنْشَغِل بأمورٍ أخرى: "وَالْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَهَمُّ هذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى يَخْنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ". فنحن نجد هنا شخصًا منشغلاً بالعالم حتى إنه لا يجد الوقت اللَّازم لتكريس نفسه للكلمة. ثم نجد في العدد 23 الأرض الصالحة الَّتي تُشيرُ إلى القلبِ المُتجاوِب. إذاً، نحن نرى هنا القلبَ غَيْرَ المُتجاوِب، والقلبَ المُنْدَفِعَ، والقلبَ المُنْشَغِلَ بأمورٍ أخرى، والقلبَ المُتَجاوِب.
وعند النظر إلى القلب غير المُتجاوب، نرى أنَّ كلمة الله تَقَعُ في ذلك القلب غير المُبالي، والقاسي، والذي لا يُظْهِرُ أيَّ تجاوب، بل يُظهِرُ رفضه، فيأتي الشيطان ويَخْطَف الكلمة. والآن لاحظوا ما يلي: إنَّ الشيطان قادرٌ على القيام بذلك لأن القلب مُتَحَجِّرٌ. فالنقطة الرَّئيسيَّة هنا هي قَسْوَة القلب. فالمَثَلُ يُعَلِّمُ أنَّ ما يحصل بعد سماع الإنجيل يتوقف دائمًا على حالة القلب. فالشيطان لا يستطيع أن يأتي ويَخْطَفَ الكلمة إلَّا إذا كان القلب مُتَحَجِّرًا. وهذا هو تمامًا ما يريد أن يفعله. فقبل أن يتمكن الشخص مِن التأمل فيها، أو التفكير فيها، أو قبل أن يَسمح لها أن تصير مهمة، يأتي الشيطان ويَخطَفُها مِنْ خلالِ إلْهائِهِ بأشياء أكثر بريقًا، وبأمورٍ جديدة يَعْلَمُ أنَّ الشخص لن يرفُضَها. ومن خلال هذا التشويش وهذا الإلهاء، فإنَّ الكلمة تَضيع.
وهناك آية أخرى تساعدنا في فَهْمِ عملِ المَنْع الذي يقوم به الشيطان، وهي 2 كورنثوس 4: 3. فالرسول بولس يتحدث هنا عن خدمته، وعن كيف أنَّ الله غَيَّرَ حياته، وكيف أنَّه تَغَيَّرَ مِنْ شخص يُرَوِّجُ لأشياءَ خَفِيَّةٍ مُخْزِيَة ومُخْجِلَة إلى شخصٍ يقول الحق. وهو يقول في العدد 3: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ، الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْر"ِ – ومَنْ يكونُ هذا؟ إنَّهُ الشَّيطان. "قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". والإشارة هنا مَرَّة أخرى هي أنَّ الشيطان لا يستطيع أنَّ يُعمي إلا أولئك الذين اختاروا بإرادتهم ألا يؤمنوا. والفكرة هنا هي ليست أنَّ الله يريدك أن تَخْلُص وأنَّ الشيطان يريدك أن تهلك، وأنَّ القرار يَرجع لك. كذلك، فإنَّ الفكرة هنا هي ليست أنك وقعت ضحية الشيطان، أو أنك وقعت في فَخِّهِ بمعنى أنك كنت تريد أن تكون في صَفِّ الله ولكنك كنت أعمى. بل إنَّ الفكرة هنا هي أنه بسبب قلبك غير المؤمن، فقد تَمَكَّنَ الشيطان مِنَ التَّسَلُّل إلى قلبك وإصابتك بالعَمى.
إنَّ الشيطان عاكِفٌ على مَنْعِ الحَقِّ. وبالنسبة إلى الأشخاص الَّذينَ يُقَسُّونَ قُلوبَهم، فإنَّ الإنجيل لا يعني لهم شيئًا. فنحن نقرأ في رسالة كورنثوس الأولى 1: 18: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ" – ماذا؟ "جَهَالَةٌ". فالشيطان يأتي ويَخطَف الكلمة. والأمرُ لا يقتصر على أنَّ الشيطان عاكِفٌ على مَنْعِ الحَقِّ مِنْ خلال عمله في أولاده، بل إنه عاكِفٌ، ثانيًا، على تَحريفِ الحَقِّ. وهو لا يرغب فقط في مَنْع الحَقّ، بل يرغب أيضًا في تحريف الحق لكي يكون ما يسمعه الناس بعيدًا كُلَّ البُعد عن الحق. وهو يفعل ذلك بعدة طرق. أولاً، مِن خلال تعليم العقائد الخاطئة. وقد ذَكَرَ الدكتور "بنتيكوست" (Pentecost) شيئًا مفيدًا جدًّا. وإليكم ما قاله، وأنا أقتبس كلامه: "مِن المؤكد أنَّ الشيطان يُفَضِّلُ عدم الاضطرار إلى نَزْعِ البذرة التي زُرعت. بل يُفَضِّلُ السيطرة على الشخص الذي يعِظُ بالكلمة لكي يُنادي بشيءٍ مختلف تمامًا عَمَّا تُنادي به كلمة الله الصالحة. والآن اسمعوا: فكروا في العمل الذي ينبغي للشيطان أن يقوم به عند الكرازة بكلمة الله. فإن كان هناك خمسمئة شخص حاضرين عند زَرْعِ كلمة الله الحقيقيَّة في خمسمئة قلب، فإنَّ الشيطان سيحتاج إلى خمسمئة شيطان للدُّخول في خمسمئة حياة مختلفة لِخَطْفِ الكلمة المغروسة فيها". والحقيقة هي أني لا أدري إن كان بمقدوره أن يستخدم شيطانًا سريعًا جدًّا أو مجموعةَ شياطين مِن هذا النوع. وعلى أيِّ حال، فإنَّ النقطة واضحة. "ولكنْ ماذا لو استطاع أن يَجعل هؤلاء الأشخاص (الذين يعتقدون أنهم سيتعلَّمون كلمة الله) يَسمعون كِذْبَةً مِن أكاذيبه. فهو سيكون بحاجة إلى العمل في شخصٍ واحد بدلاً من خمسمئة. ولأنَّ الشَّيطان يَعلم أنَّ كلمة الله سيُنادى بها، وأنّ الحق المختص بالله سيُعلن، فإنه سيقوم بكل الاستعدادات اللازمة لمنع بذرة كلمة الله مِن الوقوع في أرضٍ جيِّدة إن كان ذلك بمقدوره".
إنَّني على يقينٍ بأنَّ الكاتب مُحِقٌّ في هذا الأمر. فالشيطان يُفَضِّلُ أنْ يُحَرِّفَ الحَقَّ على أنْ يَمْنَعَهُ. وهذا أمرٌ معروفٌ جيِّدًا. فهو يعمل بِجِدٍّ على تحريف الحق مِن خلال تعليم العقائد الزائفة. وصَدِّقوني أنَّ خُدَّام الشيطان يتكلمون كل يومِ أَحَدٍ مِنْ على آلافِ المنابر، أليس كذلك؟ وفي رسالة كورنثوس الثانية، أود أن ألفت انتباهكم إلى مقطعٍ معروفٍ مِن الكتاب المقدَّس ينبغي أن ننظر إليه بهذا الشأن. فنحن نقرأ في رسالة كورنثوس الثانية 11: 13: "لأَنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ". فإن أردتم أن تعرفوا النِّطاق الذي يكون فيه الشيطان فاعلاً أكثر من غيره، فإنه إطار الدِّيْن. وفي حالتنا، فإنه في إطار الدِّيْنِ المسيحيِّ. "وَلاَ عَجَبَ. [أي: لا تَستغربوا]. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ". فالشيطان يقوم بعمل التحريف هذا مِن خلال وضع الأشخاص المُستعبدين له وتسكنهم الشياطين على المنابِر لكي يُرَوِّجوا للعقائد الزائفة.
ففي رسالة تيموثاوس الأولى مثلاً، أنتم تعرفون هذا المقطع الوارِد في الأصحاح الرابع إذْ نَقرأُ: "وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، فِي رِيَاءِ أَقْوَال كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً ضَمَائِرُهُمْ". فهم يتكلمون كلامًا كله رياء وأكاذيب. ولا يبدو أنَّ هذا الأمر يزعجهم. والأنبياء الكذبة (وَهُمْ كُثُرٌ)، هُمْ أخطر أسلحةٍ يستخدمها الشيطان. ونحن نقرأ في رسالة تسالونيكي الثانية 2: 9 أنَّ الشيطان سيفعل أمورًا مدهشةً (كما هو واضحٌ) خلال فترة الضيقة العظيمة إذْ نقرأ: "الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ". والأمر لا يقتصر فقط على أنهم يقولون أكاذيبَ تبدو أحيانًا هي الحقيقة، بل إنهم يقومون أحيانًا بأعمالٍ شيطانية تبدو صالحةً. ونجد هنا أيضًا أنَّ الشيطان يُقَلِّدُ اللهَ كالقِرْد. وهل فكرتم يومًا في جوهر العقيدة الزائفة الشيطانية؟ اسمحوا لي أن أخبركم بذلك باختصار. وقد قال أحد الأشخاص: "إذا وجدتَ صُعوبةً في وَضْعِ هذه الفكرة في عقلك، ربما كان عقلُكَ صغيرًا".
إنها فكرة واحدة فقط. فما هي العقيدة الزائفة الرئيسية التي يُرَوِّجُ لها الشيطان؟ أولاً، إنه يُنكر دائمًا سُلطان الكتاب المقدَّس ... دائمًا. أَتَرَوْن! فإنْ نَجَحْتَ في تدمير سُلطان هذا الكتاب، لن يكون هناك سُلطان في أي مكان، ولن يكون لأي شيءٍ أهميه - البَتَّة. وسوف يَسير كل شيءٍ عشوائيًا. وقد ابتدأ الشيطان منذ البداية في الأصحاح الثالث مِن سفر التكوين عندما قال لحوَّاء: "أَحَقًّا قَالَ اللهُ؟" هل قال الله ذلك؟ كيف تعرفينَ أنَّ الله قال ذلك؟ إنه يَفتري على حَقِّ الله. وهذا أمرٌ معروفٌ عنه. ونقرأ في رسالة تيموثاوس الثانية والأصحاح الرابع أنه فعل ذلك ليس فقط في البداية، بل إنه سيستمر في فعل ذلك إلى النهاية. فالناس سيصرِفون مسامعهم عنِ الحق، وينحرفون إلى الخُرافات. فنحن نقرأ في العدد 3: "لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ [معلمين زائفين] مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ". فالشيطان يُنكر سُلطان الكتاب المقدَّس.
ثانيًا، الشيطانُ يُنكر لاهوت المسيح. والمعلِّمون الزائفون يُنكرون أيضًا لاهوت المسيح، ويُنكرون الربَّ الذي اشتراهم. وهذا يَضُمُّ أيضًا عقيدة الخلاص. فإنْ أَنْكَرْتَ لاهوت المسيح، فإنك تُنكر عقيدة الخلاص معها. فالاثنان يسيران معًا. فإن لم يكن المسيح هو الله-الإنسان، وإن لم يكن هو الله القدير الذي أَخَذَ جسدًا بشريًا ومات على الصليب، فإنَّ الكفَّارة التي يقول إنه قَدَّمَها لم تُقَدَّمْ البَتَّة. وبذلك لا يكون هناك خَلاص. وهذا أمرٌ يُسَرُّ به الشيطان لأن كذبته الكبيرة في نطاق الخلاص هي أنك لا تخلص بالإيمان، بل تخلص بماذا؟ بالأعمال. وهناك احتمالان لكيفية خلاص الإنسان: إما مِن خلال العمل الإلهي، أو مِن خلال العمل البشري. وقد كانت هذه هي حُجَّة بولس الكبرى في رسالته إلى أهل غلاطية إذْ قال إنَّ الإنسان لا يخلص بالعمل البشريّ، بل يخلص بالعمل الإلهيّ. لذلك فإنَّ الشيطان يُنكر سُلطان الكتاب المقدَّس. وهو يُنكر لاهوت المسيح. وقد قال يوحنا في رسالته الأولى والأصحاح 4: "امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ ... كُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فهو رُوْح ضِدّ المَسيح".
وهناك شيءٌ آخر يُنكره الشيطان دائمًا إلى جانب إنكار لاهوت المسيح، وإنكار الخلاص بالنعمة مِن خلال الإيمان. فهو يُنكر دائمًا المجيء الثاني للمسيح. فلأنَّ المجيء الثاني للمسيح مرتبط بالدينونة، ستجدون في أغلب الأحيان أنَّ المعلمين الزائفين مشوشون جدًّا بخصوص الأمور الأخيرة لأنهم يريدون التخلُّصَ مِنَ الدينونة الأخيرة. ونحن نقرأ في رسالة بطرس الثانية والأصحاح الثالث أنَّ المعلمين الزائفين يقولون باستهزاءٍ في العدد الرابع: "أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟ لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ". فقال بُطرس: "هل تَجهلون بِإِرَادَتِكُمْ قصَّة الطُّوفان، أمْ أنَّكم تتجاهلونها؟ فالأشياء لم تستمرّ على حالِها". لذلك فإنهم منهمكون في الترويج للعقائد الزائفة إذْ يُنكرون سُلطان الكتاب المقدَّس، ولاهوت المسيح، وعقيدة الخلاص بالنعمة بالإيمان، والمجيء الثاني للمسيح.
وهم يُرَوِّجون بدلاً مِن ذلك للكثير من العقائد الزائفة الأخرى. فعلى سبيل المثال، إنّ واحدة مِن العقائد الزائفة المفضلة لدى الشيطان هي أنك تستطيع أن تتمرَّد على الله دون أن تُعاقَب. فهو يُحِبُّ ذلك. وكما أخبرتكم في الأسبوع الماضي، فإنَّ الشيطان يحاول أن يُبرهن على أن التمرُّد على الله ينجح. فهذه هي الخُطة الكاملة التي يحاول أن يُنَفِّذَها. وهذا هو ما يحاول الله أن يُبَيِّنَ أنه غير صحيح. فالتمرد على الله لن ينجح. والله يريد مِنَ الكونِ بأسْرِه أن يعرف ذلك. لذلك فقد سمح الله للشيطان أن يتمرَّدَ كما يشاء لكي يُبيِّن لكل مخلوقٍ في الكون أنَّ التمرُّد مهما تَمادى، فإنه لن ينجح. ولكنَّ الشيطان يريد أن يُقنِع الناس أنه باستطاعتهم أن يفعلوا ما يشاؤون، وأنَّ كل شيء سيكون على ما يرام - أي أنَّ التمرُّدَ سينجح. ولكنَّ هذه كذبة.
أَذكُر دائمًا أني كنتُ أقرأ قِصَّة "هيمنغواي" (Hemingway). وقد كانت هناك مقالة نُشِرَتْ في مجلَّة "بلايبوي" (Playboy magazine) واقْتُبِسَتْ في مجلَّة "إتيرنيتي" (Eternity Magazine) حيثُ قرأتُها فيها. وكانت المقالة قد نُشِرَت بعد موت "هيمنغواي. وقد كُتِبَتْ بهدف الإشارة إلى حقيقة أنَّه في رَيْعان شِبابِهِ، يُقالُ إنَّهُ قد بَرْهَنَ على أنَّ المرءَ يستطيع أن يُخطئ وأن يَنْجو مِنَ العِقاب. فقد استخفَّ بالأخلاقِيَّاتِ الَّتي يُوصي بها الكِتابُ المقدَّسُ مِن خلال القيام بكل ما رَغِبَ فيه. وبالرغم مِن ذلك فقد كان كل شيءٍ في حياته يسيرُ حسنًا. وقد قيل إنه انتصرَ في حروبٍ، وعَبَثَ مع النِّساء، وسَكِرَ قدر استطاعته. وقد استمرَّ كاتبُ المقال في الحديث عنه بإسهابٍ مادِحًا إيَّاهُ بشدَّة لأنه ضَرَبَ بالأخلاقيَّات الكِتابيَّة عُرْضَ الحائط. ثُمَّ بعد عشر سنين، حانت لحظة الحقيقة. فقد أخذ مُسَدَّسًا، ووضع فُوَّهَتَهُ على جانب رأسه، ونَسَفَ دِماغَهُ. إنَّ الشيطان يقول إنك تستطيع أن تنجو بعد تمرُّدك. ولكِنْ لا تُصَدِّقوا ذلك. فهذه واحدة مِن العقائد الزائفة الَّتي تقول إنك تستطيع أن تُخطئ قدر ما تشاء، وأنَّ كل شيءٍ سيكون على ما يُرام.
وهناك شيءٌ آخر رَوَّجَ له الشيطان عَبْرَ التاريخ وهو أنَّ عبادة الآلهة شيءٌ حسنٌ. فَمِنَ الرائع أن تَعبُد إلهًا ما. فهو يُحِبُّ أنْ يَعْبُدَ الجميع إلهًا - ما دام هذا الإلهُ إلهًا زائفًا. فهو لا يريد أن يكون الجميع مُلْحِدين، بل يريد أن يكون الجميع مُتَدَيِّنين وأن يعبدوا إلهًا لا وجود له. لذلك فإنَّ الكتاب المقدَّس يخبرنا أنَّ آلهةَ الأممِ شياطين. فإن أراد الإنسان أن يعبد صخرة، فإنَّ الشيطان سيجعله يعبد صخرة. وهو مستعدٌ أن يجعل واحدًا من الشيطان يُجسد الإلهَ الذي يظن ذلك الشخص أنَّه موجودٌ في الصخرة - لكي يبقيه مُتَعَلِّقًا بالصخرة. ونحن نقرأ في المزمور 106 والعدد 36: "وَعَبَدُوا أَصْنَامَهُمْ، فَصَارَتْ لَهُمْ شَرَكًا. وَذَبَحُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ لِلأَوْثَانِ". فعندما كانوا يذبحون أولادهم للأصنام، كانوا في الحقيقة يذبحونهم للشياطين، لأنَّ الشياطين كانت تُجَسِّدُ الإله الذي كانوا يظنون أنه موجود. فالشيطان يُحِبُّ أن يكون الناس مُتَدَيِّنين ما داموا يَعبدون الإله الخاطئ. بل أنَّ الشيطان يُرَوِّجُ لعبادة الملائكة. اقرأوا رسالة كولوسي 2: 18-23. فهو يحب أن يعبد الناس الملائكة. وهناك أناسٌ يفعلون ذلك اليوم. وحتى إنهم يفعلون ذلك في الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة. لذلك فإنَّ الشيطان يُحَرِّفُ الحَقَّ مِنْ خلال العقيدة الزائفة، ومِنْ خلال مقاومة العقيدة الصحيحة، والتَّرويج للعقيدة الزائفة.
وهناك طريقة أخرى يُحَرِّفُ فيها الشيطان الحَقَّ مِنْ خلال تقديم نَمَطِ حَياةٍ مَلْعُونٍ للناس. فهو لا يكتفي بتقديم العقيدة الزائفة لهم، بل إنه يوقع الناس أيضًا في نَمَطِ حياةٍ مَلعونٍ يعجزون عن التخلص منه. ونحن نجد ذلك في رسالة أفسُس 2: 1-3 إذْ نقرأ: "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَم". فالشيطان يُحِبُّ أن يوقع الناس في فَخِّ نظامه لكي يسلكوا بحسب العالم ويكونوا تحت رئيس سلطان الهواء لكي يتمكن مِن العمل في حياتهم: "الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ". فهو يريد أن يُوْقِعَهُمْ في فَخِّهِ كما جاء في العدد 3: "فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا". فالشيطان يريد أن يُوْقِعَ الناس في نمط حياةٍ ملعونٍ لا يستطيعون الفَكَاكَ منه بأنفسهم. فهو لا يقدم لهم النظرياتِ فقط، بل يَدفعهم إلى مُمارسة ذلك عمليًّا لكي يُدمنوا عليه.
وإن أردنا أن نكون أكثر تحديدًا بعد الكلامِ العامِّ الذي ذَكَرناه - أيْ إنْ أردنا أن نكون أكثر تحديدًا، فإنَّ الشيطان يعمل في أولاده مِن خلال البَطْشِ بهم. وهذه مُجَرَّدُ كلمة. وهي ليست كلمة تَحتمل مَعنىً واحدًا فقط، بل إنَّها قد تعني أمورًا كثيرةً مِثْلَ تَلَبُّسِ النَّاسِ، أو الاستحواذِ عليهم، أو قَهْرِهِمْ، أو أيِ شيءٍ مِن هذا القبيل. فهو يعمل في أولاده مِن خلال البَطْشِ بهم. وهناك طرق عديدة لتوضيح ذلك: مِنْ خلال الشهوة مثلاً! فهناك شياطين مختلفة كثيرة تَعمل في هذا النِّطاق. فهل تَعلمون أنَّ بعض الشيطان شِرِّيرة أكثر مِن غيرها؟ فمن الواضح أنَّ الشَّرَّ درجات. ومِن خلال الألفاظ المُستخدَمة لوصف بعض الشياطين، مِنَ الواضح أنها شِرِّيرة جدًّا. والشيطان يُحِبُّ أن يَدفع الناس إلى الانغماس في شهواتهم. وقد نجح في ذلك. فإذا نظرتم إلى رسالة رومية والأصحاح الأول، سترون غالبًا أنَّ العالم قد فعل ذلك تمامًا. فنحن نقرأ في العدد 24 "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ". فهذا هو الطريق الذي يريدهم الشيطان أن يسلكوا فيه. لذلك فقد تركوا الله وتبعوا الشيطان: "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. ونقرأ في العدد 26: "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ". وسوف تلاحظون أن "الجَسَدَ" هو مِحْوَر الحديث في العدد 24، وأنَّ "القَلْبَ" أوِ "المَشَاعِرَ" هي مِحْوَر الحديث في العدد 26، وأنَّ "الذِّهْنَ" هو مِحْوَر الحديث في العدد 28: "وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ". لذلك فإنَّ الجسد، والقلب، والعقل – أي إنَّ الجسدَ والعواطفَ والذِّهْنَ فاسدة جميعها: "مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا"، نَمَّامِينَ" إلخ، إلخ، إلخ. "الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ" (كما جاء في العدد 32) "أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ". لذلك فإنَّ الشيطان يرغب في أنْ يَبْطُشَ بالناس مِن خلال دَفْعِهِمْ إلى الاستسلام لشهواتهم. أَلسْنا نَرى ذلك يحدث في عالمنا اليوم؟ ألا نرى أناسًا فقدوا السيطرة؟ فقد استسلموا تمامًا لجميع الشهوات.
وهناك طرقٌ أخرى يستطيع الشيطان مِن خلالها أن يبطش بأولاده، لا فقط مِن خلال دفعهم إلى الانغماس في شهواتهم. وقد تَحَدَّثْتُ إلى أناسٍ تمادوا كثيرًا في موضوع الشهوات حَتَّى إنهم بَاتُوا يحتقرون أنفسهم. وهناك أناس أَقْدَمُوا على الانتحار بسبب ذلك. وقد تَحَدَّثْتُ ذات مَرَّة إلى فتاة لم تكن قادرة على النَّظَر في المرآة لأنَّ مُجَرَّدَ قيامها بذلك كان يجعلها تشعر بالاشمئزاز. ولكنَّ الشيطان يَبْطُشُ بأولاده أيضًا مِن خلال المرض. والكتاب المقدَّس يخبرنا قِصَصَ أُناسٍ أصيبوا بالخَرَسِ فعجزوا عن الكلام بسبب الشيطان وأعوانه، وعن آخرين أصيبوا بالعمى، وعن آخرين أصيبوا بعاهات جسدية، وعن آخرين أصيبوا بالصرع – وهم أناسٌ أصيبوا بأمراضٍ كان سببُها الشيطانُ وأعوانه. كذلك فإنه يبطش بالناس لا فقط مِن خلال الشهوات ومن خلال الأمراض، بل مِن خلال الأمراض العقليَّة أيضًا. وأنا أعتقد أنَّ واحدًا مِن الأسباب الرئيسية للأمراض العقلية في العالم، حتى في وقتنا الحاضر، هو الشيطان. هل قرأتم ما جاء في الأصحاح الخامس مِن إنجيل مَرْقُس عن مجنونِ كُوْرَةِ الجَدَرِيِّينَ الَّذي كانَ يعيشُ بين سُكَّان تلك القرية ويَسْكُنُ بين القبور؟ فقد حاولوا أن يربطوه، ولكنه كان يُقَطِّعُ كُلّ أنواع القيود الَّتي يُقَيِّدوهُ بها. وقد كان يُجَرِّحُ نَفسَهُ ويَصيح. فقد كان مخلوقًا مُرَوِّعًا. وقد كان جُنونُهُ نابعًا مِن حقيقة سُكْنى الشَّياطين فيه. فقد كان مجنونًا.
وفي إنجيل مرقس 9: 22، كان هناك مجنونٌ انتحاريٌ يحاول أن يقتل نفسه نتيجة تأثير الشياطين. وأنا مُتيقِّنٌ بأنَّ الكثير مِن الأمراض العقلية ومحاولات الانتحار ناجمة عن عمل الشيطان وبَطْشِهِ بأولاده. وهناك أيضًا، دون شك، المَثَل التوضيحيّ المذكور في الأصحاح الخامس مِن إنجيل مرقس. فهو يشير أيضًا إلى أنَّ الشيطان قادرٌ على اتِّخاذِ مَسْكَنٍ في أولاده لا فقط مِن خلال الجنون ومحاولات الانتحار، بل أيضًا مِن خلال إيذاء النفس حيث إنَّ هؤلاء المجانين كانوا يؤذون أنفسهم. وهناك فكرة أخرى ربما لم تتأمَّلوا كثيرًا فيها. ولكن مِن الواضح أيضًا أنَّ الشيطان يستطيعُ، بِسَماحٍ مِنَ الله، أن يبطش بأولاده مِن خلال الموت. وقد تسأل: "مِن أين جئتَ بهذه المعلومات؟" انظروا معي إلى ما جاء في سفر الرُّؤيا والأصحاح التاسع ابتداءً بالعدد 13: "ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّادِسُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعَةِ قُرُونِ مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ اللهِ" (إنَّهُ البُوقُ السَّادِسُ) "قَائِلاً لِلْمَلاَكِ السَّادِسِ الَّذِي مَعَهُ الْبُوقُ: «فُكَّ الأَرْبَعَةَ الْمَلاَئِكَةَ الْمُقَيَّدِينَ عِنْدَ النَّهْرِ الْعَظِيمِ الْفُرَاتِ». فَانْفَكَّ الأَرْبَعَةُ الْمَلاَئِكَةُ الْمُعَدُّونَ لِلسَّاعَةِ وَالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ، لِكَيْ يَقْتُلُوا ثُلْثَ النَّاسِ. وَعَدَدُ جُيُوشِ الْفُرْسَانِ مِئَتَا أَلْفِ أَلْفٍ وَأَنَا سَمِعْتُ عَدَدَهُمْ. وَهكَذَا رَأَيْتُ الْخَيْلَ فِي الرُّؤْيَا". ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُهُم. "مِنْ هذِهِ الثَّلاَثَةِ قُتِلَ ثُلْثُ النَّاسِ، مِنَ النَّارِ وَالدُّخَانِ وَالْكِبْرِيتِ الْخَارِجَةِ مِنْ أَفْوَاهِهَا". فنحن نرى هنا جُنْدًا مِنَ الشياطين. فهو جَيْشٌ يَأتَمِرُ بأمْرِ الشيطان. وهو يُهْلِكُ حَرْفِيًّا ثُلُثَ سُكَّانِ الأرْضِ. واللهُ هو الذي يَسْمَحُ للشيطان بأخذ حياة البشر. لذا، فإنَّ الشيطان قادرٌ على البَطْشِ بأولاده مِن خلال الشهوة، ومِن خلال المرض، ومِن خلال الأمراض العقلية، ومِن خلال الموتِ إنْ سَمَحَ اللهُ لَهُ بذلك.
كيف يعمل الشيطان في أولاده؟ مِن خلال مَنْع الحَقّ، وتَحريف الحَقّ. واسمحوا لي أن أُطلعكم على طريقة ثالثة: مِن خلال السِّياسة. فالشيطان يعمل في أولاده مِن خلال التأثير في الحكومات والأمم. وقد تقولون: كيف يؤثِّر الشيطان في الحكومات والأمم؟ لقد أَجْرَيْتُ حديثًا شَيِّقًا جدًّا قبل سنة تقريبًا مع شابٍ كان مُنخرطًا في جمعيَّة تُدعى (The Mark Age Society) -وهي جمعيَّة ذات مستوي رفيع جدًّا، وشيطانيَّة، وقائمة على جلسات تحضير الأرواح والسِّحْر. وقد كانت لهذه المجموعة اتِّصالات مع العديد مِنَ الوُسطاء الروحيِّين. وكانوا يَلتقون في "سانتا مونيكا" في منزلٍ كبيرٍ جدًّا. والناس المنخرطون في ذلك هم أناسٌ أغنياء جدًّا. والبعضٌ منهم أشخاصٌ مشهورون يعملون في مجال الموسيقا. وقد كان هذا الشاب يلتقي بهم بانتظامٍ في هذه الجمعيَّة. وقد اكتشفَ هذا الشاب معلوماتٍ مدهشة جدًّا كان يقولها لي. وقد حصلتُ على معلوماتٍ لا يَعلمُها أحدٌ مِنَ النَّاسِ سِوى أفراد هذه المجموعة الصغيرة.
فقد أَخْبَرَني، على سبيل المثال، أنَّ هؤلاء الأشخاص يَعرفون شياطين معينة، وأنهم يعرفون الأماكن التي تعمل فيها شياطين أخرى. ويَبقى السؤال قائمٍا إنَّ كُنَّا سنُصَدِّقُ كُلَّ ما تقوله الشياطين. ولكن ما اكتشفه هذا الشاب (سواء كان حقيقيًّا أَمْ زائفًا) مدهشٌ جدًّا. ولكن يبدو أنه لا يخلو مِن الحقيقة. فقد كان يقول لي إنَّ الشيطان المسؤول عن أمريكا، أيْ أنَّ الشيطان المسئول عن التَّرويج للتأثيرِ الشَّيْطانيِّ في أمريكا هو مسؤولٌ كبيرٌ في الأمم المُتَّحِدَة. فهو يَسْكُنُ أشخاصًا مُعَيَّنين في الأمم المُتَّحِدَة لديهم اتِّصالات مع أمريكا. وهذه مُجَرَّد معلومة صغيرة مِنَ المعلومات التي قَدَّمَها لي. وأن لا أريد أنَّ أخبركم الكثير لئلَّا تفقدوا عقولكم. وقد قال لي أيضًا إنهم أخبروه أنَّ مَقَرَّ القُوَّة الشيطانية موجود في كوكب المريخ وكوكب المشتري. وقد كان كل ما حصل عليه هذا الشابُّ من معلومات هو مِن وُسَطاءَ روحيِّين وأرواحٍ كانوا يتواصلون معهم. وقد قال لي إنَّ للشياطين شبكة في الحكومات والدول (مِثْلَ بَلَدِنا) يقومون مِن خلالها بالسيطرة على هذه الدول.
والآن، إذا كنتم تعتقدون أنَّ هذا الأمر هو شيءٌ جديد، يجب عليكم أنَّ ترجعوا وتقرأوا الأصحاح العاشر مِن سفر دانيال. فهذا الأمر ليس جديدًا البَتَّة. فالشياطين تعمل في مجال السياسة منذ البداية. فعندما أُزيلَ القناعُ عن الشيطان في إشعياء 14، وعندما أُزيل القناع عنه في سفر حِزْقيال 28، كان النبيُّ يتحدث في كِلتا الحالتين إلى حاكمٍ بَشَرِيٍّ. أليس كذلك؟ وإذا نَظَرنا إلى ما وراء ذلك الحاكم، أي إلى الشيطان الذي يعمل مِن خلاله، كما هي الحال في الأصحاح العاشر مِن سفر دانيال، ستجدون أنَّ بعض الأمم كان يَحْكُمُها بَشَرٌ، ولكنَّ البَشَرَ كانوا مَسْكونين بالشياطين. لذلك فإنَّ الشيطان كان وما يزال يعمل في المجال السياسِيِّ. والحقيقة هي أنه عندما جَرَّب الشيطانُ الربَّ يسوعَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 4، كانت لديه الوقاحة لأن يقول له: "إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِــي أُعْطيكَ" ماذا؟ "كُلَّ ماذا؟" "مَمالِكَ العالَم". وهل تَعلمون شيئًا؟ لقد كان بمقدوره أن يفعل ذلك. وهذه هي الحقيقة الصَّاعِقَة.
ونقرأ في الأصحاح السادس مِن رسالة أفسُس أنَّه عندما نُدرك واقع الحياة المسيحيَّة، سنُدرك أنَّ: "مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ" أيْن؟ "فِي السَّمَاوِيَّاتِ". فالشياطين تَحْكُمُ حقًّا النطاقَ المحيطَ بنا. فمِنْ زمَنِ بابل فصاعدًا، فإنَّ الشيطان يَحْكُمُ أُمَمَ العالم مِن خلال جُنْدِ الشياطين. واللهُ سَمَحَ بذلك، وهو مُهَيْمِنٌ على ذلك مِن خلال الروح القدس الذي يَعْمَلُ على تَحْجيمِه. وبالرغم مِن ذلك فإنَّ الشيطان نَشِطٌ جدًّا. لذلك فإنه يعمل في أولاده مِن خلال مَنْعِ الحَقِّ، وتحريف الحَقِّ، ومِنْ خِلال السِّياسَة.
والآنْ، كيف يَعمل الشيطان في المؤمنينَ المسيحيِّين؟ لننظر إلى ذلك. كيف يعمل الشيطان في حياتنا، أيْ في حياتكَ وحياتي؟ لماذا؟ لأنَّ هذا مُهِمٌّ حقًّا. وسوف أُقدِّم لكم طرقًا عديدة: أولاً، مِن خلال زَرْعِ الشَّكِّ. فواحدٌ مِن الأشياء التي يُحِبُّ الشيطان أن يفعلها مع المسيحيين هي أن يجعلنا نَشُكُّ، أي أن يجعلنا نصارع مع الواقع. ففي اليومَيْن الآخرين، كان لدي صِراعٌ كبير في ذهني وبعض الشكوك. فهل تعلمون ماذا كان الشيطان يقول لي؟ لقد كان يقول لي إنَّ مَوْضوعَ المسيحيَّة بِرُمَّتِه هُوَ مُجرَّدُ هُراء. أجل! وقد كنت أقول: "لا! هذا ليس صحيحًا. فأنا لم أُقْطَعْ كل هذه المسافة لكي أسمع ذلك". وقد كنت أصارع في هذا الشأن. وقد استعدتُ ثِقتي مِن خلال النظر إلى كلمة الله وقراءة بعض الآيات مثل: "أنا عالِمٌ أنَّ وَلِيِّي حَيٌّ". و "أنا عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ". وقد بدأتُ في قراءة كل الآيات التي تبدأ بالعبارة "أنا عَالِمٌ". فالشيطان يُجَرِّبُنا بهذه الطريقة. فهو يُحِبُّ ذلك.
ففي البداية، في الأصحاحِ الثالثِ مِن سفر التكوين، كيف جَرَّبَ الشيطانُ حَوَّاء؟ مِن خلال تَشْكيكِها في الله: مِن خلال تشكيكِها في كلام الله، ومِنْ خِلال تَشكيكِها في صَلاحِ الله. لقد اقترفَ اللهُ خطأً. وما كان يَجوزُ له أن يُعامِلَكِ هكذا – يا لها مِن مُعاملة سيئة! وقد فعل الشيطانُ ذلك مِن خلال تشكيكها في اهتمام الله بها. ومن خلال تشكيكها في الضمان الموجود في الله. وهذا هو ما يقوله بولس في مكانَيْن: "خُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ"، وتخلَّصُوا من هذه الشُّكوك. فإن قال اللهُ إنه سيُخَلِّصُك، فإنه يَعني ذلك. وعندما يأتي الشيطان حاملاً سَيْفَ الشَّكِّ العريض، فإنَّ ذلك الشَّكَّ سيرتطم بتلك الخوذة ويرتدُّ بعيدًا. فأنتُم أولادُ اللهِ. وخلاصُكُمْ مَضمون.
وهناك شيءٌ آخر يُحِبُّ الشيطان أنَّ يفعله. فهو لا يكتفي بزرع الشكوك، بل إنه يُحَرِّضُ على الاضطهاد. فالشيطان يُحِبُّ أن يُحَرِّضَ على الاضطهاد. فنحن نراه يُثير الشكوكَ في الأصحاح الثالث. ونحن نَراه يُحَرِّضُ على الاضطهاد في الأصحاح الثاني مِن سفر الرُّؤيا. فنحن نقرأ في سفر الرؤيا: 2: 10 "لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ". والحديثُ هُنا هو إلى كنيسةِ سِمِيْرنَا: "هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا". فنحن نجد هنا مَثَلاً توضيحيًّا على أنَّ الشيطان يُحِبُّ أن يَضطهد الكنيسة. والحقيقة هي أننا أَكْمَلْنا الدَّرْبَ مِنْ حيثُ انتهى بنو إسرائيل. فقد كان الشيطان يَضطهدُ بني إسرائيل دائمًا. اقرأوا الأصحاح 12 مِن سفر الرؤيا. فكل شيءٍ مذكور هناك. فهو يَضطهدُ الشعب دائمًا. وهو يَضطهد المرأة التي حَبِلَتْ بذلك الطفل - أي إنَّهُ يَضطهدُ شعب الله. وهو يَضطهدُ الكنيسة اليوم. ونحن نَراه هنا في كنيسة سِمِيْرنا، وهذا مَثلٌ توضيحيٌّ على حقيقة أنَّ "إِبْلِيسَ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا. وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ". فالشيطانُ يريدُ أنْ يَضطهِدَ الكنيسة.
إذًا، الشيطانُ يُثيرُ الشُّكوكَ. والشيطان يَضْطَهِدُ الكنيسة. فيجب أن تتوقَّعوا ذلك لأنَّ هذا هو ما سيفعله. ويجب أن تستعدُّوا لذلك. ثالثًا، (سوف نَمُرُّ مُرورًا سريعًا على هذه النقاط، لذلك احتملوني قليلًا). فالشيطان يُحِبُّ أن يُعيقَ الخِدمة. فقد عَقَدَ العَزْمَ على إعاقة خِدْمَتِنا. فأحيانا يكون مِن الصعب جدًّا أن نُجَهِّزَ كُلَّ شيءٍ ونأتي إلى هذا المكان لتعليمكم. ولا أدري إن كان لهذا الأمر أيُّ علاقة، ولكني لم أتمكن مِنَ النوم البَتَّة طَوالَ الليلة الماضية. فقد شعرتُ بألم في معدتي طوال الليل. وقد بقيت ساهرًا طوال الليل وأنا أشعر بألمٍ فظيعٍ في معدتي. وقد صَرَفْتُ الليل كله في الصلاة قائلاً: يا رَبُّ، لا أدري إن كُنْتُ مُحِقًّا فيما أُفَكِّرُ فيه، ولكن إنْ كان الشيطانُ هو السبب، أَوْقِفْهُ عِنْدَ حَدِّه. فأنا أعرف أنه لا يُريدني أن أتحدَّثَ عنه وأنْ أَكْشِفَهُ مساء الغد. لذلك لا تسمح بهذا الأمر. وبعد أن جئت إلى هنا أدركتُ أنِّي نسيت في الخدمتين الأولى والثانية أن أُعْلِنَ أنَّ الكنيسة ستبدأ في الساعة السادسة بدلاً مِن الساعة السابعة وأنَّ المكان سيكونُ فارغًا. ومع أنَّ صِحَّتي قد تَحَسَّنَتْ، فإنَّ المكان سيكون فارغًا. ولكنكم كُنتم هنا. وقد تبادلنا الحديث لبضع دقائق إلى حين وصول آخرين إلى هذا المكان لأننا نَعلم حاجتهم لسماع هذه الرسالة.
إنَّ الشيطان يُحِبُّ أن يُعيقَ خِدمتنا. واسمحوا لي أن أُبَيِّنَ لكم أين وَرَدَ ذلك في العهد الجديد. لقد ورد في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 18. وكما قلتُ، فإنَّ هذه ليست تَخمينات، بل هي أمثلة توضيحية كِتابيَّة. رسالة تسالونيكي الأولى 2: 18. وسوف نُرَكِّزُ فقط على النقطة التي تقول: "لِذلِكَ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ إِلَيْكُمْ". فكما تعلمون، عندما تَرَكَ بولس تسالونيكي، كان شوقُ قلبه هو أن يرجع إلى ذلك المكان. فقد أراد الرجوع. وهناك تَخميناتٌ عديدة عن سبب عدم رجوعه إلى ذلك المكان. فالبعض يقول: "إنَّ السبب في ذلك يرجع إلى أنَّ يَاسون وَقَّعَ كَفالةً. لذلك، في حال رجوعهم يكون ياسون قد أَخَلَّ بشروط الكفالة". والبعض الآخر يقول أنَّ حُكَّام تلك المدينة كانوا أشخاصًا يَصْعُبُ جِدًّا التعامل معهم. وأَيًّا كان السبب، فإننا نقرأ في العدد 18: "لِذلِكَ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ إِلَيْكُمْ أَنَا بُولُسَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ. وَإِنَّمَا عَاقَنَا الشَّيْطَانُ". فالشيطان يُعيقُ الخِدمة. ويجب أن تتوقَّعوا ذلك. فربما تُفَكِّرُ قائلاً: "حسنًا، أعتقد أنِّي سأُنشئُ خِدْمَةً، وأنَّ كُلَّ شيءٍ سيكون رائعًا". ولكِنْ حالما تَظهرُ العَقَبَةُ الأولى فإنك تقول: "يا للهول! سوفَ أَترُكُ الخدمة! فمِنَ الواضح أنَّها ليست مشيئة الله".
لذلك ينبغي أن تحترسوا. بل ينبغي أن تحترسوا جيِّدًا لأنَّ الشيطان هو الذي يُعيقُ الخِدمة. فهو عاكِفٌ على القيام بذلك. وأنا متيقنٌ أنه كلما زادت فعاليتك، زادت إعاقة الشيطان لك. والحقيقة هي أنَّ الرسول بولس واجه مُعَوِّقاتٍ كثيرةً في خدمته. وهو يدعوها "شوكة" في ماذا؟ في الجسد. وقد قال عنْ تلكَ الشَّوكة إنها: "مَلاكُ الشَّيْطانِ لِيَلْطِمَني". فالشَّيطانُ موجودٌ دائمًا لمضايقتي. وهو يريد أن يجعل حياتي جَحيمًا. وهو يريدني أن أترك الخدمة. ولكنني ثابتٌ فيها. وإن كان الله يقول إنَّ ذلك سيكون لخيري لكي أبقى متواضعًا، لا بأس في ذلك - لأنه حينما أكونُ ضعيفًا فإنني قويٌّ. وصَدِّقوني أنه بالرغم مِن جميع المُعَوِّقات الَّتي يَصنعُها الشيطان، فإنه لا يستطيع أن يُعيق خُطَط الله. فكُلُّ ما يفعله هو أنَّهُ يُغَرْبِلُ الضعفاء.
رابعًا، الشيطان لا يكتفي بإعاقة خدمتنا، بل إنه يَتسلَّل إلى الكنيسة. إنه يَخترق الكنيسة. وهو بارعٌ حقًّا في ذلك. وقد تقول: "كيف يفعل ذلك يا أخ جون؟" أولاً، مِن خلال المسيحيين الزائفين. فهو يَخْدَعُ الكنيسة ويجعلها تَقبل أشخاصًا يَبدون في الظَّاهرِ مسيحيِّين. والحقيقة هي أننا لا نستطيع أن نَفْصِلَ المسيحيين بعضهم عن بعض. وقد يكون بعضٌ منهم أولاد الشيطان حقًّا. لذلك فإنه يُدْخِلْهُم إلى الكنيسة ويُحْدِثُ تشويشًا. وهؤلاءِ يفعلون ذلك بطرق عديدة. فهم قد يفعلون ذلك مِن خلال أسلوب حياتهم الذي لا يَنسجم مع ادِّعاءاتهم. لذلك فإنهم يجعلون النَّاس مُشَوَّشين بخصوص هُويَّة المؤمن المسيحيّ. وهُم أشخاص يصعب التعامل معهم. فنحن نجد صعوبة كبيرة في التعامل مع هؤلاء مِنْ جوانب عديدة. وهم يحاولون عادةً الوصول إلى القِيادة لكي يكون للشيطان صوتٌ في كل شيء.
ونحن نقرأ في إنجيل مَتَّى 13: 38: "وَالْحَقْلُ هُوَ الْعَالَمُ. وَالزَّرْعُ الْجَيِّدُ هُوَ بَنُو الْمَلَكُوتِ. وَالزَّوَانُ هُوَ بَنُو الشِّرِّيرِ. وَالْعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ. وَالْحَصَادُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعَالَمِ. وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَةُ". فالطريقة الوحيدة لِفَصْلِ الحِنْطَة عن الزَّوان هي أنَّ الله سيفعل ذلك في النهاية. فنحن لا نستطيع دائمًا أن نُمَيِّزَ بينهما. فالشيطان يَتَسَلَّل إلى الكنيسة مِن خلال المسيحيين الزائفين. وكنيسة النعمة (Grace Church) تحوي أناسًا كهؤلاء. فأنا أعلم أنَّ كنيستنا تحوي أناسًا كهؤلاء لأنَّ الشيطان يفعل ذلك. وحين نَعرِفُ هُويَّةَ هؤلاء الأشخاص فإننا نَفعل كل ما في وسعنا لمساعدتهم على معرفة الرب يسوع المسيح. أمَّا إن أَصَرُّوا على ارتدادهم، فإننا نطرُدهم خارجًا. ولكنَّ العثور عليهم ليس سهلاً. فنحن نَجِدُ بعضًا منهم بين الحين والآخر لأنهم يُكْشَفونَ إنْ عاجِلاً أَمْ آجِلاً. ولكن ليس جميعهم. ونحن نعرف أنَّ الشيطان هو الذي يقوم بذلك. فإذا كنتم "زَوانًا" فإننا نعرف أنكم موجودون، ولكننا قد لا نعرف هُويتكم.
والشيطان يَتسلَّل إلى الكنيسة لا فقط مِن خلال المسيحيين الزائفين، بل أيضًا مِن خلال المُعلمين الزائفين. قد رأينا ذلك في السابق. فهو يُحِبُّ أن يَنشر معلوماتٍ خاطئةً في الكنيسة، أي أن يقوم شخصٌ ما بالتَّرويج لعقيدةٍ خاطئةٍ تبدو في الظاهر جيدة، أو مِن خلال شخص يبدو في الظاهر يَحظى بموافقة قادة الكنيسة، ويُعَلِّمُ شيئًا يبدو في الظاهر حسنًا مَعَ أنَّهُ في الحقيقة ليس صحيحًا. والكنيسة تحوي دائمًا مُعَلِّمين كذبة. فهم موجودون دائمًا. وهذه هي الحال دائمًا. وهذا مُبَيَّنٌ في الأصحاح الرابع مِن رسالة تيموثاوس الأولى (كما قرأنا سابقًا). وهو أمرٌ سيحدث في الأزمنة الأخيرة إذْ إنهم مُعلِّمون يتكلَّمون كلامًا كله كَذِب ورِياء. ونحن نقرأ في رسالة يوحنا الأولى والأصحاح الرابع: "لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ". ونقرأ في رسالة بطرس الثانية والأصحاح الثاني أنه سيكون هناك مُعَلِّمون كذبة. فهم موجودون دائمًا. "وَلكِنْ، كَانَ أَيْضًا فِي الشَّعْبِ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ، كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أَيْضًا مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ. وَإِذْ هُمْ يُنْكِرُونَ الرَّبَّ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ، يَجْلِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هَلاَكًا سَرِيعًا. وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ. الَّذِينَ بِسَبَبِهِمْ يُجَدَّفُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ". لذلك، عندما نتأمل في سلاح الله الكامل، فإننا نجد أننا أُعطينا سَيْفَ ماذا؟ سيف الروح الذي هو ماذا؟ كلمة الله - لأنه يجب علينا أن نَتَصَدَّى لتَسَلُّلِ الشيطان إلى الكنيسة مِن خلال العقيدة الزائفة.
إذًا فهو يَتَسَلَّلُ مِن خلال المسيحيين الزائفين، ومِن خلال العقيدة الزائفة. وهناك شيءٌ آخر مهمٌ جدًّا. فهو يَتسلَّلُ إلى الكنيسة مِن خلال الانقسامات. فالشيطان يُحِبُّ أن يُقَسِّم الكنيسة. فهذا يجعله سعيدًا. واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم مَثَلاً توضحيًّا على ذلك مِن خلال ما جاء في رسالة كورنثوس الثانية والأصحاح الثاني. فهذا أمرٌ مهم جدًّا. رسالة كورنثوس الثانية 2: 5. وسوف أقرأ هذه الآية على مَسامِعِكُمْ مِنَ الترجمة الأمريكية القياسيَّة الجديدة لمساعدتكم على فهمها لأنَّ ترجمة الملك جيمس صعبة. لذلك نقرأ في العدد 5: "وَإِذَا كَانَ أَحَدٌ قَدْ سَبَّبَ الْحُزْنَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَبِّبِ الْحُزْنَ لِي شَخْصِيّاً، بَلْ لِجَمِيعِكُمْ إِلَى حَدٍّ مَا، هَذَا لِكَيْ لاَ أُبَالِغَ". إذًا إن كان أحدٌ قد أَحْدَثَ المتاعب، فإنه لم يُحْدِث المتاعب لي شخصيًا، بل لجميعكم. "مِثْلُ هذَا يَكْفِيهِ هذَا الْقِصَاصُ الَّذِي مِنَ الأَكْثَرِينَ". إذًا، لدينا هنا شخص يُحْدِثُ المتاعب. وهناك مَن يقول إنَّ الشخص المُشار إليه هُنا هو نفس الشخص سَيِّئ السُّمعة المذكور في الأصحاح الخامس مِن رسالة كورنثوس الأولى. وهذه نقطة قابلة للجدل. وأيًّا كان هذا الشخص، فقد كان شخصًا سَيِّئ الأخلاق في وقتٍ مِن الأوقات. وقد أَوْصَى بولس المؤمنين في كنيسة كورنثوس أن يؤدِّبوا ذلك الشخص.
وهناك رسالة كُتبت بين رسالة كورنثوس الأولى ورسالة كورنثوس الثانية. وفي تلك الرسالة، أَوصاهم بولس على الأرجح بأن يؤدِّبوا ذلك الرجل. وقد سَمِعَ بولس مِن تِيْطُس أنَّ مؤمني كورنثوس اتَّخذوا الخطوات اللازمة لتأديب ذلك الرجل. وربما كانت هناك أقلية عارضت ذلك، ولكنَّ الأغلبية وافقت. وقد تَمَّ تأديب ذلك الرجل. وكان بولس راضيًا آنذاكَ بتأديبه التأديب اللازم، ويَرى أنَّ ذلك التأديب كان كافيًا لتحقيق الهدف المرجو منه. ولكنه خَشِيَ أن يكونوا قد بالغوا كثيرًا في تأدبه، وأنهم لم يُظهروا القدر الكافي مِن النعمة والتسامح لِرَدِّ ذلك الشخص. لذلك فإنه يقول: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ قَدْ أَحْزَنَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحْزِنِّي". وما أعنيهِ هُوَ: لا تُبالغوا في ذلكَ مِنْ أجلي. فهذا كافٍ في نَظَري. وأنا رَاضٍ. وأرجو أنْ تكونوا أنتم أيضًا راضِيْن. "مِثْلُ هذَا يَكْفِيهِ هذَا الْقِصَاصُ الَّذِي مِنَ الأَكْثَرِينَ".
ثم نقرأ في العدد 7: "حَتَّى تَكُونُوا بِالْعَكْسِ تُسَامِحُونَهُ بِالْحَرِيِّ وَتُعَزُّونَهُ، لِئَلاَّ يُبْتَلَعَ مِثْلُ هذَا مِنَ الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ". بعبارة أخرى، عوضًا عن أن يُفضي تأديبُه إلى علاجه، قد يُفْضي إلى إصابته باليأس إن كنتم قساةً جدًّا عليه. فحالما يتم تأديب المؤمن إلى الحَدِّ الذي يتوب فيه، ينبغي رَدُّه. أليس كذلك؟ وهذا وارد في رسالة غلاطية 6: 1. فإن استمريتم في تأديب ذلك الرجل، أو استمريتم في معاقبة ذلك الرجل، فإنَّ التأديب لن يعطي نتيجةً إيجابيةً، بل إنه سيَجعله يَشعُر باليأس. وهذا أمرٌ سيُغْرِقُهُ في الحُزْن. لذلك فإنه يقول في العدد 8: "لِذلِكَ أَطْلُبُ أَنْ تُمَكِّنُوا لَهُ الْمَحَبَّةَ". أيْ: اجْعَلوهُ يَعْلَم أنَّكُمْ تُحِبُّونَهُ. "لأَنِّي لِهذَا كَتَبْتُ لِكَيْ أَعْرِفَ تَزْكِيَتَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ طَائِعُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟ وَالَّذِي تُسَامِحُونَهُ بِشَيْءٍ فَأَنَا أَيْضًا". أيْ: إنْ سامَحْتُمْ ذلك الشَّخص، فأنا أُسامِحُهُ أيضًا. لذلك، لا تُبالغوا في الأمر مِن أجلي. "لأَنِّي أَنَا مَا سَامَحْتُ بِهِ إِنْ كُنْتُ قَدْ سَامَحْتُ بِشَيْءٍ فَمِنْ أَجْلِكُمْ".
أنا أَسْعى إلى الوِحْدَة في الكنيسة، ويجب عليكم أنَّ تكونوا مُتسامحين مِن أجل تحقيق الوِحدة. فإذا كُنْتُمْ سَبَبًا في هذه المشكلة في الكنيسة بسبب عدم مسامحتكم لذلك الرجل، وبسبب قسوتكم الشديدة على ذلك الرجل، وبسبب معاملتكم لذلك الرجل كما لو كنتم هيئة مُحَلَّفين، سوف تُحْدِثون انقساماتٍ في الكنيسة بسبب نقص التسامح. ثم نقرأ في العدد 11 أنه يجب عليكم أن تسامحوا ذلك الرجل وأن تُحِبُّوه: "لِئَلاَّ يَطْمَعَ فِينَا الشَّيْطَانُ، لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ". وما هي أفكار الشيطان؟ إنه يُحِبُّ أن يُحْدِثَ الانقسامات في الكنيسة. وكما يقول بولُس، فإنَّ أفضل طريقة لإحْداث الانقسامات في الكنيسة هي أن يكون هناك موقف يتطلَّبُ تأديبًا، ثُمَّ يَختفي روحُ التسامح. إذًا، فإنَّ فِكْرَ الشيطان يَنْصَبُّ على إحْداث الانقسامات في الكنيسة. لذلك، حالما يتم تأديب ذلك الرجل، مَكِّنُوا له المحبة.
اسمعوني: ما هو المبدأ العام؟ اسمعوني جيِّدًا: إنَّ التشديد المبالغ فيه على العقيدة على حساب المحبة قد يكون ضربةً قاضيةً للكنيسة. هل تلاحظون خُبْثَ الشيطان هنا إذْ إنه يَعمل حتَّى عندما تقْدِم الكنيسة على شيءٍ صحيحٍ عقائديًّا؟ فقد قاموا بالشيء الصحيح. ولكنَّ الشيطان استخدَم ذلك للتحرُّك والتَّخفِّي وراء العقيدة الصحيحة مِن أجل تحقيق أهدافِه. وقد قُلنا مِرارًا كثيرة إنَّ الكنيسة قائمة على شيئين: المحبة، والعقيدة السليمة. فالتَّركيزُ الكثيرُ على العقيدة السليمة دون مُراعاة المحبَّة يقودُ إلى الانقسام. والتَّركيزُ الكثيرُ على المحبَّة دون مُراعاة العقيدة السليمة يَقودُ إلى التَّشويش.
وهناك شيءٌ آخر يفعله الشيطان وهو الشيء الرئيسي. إنه يُجَرِّبُنا لكي نخطئ. إنه يُجَرِّبُنا لكي نُخْطِئ. وهو قد يفعل ذلك مِن خلال الجسد، أو وقد يفعل ذلك مِن خلال العالم، أو قد يفعل ذلك مِن خلال أعوانه الشياطين، أو قد يفعل ذلك بنفسه؛ ولكنه سيُجرِّبك لكي تخطئ. فهو المُجَرِّب. والآن سأعرض لكم بإيجازٍ شديد (لأنَّ الوقت قد شارَفَ على الانتهاء) سأعرض لكم الخطايا التي يُجرِّبنا بها كما وردت في الكتاب المقدَّس. أولاً، إنه يُجرِّبنا لكي نَتَّكِل على مواردنا الشخصية. هل لاحظتم ذلك يومًا؟ أنه يجربنا لكي نتكل على مواردنا الشخصية. لقد نهضتُ في هذا الصباح، بعد أن نمت قليلاً، فقالت لي زوجتي: كيف صارَ الألم؟ فقلت لها إنه أفضل قليلاً. ثم قلت إنِّي أعتقد أنِّي أعرف سببًا واحدًا جَعَلَ الل يَسمح بأن أَمْرَضَ هذه الليلة.
وقد قلتُ بعباراتٍ تُشير في معناها إلى حقيقة أنني اتَّكَلْتُ على تحضيري لِعِظَةِ اليوم. فأنا أُوْمِنُ بالتحضير. وإحدى التجارب التي وقعت فيها هي أني اتَّكَلْتُ على تحضيري بدلاً مِن الاتكال على روح الله لأني أُحِبُّ أنْ أقومَ بواجبي على أَكمل وجه. وقد قلتُ: "أعتقدُ أنَّي كنتُ بحاجة إلى صَرْفِ اللَّيلِ كُلِّه في التَّفكير في أنِّي لا أستطيعُ أنْ أفتحَ فمي بكلمة ما لم يَسْمَحَ اللهُ لي بالقيام بذلك". إنَّ الشيطان يُحِبُّ أن يَجعلك تَتَّكِلْ على مواردك الشخصية. هل تعلمون لماذا؟ لأنك لا تستطيع أن تَتصدَّى للشيطان مِنْ خلال موارِدِك الشخصية. هل تعلمون ذلك؟ لا يمكنكم أن تَتَصَدَّوْا له.
وسوف أُقَدِّم لكم مَثَلاً توضيحيًّا. افتحوا على سفر أخبار الأيَّام الأول والأصحاح 21. فكما تعلمون، لقد كان بنو إسرائيل يخوضون حُروبًا كثيرةً في هذا الوقت. ففي هذا الوقت مِن حياتهم كانوا يُقاومون الأعداء. وقد أراد داوُد بكل تأكيد أن يُحْرِزَ النَّصْر. لذلك، انظروا إلى ما حدث في العدد الأول مِن سفر أخبار الأيَّام الأول والأصحاح 21: "وَوَقَفَ الشَّيْطَانُ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ، وَأَغْوَى دَاوُدَ" ليَفعلَ ماذا؟ "لِيُحْصِيَ إِسْرَائِيلَ" – ليُحْصي الرُّؤوس. "فَقَالَ دَاوُدُ لِيُوآبَ وَلِرُؤَسَاءِ الشَّعْبِ: اذْهَبُوا عِدُّوا إِسْرَائِيلَ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ إِلَى دَانَ" – أيْ أَحْصوهُمْ جميعًا. "وَأْتُوا إِلَيَّ فَأَعْلَمَ عَدَدَهُمْ". بعبارةٍ أُخرى: أريدُ أن أعرفَ ضَخامَتَنا كأُمَّة وضَخامَةَ جَيْشِنا. لذلك، اذهبوا وأَحْصُوا كُلَّ رأسٍ. "فَقَالَ يُوآبُ: «لِيَزِدِ الرَّبُّ عَلَى شَعْبِهِ أَمْثَالَهُمْ مِئَةَ ضِعْفٍ. أَلَيْسُوا جَمِيعًا يَا سَيِّدِي الْمَلِكَ عَبِيدًا لِسَيِّدِي؟ لِمَاذَا يَطْلُبُ هذَا سَيِّدِي؟" بعبارةٍ أُخرى، إذا كُنَّا جميعًا عبيدًا لله، ما الفرق إنْ عَرَفْنا عَدَدَنا؟ حَذارِ يا يُوآب! يجب عليك أنْ تَنْتَبِهْ إلى ما تقول! فأنت تُخاطِب الملك – حتَّى لو كنتَ على حَقّ.
ثم نقرأ في العدد 4: "فَاشْتَدَّ كَلاَمُ الْمَلِكِ عَلَى يُوآبَ. فَخَرَجَ يُوآبُ" وفعل ما ينبغي أنْ يَفعل طاعَةً للملك: "وَطَافَ فِي كُلِّ إِسْرَائِيلَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى أُورُشَلِيمَ". وهذا عملٌ ضَخْمٌ – أيْ أنْ يُحْصي الجَميع. "فَدَفَعَ يُوآبُ جُمْلَةَ عَدَدِ الشَّعْبِ إِلَى دَاوُدَ، فَكَانَ كُلُّ إِسْرَائِيلَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِئَةَ أَلْفِ رَجُل مُسْتَلِّي السَّيْفِ". وهذا جيشٌ ضَخْمُ، يا أحبَّائي. إنَّهُ جيشٌ جَيِّدٌ. "وَيَهُوذَا أَرْبَعَ مِئَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ رَجُل مُسْتَلِّي السَّيْفِ". وقد كان داودُ يقول: "آها! آها! نحن في حالة جيِّدة. هَيَّا، هَيَّا جميعًا. سوف نَنتصر على أيِّ عَدُوٍّ". ثم نقرأ في العدد 7 هذه الكلماتِ الَّتي أُحِبُّها: "وَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ اللهِ هذَا الأَمْرُ فَضَرَبَ إِسْرَائِيلَ". "لِنَرَ كيفَ ستُعالِج ذلكَ يا داوُد. فأنتَ لستَ في حاجةٍ إليَّ. وأنا لستُ في حاجةٍ إليك". مَنِ الذي حَرَّضَ داوود على إحصاء الشعب بحسب ما جاء في العدد واحد؟ مَن فعل ذلك؟ إنَّ الشيطان يُحِبُّ أنْ يجعلك تَتَّكِلْ على مواردك الشخصية. لذلك فإنَّ بولس يقول في رسالة أفسس 6: 10: "تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ". هل لاحظتم ما تقوله الآية؟ إنها تقول "في شِدَّة قُوَّتِه". أما الشيطان فيريد أن يجعلكم تَتَّكِلون على مواردكم الشخصيَّة.
والشيءُ الثاني هو أنَّ الشيطان يُجَرِّبُنا لكي نَفْقِد إيماننا بالله. فهو يفعل ذلك حقًا. فالشيطان يُجَرِّبُنا لكي نفقد إيماننا بالله ولكي نيأسَ مِنَ الله. ونحن نقرأ في إنجيل لوقا 22: 31 عن الرسولِ صاحِبِ الفَمِ المُتَسَرِّع. فنحن نجد هنا مَرَّةً أخرى بُطرسَ بكل مشاكله. وقد قال الربُّ له: "سِمْعان، سِمْعان!"، ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّ الربَّ كان يقول له يوميًّا: "سمعان، سِمْعان!" وأعتقد أنَّ الله كان مُتشوِّقًا لتمجيد سمعان أكثر مِن أي شخصٍ آخر. "وَقَالَ الرَّبُّ: «سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!" وهل تَعلمون ما هي الغَرْبَلَة؟ إنها فَصْلُ العُصَافَةِ عنِ القَمْحِ إذْ يأخذُ المُزارع غِرْبالاً ويضع فيها حُبوبَ القمحَ ويُلقيها في الهواء لتقومَ الرِّياحُ بفَصْلِ العُصافَةِ فتبقى حبوبُ القمح فقط. هذه هي الغَرْبَلَة. إنَّ الشيطانَ يحاول أن يُغَرْبِلَكُم، يا بطرس، ويحاول أن يلقيكم في الهواء ليَطيرَ بعضٌ منكم ويبقى البعض الآخر. فما الذي كان يحاول أن يفعله؟ "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى" ماذا؟ "إِيمَانُكَ". في اعتقادي أنَّ ما كان الشيطان يفعله هو فَصْلُ بطرس عن إيمانه. فقد كان يحاول أن يُغَرْبِلَ إيمانَ بطرس لكي يفقد بطرسُ ثِقَتَهُ. "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ". وسوف أخبركم شيئًا. إنَّ كان يسوع قد صَلَّى لكيلا يَفنى إيمانه، فإنَّ إيمانه لَمْ يَفْنَ. لقد أراد الشيطان أن يَفْصِلَهُ. وقد أراد الشيطان أن يُغَرْبِلَهُ وأن يفصله عن إيمانه. والشيطان يُحِبُّ أن يفصلك عن إيمانك لكي تتخلَّى عنِ إيمانك بالله.
وفي رسالة بطرس الأولى، نجد الشيء نفسه موضحًا لنا في الأصحاح الخامس والعدد 8 إذْ نقرأ: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ". اسمعوني: سوفَ يَبْتَلِعُكُمْ. وما الَّذي يَقْصِدُهُ بذلك؟ "فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ". فالشيطان يريد أن يَبْتَلِعَكَ بمعنى أنه يريد أن يُدَمِّرَ إيمانك. لذلك فإننا نقرأ في رسالة أفسس 6: 16: "حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ". فالشيطان يريد أن يجعلك تَتَّكِل على موارِدِك. وهو يريد أن يفصلك عن إيمانك بالله.
وهناك شيءٌ آخر وهو أنَّ الشيطان يريد منك أن تكذب. فالشيطان يُحِبُّ أن يَراكَ تتكلَّم بالكذب. وفي أعمال الرسل 5: 3، دخل الشيطان في حَنانِيَّا وسَفِّيْرَة. وحينئذ نَظَرَ بطرسُ إليهما مُباشرةً وقال: "لِمَاذَا مَلأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ؟" فالشيطان يريدك أن تكذب. وتذكَّروا فقط أنكم حين تكذبون وتَحْجِبونَ الحقيقة مَنِ الَّذي دَفَعَكُمْ إلى القيام بذلك. رابعًا، الشيطان يريد أن يُجَرِّبَكَ لكي تقترف الخطايا الجنسيَّة. وصَدِّقوني أنَّه منهمكٌ جدًّا في هذا الأمر. وهو مسيطرٌ الآن على وسائل الإعلام كوسيلة للقيام بذلك مِن بين أمورٍ أخرى. وواحدة مِن الآيات الجيِّدة التي تُبيِّن ذلك هي رسالة كورنثوس الأولى 7: 5. وهل تعلمون أنه في جَلَساتِ المَشورة أحيانًا، تجدون أنفسكم في موقف يقول فيه أحد الأشخاص: "هناك أمور ينبغي تصحيحُها في علاقتي بزوجتي وفي حياتنا الزوجيَّة". وعندما تسأله: لماذا؟ فإنه يقول: "لأنَّ زوجتي تَأبَى أن تَنامَ معي إلى أن أتغيَّر. وأنا غير قادرٍ على احتمال ذلك". هل مِنَ الحِكمة القيام بهذا الأمر؟ فإن لم تكوني على وفاق مع زوجك، هل تَحْرِمينَهُ؟
انظروا إلى رسالة كورنثوس الأولى 7: 5 لأنها تُقَدِّمُ بعض العَوْن. واسمحوا لي أن أقول لكم ما يقوله النَّصُّ باللغة اليونانيَّة: "فَلاَ يَمْنَعْ أَحَدُكُمَا الآخَرَ عَنْ نَفْسِهِ". فإن كُنتم تفعلون ذلك، توقَّفوا ولا تفعلوه - " إِلاَّ حِينَ تَتَّفِقَانِ مَعاً عَلَى ذَلِكَ، وَلِفَتْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِقَصْدِ التَّفَرُّغِ للصَّوْمِ والصَّلاَةِ". فإنْ كنتم تفعلون هذا الأمر لهذا السبب، لا بأس. ومعَ أنَّ أُناسًا قليلين يَفعلون هذا الأمر فإنها طريقة جيِّدة للقيام بذلك. أمَّا إنْ كنتم تفعلون هذا لأيِّ سببٍ آخر، يجب عليكم أن تتوقَّفوا. "وَبَعْدَ ذَلِكَ عُودَا إِلَى عَلاَقَتِكُمَا السَّابِقَةِ". لماذا؟ "لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمَا الشَّيْطَانُ لِعَدَمِ ضَبْطِ النَّفْسِ". فإنْ عامَلْتَ شَريكَ حياتِكَ بهذه الطريقة، فإنك تَضَعُهُ في موقفٍ صَعْبٍ فيفقد سيطرته على شَهوته. هل تَرَوْنَ ذلك؟ فالشيطان يُحِبُّ أن يُجرِّب الناس لكي يفقدوا سيطرتهم على أنفسهم. لذلك فإنَّ واحدًا الجوانب التي يحاول الشيطان أن يُجَرِّبَنا فيها (كما هو مُوَضَّحٌ هنا) هو في مجال الخطايا الجنسيَّة.
وهناك نُقطةٌ أخرى - وسوف أُعَجِّلُ قليلاُ وأختم بهذه الفكرة. فقد أطلت عليكم؛ ولكن لا بأس في ذلك لأنه حَقٌّ مُهِمٌّ. والفكرة هنا هي أنَّ الشيطان يريد أن يَجعلنا مشغولين دائمًا بالعالم. وقد رأينا ذلك كثيرًا. لذلك لا حاجة للإسهاب في هذه النقطة. ولكِنْ أريدُ أنْ أقرأَ على مَسامِعِكُمْ ما جاء في رسالة يوحنا الأولى 2: 15: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ". فالشيطان يريد أن يشغل بالكم دائمًا بأمور العالم لأن ذلك يَعني أن تُديروا ظُهورَكُم لله.
وفي الرسالة الثانية إلى تيموثاوس 4: 10، نَجِدُ واحدةً مِن أكثر الجُمَلِ الجديرة بالتأمل في الكتاب المقدَّس إذْ يقول بولس: "لأَنَّ دِيمَاسَ" فَعَلَ ماذا؟ "قَدْ تَرَكَنِي إِذْ" ماذا؟ "أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ". فالشيطان يريد أن يُجَرِّبَكَ لكي تَتَّكِلَ على مواردك، ولكي تتخَلَّى عن إيمانك بالله، ولكي يَفْصِلَكَ عن إيمانك كما يُفْصَلُ القَمْحُ عنِ العُصَافَة، ويريدك أن تكذب، وأن تنغمس في الخطايا الجنسيَّة، وأن تنشغل في العالم.
كذلك فإنَّ الشيطان يريدك أن تكون مغرورًا وأن تكون متكبرًا. ولأنه يرغب كثيرًا في أن تفعل ذلك، فإنه يَسعى إلى القيام بهذا الأمر بطُرق عديدة. وواحدٌ مِنَ الأمثلة التوضيحيَّة على ذلك موجود في رسالة تيموثاوس الأولى 3: 6. فعندما ترغب الكنيسة في اختيار أساقفة أو رُعاة أو شيوخ للكنيسة، نقرأ: "غَيْرَ حَدِيثِ الإِيمَانِ لِئَلاَّ يَتَصَلَّفَ فَيَسْقُطَ فِي دَيْنُونَةِ إِبْلِيسَ". فالشيطان يُحِبُّ أن يَنْفُخَ الناسَ ويجعلهم مُتَكَبِّرين لأنهم حين يفعلون ذلك يسقطون. ويمكنني أن أقول لكم إنِّي رأيتُ ذلك يَحْدُثُ مِرارًا في الكنيسة طوال حياتي عندما يُعْطَى المؤمنونَ الجُدُدَ والمؤمنونَ غيرُ الناضجين مَسؤوليات كثيرة جدًّا. فالكبرياء تَمْلأُ رؤوسَهُم فيسقطون سقوطًا مُريعًا.
وهناك شيءٌ آخر يفعله الشيطان، وأنا وأنتم نَعرفه جيدًّا لأنَّ الكتاب المقدَّس يخبرنا عنه تحديدًا، وهو أنَّ الشيطان يُحِبُّ أن يُجرِّبَنا مِن خلال إحباطنا - مِن خلال إحباطنا. فهو يُحِبُّ أن يَجعل المؤمنَ يائسًا مِن كل شيء. فنحن نقرأ في رسالة بطرس الأولى 5: 6: "فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ، مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ. اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ. وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ". فالشيطان سيُقْحِمُ نَفسه إقحامًا، ويُطْلِق السِّهامَ على إيمانك، ويحاول أن يهدمه، ويحاول أن يملأ حياتك بالإحباط. ولكِنَّ العددَ السابع يقول: "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ" على مَنْ؟ على المَسيح. ثم نقرأ في العدد 10: "وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ". لذلك تَمَسَّكوا، يا أحبائي، لأنَّ الله في صَفِّكُمْ. فلا تيأسوا.
هذه هي الطرق التي يهاجمنا الشيطان مِن خلالها. فهو يهاجم أولاده مِن خلال المَنْعِ، والتَّحريفِ، والسِّياسة. وهو يهاجمنا مِن خلال جَعْلِنا نَتَّكِلُ على مواردنا، ومِن خلال جعلنا نفقد ثقتنا بالله، ومِن خلال جعلنا نفقد إيماننا بالله، ومِن خلال جعلنا نكذب، ومِن خلال جعلنا ننغمس في الخطايا الجنسيَّة، ومِن خلال جَعْلِنا نُحِبُّ العالم، ومن خلال جَعْلِنا مُتكبِّرين، ومِن خلال إحباطنا في صِراعاتِنا الرُّوحيَّة. وهكذا فإنه يحاول أن يُحْرِزَ النَّصْرَ. لكن هل تعلمون شيئًا؟ هناك وَعْدٌ عظيم لكم. ففي كل سنتمترٍ مِنْ هذه التجارب، استمعوا يا أحبائي إلى هذه الكلمات التي وَردتْ في رسالة يعقوب 4: 7 إذْ نقرأ: لا تهربوا، بل: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ" فيَفعل ماذا؟ "فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ". لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصلاة:
نحن نُقِرُّ، يا أبانا، بقدرتك، وسُمُوِّكَ، وسُلطانك المُطلَق. ونحن نَعْلَمُ أنَّ الذي فينا أعظم مِن الذي في العالم. ونحن نشكرك على النُّصْرَة التي لنا في المسيح. ونحن نشكرك، يا أبانا، لأنَّ النَّصْرَ مَضمونٌ لكل شخص يُسَمِّي باسم يسوع المسيح. ونحن نُصلِّي، يا ربُّ، في هذا المساء أنه إنْ كان هناك أيُّ شخصٍ في وسطنا لم يعترف بيسوع رَبًّا، ولم يَتحرَّر مِن سُلطان إبليس، ولم يُوْلَد في ملكوت الله ليكونَ وَلَدًا ووارِثًا مع المسيح، نُصَلِّي أنْ يَحْدُثَ ذلك في هذا المساء - أيْ أنْ تَتِمَّ مُعْجِزَة الوِلادة الجديدةِ مِن خلال الرُّوح القُدُس. وليتَ هذا، يا رَبّ، يَحدُث في هذه الليلة. وبالنسبة إلى الأشخاص المؤمنين مِنَّا، ساعدنا، يا أبانا، على أن نكون مُتَيَقِّظين، وساعدنا على أن نكون حَذِرين، وعلى أن نَرى كيف يَعمل خَصْمُنا، وكيف نُحَصِّن جوانب ضعفنا. نشكرك، يا أبانا، لأنك أعطيتنا هذا الكتاب الثمين، ولأنك فَتَحْتَهُ لنا لكي نفهم أُمورًا كثيرةً لا عنك فقط، بل عنِ العَدُوِّ أيضًا لكي نستمرَّ في السَّيرِ مَعَ رَبِّنا يسوعَ المسيحِ في موكب النُّصْرَةِ التي أَحْرَزَها لنا. نُصَلِّي هذا باسمِهِ المُبارَك. آمين.

This article is also available and sold as a booklet.