
افتَحوا كِتابَكم المقدَّس معي، مِنْ فضلكم، ولننظُر معًا إلى رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 16. ففي خِتامِ دِراسَتِنا لرسالة كورِنثوس الأولى في الأسابيع القليلة القادمة، نَوَدُّ أنْ نَتأمَّل معًا في الكلماتِ الأخيرة الَّتي يَقولُها بولُس. والأصحاح السَّادس عشر يُقْسَم إلى أجزاء عديدة. وفي الجُزء الأوَّل، يَتحدَّث بولُس عنِ التَّقدِمات الَّتي كانَ يرغب في حَمْلِها مَعَهُ إلى المؤمنينَ في كنيسة أورُشليم. وفي الجزء الثاني الَّذي ناقشناهُ في الأسبوعين الماضيين عنِ القيامِ بعملِ الربِّ بطريقةِ الربِّ، يُناقشُ بولُس جوانبَ مِنْ خِدمته الشخصيَّة وكيفَ أنَّهُ كانَ مُكْثِرًا في عمل الربّ.
ثُمَّ في المقطع الَّذي سندرسه في هذا الصَّباح (والذي يَتألَّف مِن آيتين فقط هُما 13 و 14)، يُقَدِّمُ بولُس بعض الوصايا الرَّئيسيَّة جدًّا لمؤمني كورِنثوس. ومِنَ العدد 15 إلى نهاية الأصحاح، يَخْتُم بولُس كلامَهُ بالحديث عن أشخاص مُحَدَّدين وأشياء مُعَيَّنة هي جُزءٌ مِنَ الكنيسة. وسوفَ نتأمَّل في هذه الأمور في المرَّة القادمة. أمَّا الآنْ، سنتأمَّل في العددين 13 و 14. واسمحوا لي أن أقرأَ هذَيْن العَدَدَيْن على مسامِعِكُم لكي تكونَ لديكم صورة عمَّا سنتحدَّث عنه في هذا الصباح: "اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ. كُونُوا رِجَالاً. تَقَوَّوْا. لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ". وهذا نَصٌّ قصيرٌ جدًّا، ولكنَّهُ يَزْخُرُ حرفيًّا بأشياءٍ ينبغي أنْ نَفهمها. فهو نَصٌّ غَنِيٌّ جدًّا. وسوفَ نَرى في هذا الصَّباحِ خمس وصايا رائعة أُسَمِّيها "مبادئ الحياة الفعَّالة"، وهي موجودة في هذَيْن العَدَدَيْن.
ولكن اسمحوا لي أنْ أبتدئَ بإعطائكم خلفيَّة صغيرة. فَمِنْ بين جميع كنائس العهد الجديد الَّتي كَتَبَ بولس إليها، لم تكن هناك كنيسة غارقة في المتاعب أكثر من كنيسة كورِنثوس. ولم تكن هناك كنيسة خاطئة أكثر مِن كنيسة كورِنثوس. ولم تكن هناك كنيسة أكثر إخْفاقًا في تطبيق وصايا الله لكنيستِه أكثر مِنها. فقد كانَ الكورِنثيُّونَ في ورطة حقيقيَّة. والحقيقة هي أنَّهُ رُبَّما تَذكرونَ أنَّنا اعْتَدْنا قبلَ وقتٍ طَويل أنْ نُسَمِّيهم "الكورِنثيُّون البَغيضون". فإنْ كان هناكَ شيء خاطئ، لا بُدَّ أنْ يَشتركوا فيه. فقد كانوا مُنغمسينَ في الخطيَّة. وكانت لديهم مشاكل كثيرة جدًّا. ولأنَّها رُبَّما كانت في أسوأ حالة مَرَّتْ فيها كنيسة العهد الجديد، فقد تَلَقَّتْ أعنفَ توبيخ. فلا توجد كنيسة أُخرى تَلَقَّتْ توبيخًا أكثرَ منها.
مِن جهة أخرى، نَجِدُ هُنا بُرهانًا على المَحبَّة لأنَّ المحبَّة تَدْفَعُ إلى التَّأنيبِ والتَّوبيخِ عند وجود خطيَّة ظاهرة. والحقيقة هي أنَّني أَوَدُّ أنْ ألفتَ أنظارَكُم إلى حقيقة أنَّهُ إنْ أخذتُم الأصحاحات الستَّة عشرَ لرسالة كورِنثوس الأولى، وأَضَفْتُم إليها الأصحاحات الثلاثة عشر لرسالة كورِنثوس الثانية، سيصيرُ لديكم تسعةٌ وعِشرونَ أصحاحًا كُتِبَتْ لتقويمِ كنيسة واحدة فقط. ومِنْ جِهَة عدد الأصحاحات، هذا يَجْعَلُ هذه الرسالة (بِجُزْءَيْها) أطولَ سِفْرٍ في العهد الجديد. فلا يوجد سِفْر آخر يحوي تسعةً وعشرينَ أصحاحًا. وأقربُ سِفْرٍ مِنْ جِهَة عدد الأصحاحات هو إنجيل مَتَّى وسِفْر أعمال الرُّسُل. ولكِنَّ هذه الرسالة تحوي تسعةً وعشرين أصحاحًا لأنَّ هناكَ الكثيرَ لِيُقال، ولأنَّه كانت هناك فَوضَى عارِمَة في كورِنثوس. ولا أدري ما رأيُكُم بذلك، ولكنِّي لا أُحِبُّ أنْ يُكْتَبَ عَنِّي تسعةٌ وعِشرونَ أصحاحًا مِنْ أجلِ تقويمي. ولكِنَّ هذا هو ما حدثَ في كورِنثوس.
ومعَ أنَّ السِفْرَ مَحْشُوٌّ بالتوبيخ، فإنَّهُ يَزْخُرُ أيضًا بالمحبَّة لأنَّهُ (كما تَعلمون) فإنَّ المحبَّة هي الَّتي تَدعو إلى البِرّ. أليسَ كذلك؟ والمحبَّة هي الَّتي تُوَبِّخُ دائمًا. والمحبَّة هي الَّتي تقول: "هذِهِ هِيَ الطَّرِيقُ. اسْلُكُوا فِيهَا". وفي رسالة كورِنثوس الأولى 4: 14، تَجِدونَ مِفْتاحَ السِّفْر إذْ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 4: 14: "لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهذَا، بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ". فالرسالة إلى أهل كورِنثوس لم تُكْتَب إليهم لِتَخْجيلِهِم. أيْ أنَّها لم تُكْتَب لإحْراجِهِم، بل كُتِبَتْ بدافع المحبَّة مِنْ أجلِ حَضِّهِمْ على السُّلوكِ في الصَّلاح لكي يَرِثوا بَرَكاتِ اللهِ. لِذا فإنَّهُ رسالة محبَّة. والمحبَّة تَفعل ذلك، كَمَا تَرَوْن. وأخيرًا، فإنَّ السِّفْرَ كُلَّهُ يَصِلُ إلى ذُرْوَتِه في الأصحاح الثالث عشر. أليسَ كذلك؟ إذْ إنَّهُ يُقَدِّمُ تَعريفًا عظيمًا للمحبَّة.
لِذا، صَحيحٌ أنَّ بولُسَ وَبَّخَهُم، ولكنَّ توبيخَهُ هو توبيخٌ نابعٌ مِنْ مَحَبَّة. فَهُوَ يكتب إليهم لكي يُبْعِدَهُم عن خطاياهُم. وهُوَ يَتَصَدَّى لكُلِّ مُشكلة لديهم. وَقَدْ كَتَبَ بولُس أربعةَ عشرَ أصحاحًا مِن هذه الرِّسالة الأولى لتقويمِ سُلوكيَّاتهم الخاطئة، وأصحاحًا واحدًا لتقويمِ لاهوتِهِم الخاطئ. وَهُوَ يَصِلُ الآنَ إلى الأصحاح السادس عشر ويَكتُبُ بعضَ الأفكارِ الخِتاميَّة. ومِن بين الأشياء الَّتي يَخْتم بها رسالَتَهُ هذا المقطع الصغير والقصير المُؤلَّف مِنَ العددَيْن 13 و 14.
وفي أغلبِ الأحيان، نَجِدُ أنَّ الأفكارَ في نهاية رسائل بولس ليست مُترابطة تمامًا. فقد يَطرَحُ فِكرةً هُنا وفِكرةً هناك. فهي تُشبه المُلاحظات. وأعتقد أنَّ الرِّسالة الرَّسميَّة تنتهي بالعدد 58 مِنَ الأصحاح 15. فالعدد 58 هو خُلاصة الرِّسالة بِرُمَّتِها: "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. فهذه هي الذُّروة. ثُمَّ إنَّهُ يَذكرُ بعضَ المُلاحظات.
فهو يَتحدَّث قليلاً عنْ جَمْعِ التَّقدمات. ومِنَ الواضحِ أنهم سألوه عن هذا الأمر. لِذا فإنَّه يَتطرَّق إلى هذا الموضوع في الخِتام. ثُمَّ إنه يَتحدث قليلاً عن خِدمته. ثم إنَّه يتحدَّث قليلاً عن بعض الأمور الَّتي تَجري في الكنيسة في التحيَّة الخِتاميَّة. ولكِنْ حينَ ننظر إلى هذا الأصحاح فإنَّنا نُلاحظُ أنَّ الشَّيءَ البارزَ فيه هو هذه التَّوصيات في العددَيْن 13 و 14. فهناك خمسة أَفْعال أَمْرٍ في النَّصِّ اليونانيّ. وهذا يَجْعَلُها وَصايا. فهي ليست أمورًا اختياريَّة، بل هي وصايا مِنَ الرُّوحِ القُدُس إلى المؤمن. وأنا أُسَمِّيها "مبادئ الحياة الفعَّالة".
وسوفَ أُخبركم عن أهميَّة هذه الوصايا؛ وَهُوَ أمرٌ مُدهشٌ. فقد كنتُ أحاولُ فقط أنْ أُرَتِّبَ أفكارَ بولُسَ في ذِهني. وحينَ دَرَسْتُ هذه الوصايا الخمس، وَجَدْتُ بصورة أساسيَّة أنَّها قد كُتِبَتْ بصيغة إيجابيَّة على النَّقيضِ تَمامًا مِنَ الصِّيغة السلبيَّة الَّتي كُتِبَتْ فيها الأصحاحات الخمسة عشر الأولى. فهي على النقيضِ تمامًا منها. فقد استمرَّ طَوالَ خمسَةَ عشرَ أصحاحًا يقول: "لا تَفعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، ولا تَفعلوا هذا، ولا تَفعلوا ذاك. وتوقَّفوا عن فعل هذا، وتوقَّفوا عن فعل ذلك". وها هو الآن يقولُ فجأةً: "انْتِباه! افعلوا هذا، وافعلوا هذا، وافعلوا هذا، وافعلوا هذا، وافعلوا هذا". وهذا هو الجانبُ المُقابِل.
وَهُوَ يُصْدرُ خمسة أوامر عسكريَّة، في الحقيقة، إذْ إنَّهُ يَقولُها كما يُصْدِرُها المُدَرِّبُ في مُعَسْكَرِ التَّدريبِ في الجيش: "اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ. كُونُوا رِجَالاً. تَقَوَّوْا. لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّة". والحقيقة هي أنَّهم لو تجاوبوا مع هذه الوصايا الخمس لما كُتِبَتْ بقيَّة الرسالة لأنَّ هذه هي الأشياء الَّتي تَعْكِسُ الأخطاءَ السَّابقة. ولننظُر إلى هذه الوصايا الخمس. ويمكنكم أنْ تُتابعوا ذلكَ في المُخَطَّط الموجود في النَّشرة الَّتي بين أيديكم إنْ شِئتُم. والآنْ، لننظر إلى هذه الأوامر العسكريَّة الخمسة المُعْطاة للمؤمن.
أوَّلاً، "اسْهَروا". فالوصيَّة الأولى هي: "اسْهَروا". والكلمة المستخدمة هنا في العدد 13 هي: "اسهَروا"...اسهَروا. والآنْ، إذا أَسميتَ ابْنَكَ "غريغوري" (Gregory) فإنَّ مَعنى اسْمَهُ هو: "اسْهَر". فالكلمة اليونانيَّة "غريغوريئو" (gregoreo) تعني: "اسهر" أو "تَيَقَّظ". وهي تعني ذلكَ حَقًّا وتُستخدَم بالمعنى الجسديِّ للإشارة إلى السَّهَر على النَّقيضِ مِنَ النَّوم. فنحنُ نقرأ في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 10: "[المسيح] الَّذِي مَاتَ لأَجْلِنَا، حَتَّى إِذَا سَهِرْنَا أَوْ نِمْنَا نَحْيَا جَمِيعًا مَعَهُ". وَهُوَ يَستخدِم الكلمة نفسَها بمعنى "السَّهَر"، وهي تُشيرُ إلى الحياةِ على النَّقيضِ مِنَ الموت. ولكِنْ في الأصحاحِ نفسِه (وتحديدًا: في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 6)، تُستخدَم الكلمة بالمعنى الروحيِّ: "فَلاَ نَنَمْ إِذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ". لِذا، قد تُستخدَم هذه الكلمة للإشارة إلى السَّهَرِ الجسمانيِّ، أو قد تُستخدم للإشارة إلى السَّهرِ الرُّوحيِّ. وهي تُستخدَم هنا بالمعنى الروحيِّ. فَمِنَ الواضحِ أنَّهُ لا يَكتُبُ لأُناسٍ نائمينَ جسديًّا، بل يَكتُبُ لأناسٍ نائمينَ روحيًّا. وَهُوَ يقول: "استيقظوا، تَيَقَّظوا". وبحسبِ أغلبيَّةِ المَعاجِم فإنَّ هذه الكلمة تُشيرُ إلى ما هو أكثر مِنْ مُجَرَّدِ اليقظة وعدم النَّوم. فهي تَنْطَوي على فِكرةِ التَّنَبُّهِ حَقًّا واليَقَظَة حَقًّا؛ أيْ إلى بِذْلِ الجُهْدِ لكي تكونَ مُتَنَبِّهًا.
والفِكرة هي أنْ تَكونَ واعِيًا لِما يَجري حَوْلَكَ. والكلمة المستخدمة هنا (أي: "اسْهَروا"، أوِ "انْتَبِهوا"، أوْ: "تَيَقَّظوا") تُستخدَم اثنتين وعشرين مَرَّة في العهد الجديد. وهي تُستخدم المَرَّة تلو المَرَّة تلو المَرَّة في مُخاطبة المؤمن. فحياةُ المؤمن ينبغي أنْ تكونَ حياةَ تَيَقُّظ. فيجب علينا أنْ نكونَ مُتَيَقِّظين. ويجب علينا أنْ نكونَ مُتَنَبِّهين. ويجب علينا أنْ نُبْقى حَواسَّنا عَامِلَةً لكي نَفهمَ ما يَجري، ولكي نُقَيِّمَ الأمورَ ونَتَنَبَّهَ إلى كُلِّ ما يَفعَلُهُ العَدُوّ. فلا يمكنكَ أنْ تَحيا الحياةَ المسيحيَّة (كما يقولُ بولُس) وأنتَ فاقِد الوَعْي، بل ينبغي أنْ تكونَ مُتَيَقِّظًا.
وقد كانَ هذا الأمرُ جُزءًا مِنْ حياةِ الكورنثيِّين. فقد كانوا فاقدي الوعي طَوالَ الوقت. فقد كانَ كثيرونَ منهم فاقدي الوعيِ جسديًّا. فقد كانوا مُخَدَّرين. وكانوا سَكارى. فهو يقولُ لهم في رسالة كورنثوس الأولى 11: 21: "حينَ تأكلونَ فإنَّكم تَجتمعونَ معًا. وأنتم تَظُنُّونَ أنَّهُ عَشاءُ الربِّ، ولكنَّهُ ليسَ كذلك. فحينَ تجتمعونَ، لا يجوزُ أنْ تَجتمعوا للسَّببِ الَّذي في أذهانِكُم". وهو يَقول: "لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْبِقُ فَيَأْخُذُ عَشَاءَ نَفْسِهِ فِي الأَكْلِ، فَالْوَاحِدُ يَجُوعُ وَالآخَرُ [ماذا؟] يَسْكَرُ". فقد كانوا يَسْكَرونَ حَرفيًّا. لِذا فقد كانوا في حالة غَيبوبة.
ومِنْ بينِ الأسبابِ الَّتي تُحَتِّمُ علينا ألَّا نَسْكَر هو أنَّهُ حينَ تَسْكَر فإنَّكَ لا تعودُ تَدري بما يجري في حياتِكَ المسيحيَّة، ولا تَعودُ مُتَيَقِّظًا للشيطان، ولا تَعودُ مُتيقِّظًا للتجربة، ولا تَعودُ مُتيقِّظًا للحاجات، ولا تعود مُتيقِّظًا لأيِّ شيء. وهذا سَبَبٌ كَافٍ لعدم تَناوُلِ أيِّ شيءٍ يَجعلُكَ تحتَ تأثيرِهِ ويَجعلُكَ غيرَ مُتَيَقِّظ.
وقد كانَ الكورِنثيُّونَ في حالة سُكْر جسديّ أحيانًا. ولكِنَّ قَصْدَ بولُس الرَّئيسيّ هُنا هو ليسَ اليَقَظة الجسديَّة، بل الرُّوحيَّة. فقد كانوا في حالة غيبوبة روحيَّة. فَهُمْ لم يكونوا مُتَنَبِّهين. وهذا موقفٌ قاتِلٌ للمؤمن. وبالمناسبة، حينَ تُسَافِرُ وتتحدَّثُ إلى مؤمنينَ مِنْ مُختلفِ الطَّوائفِ ومُختلفِ الكنائس الَّتي لا تُعَلِّمُ الكِتابَ المقدَّسَ، سَتَجِدُ أنَّهم لا يَفهونَ المبادئَ الروحيَّة وأنَّهم يعيشونَ أغلبيَّةَ حياتِهم المسيحيَّة في حالة غيبوبة. فَهُمْ لا يَعرفونَ حقًّا ما يَجري. وإذا أخبرتهم حقيقة روحيّة بسيطة فإنَّهم يَتعجَّبون كما لو أنَّ ذلكَ نَزَلَ عليهم مِنَ السَّماءِ في تلك اللَّحظة.
واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم ما أعنيه. سوفَ أَرْجِعُ إلى الوراءِ في هذه الرِّسالة. وعندَ حديثِنا عن كُلِّ نُقطة مِنْ هذه الوصايا الخمس، سأُريكم الموقفَ المُعاكِس في كورِنثوس وكيفَ أنَّ هذه النِّقاط الخمس هي ببساطة عَكْس جميع مشاكِلهِم. فلنرجِع إلى الوراء. فهل كانوا ساهِرين؟ الجوابُ هُوَ: لا. استمعوا وَحَسْب. لا تُحاولوا أنْ تَفْتَحوا على هذه الآيات، بلِ استمعوا إليها وَحَسْب. فهو يقول في رسالة كورِنثوس الأولى 5: 6: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟" فهو يقول: "ما بالُكُم! ألا تَعلمونَ أنَّهُ لا يجوزُ أنْ تَتركوا الخُطاةَ في الشَّرِكَة دونَ أنْ يُؤثِّرَ ذلكَ فيها؟"
وَهُوَ يقول في الأصحاحِ الخامِسِ والعدد 12: "أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ تَدِينُونَ الَّذِينَ مِنْ دَاخِل؟" أيْ: "ألا تُقَيِّمونَ النَّاسَ لِتَرَوْا ما إذا كانوا يتركونَ تأثيرًا إيجابيًّا في الشَّرِكَة أَمْ تأثيرًا سلبيَّا؟" وَهُوَ يقول في رسالة كورِنثوس الأولى 6: 2: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟" أيْ: "لِمَ لا تَهتمُّوا بشؤونكم بالطريقة الَّتي أعطاكمُ اللهُ حَقًّا سُلطانًا أنْ تُمارسوها عِوَضًا عن أنْ تَشتكوا عليهم أمامَ قُضاةٍ وَثَنِيّين"؟ وَهُوَ يقول: "ألا تَعلمونَ أنَّهُ لا يمكنكم أنْ تَتركوا خميرةً في الكنيسة؟ ألا تَعلمونَ أنَّهُ ينبغي لكم أنْ تَدينوا الخطيَّة في وسطكم؟ ألا تَعلمونَ أنَّ اللهَ قد أعطاكم سُلطانًا في الملكوت؟ فيجب عليكم أنْ تُعالِجُوا مَشاكِلَكُم هُنا عِوَضًا عن مُحاكمتهم أمامَ المحاكمِ الوثنيَّة". وَهُوَ يقول في رسالة كورِنثوس الأولى 6: 3: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟". "ألا تَعلمونَ أنَّنا قد تَلَقَّينا دَعوةً عُليا مِنَ اللهِ وأنَّهُ ينبغي لنا أنْ نُعالِجَ مَشاكِلَنا بأنفُسِنا؟" وَهُوَ يقول في الأصحاح 6 والعدد 5: "أَهكَذَا لَيْسَ بَيْنَكُمْ حَكِيمٌ؟" وَهُوَ يقول في الأصحاح 6 والعدد 9: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟" وَهُوَ يقول في الأصحاح 6 والعدد 15: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟" وفي الأصحاح 6 والعدد 16: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ الْتَصَقَ بِزَانِيَةٍ هُوَ جَسَدٌ وَاحِدٌ [مَعَ تلكَ الزَّانية]؟" وفي الأصحاح 6 والعدد 19: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُس؟"
والمشكلة لدى الكورنثيِّينَ هي أنَّهم لم يكونوا يعلمون. أَتَرَوْن؟ فقد كانوا في حالة ذُهول دائمًا! ولا يمكنك أنْ تكونَ مُتيقِّظًا إنْ لم تكن تَدري شيئًا. أليس كذلك؟ فقد كانوا في حالة غيبوبة روحيَّة. لِذا فإنَّهُ يقول في رسالة كورِنثوس الأولى 8: 9: "احْذَروا...استيقِظوا". وفي رسالة كورِنثوس الأولى 10: 12: "احْذَروا". وَهُوَ يقول في الأصحاح 12 والعدد 1: ""وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، فَلَسْتُ أُرِيدُ [ماذا؟] أَنْ تَجْهَلُوا...ولكنَّكُم كذلك". فقد كانوا جُهَّالاً. وكانوا في حالة غيبوبة. ولم يكونوا حَذِرين. والنتيجة هي أنَّ كُلّ حياتهم كانت في حالة فَوضَى.
ويمكنكم تلخيص مشكلة أهل كورِنثوس في العدد 6: 12 الَّذي يُعَبِّر عن جُزءٍ مِنْ مُشكلَتِهِم. فبولس يقول: "كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ". فلأنَّ الكورنثِّيينَ كانوا في حالة غيبوبة، كانوا يَقَعونَ تحتَ سَيطرةِ كُلِّ شيء. فقد كانوا ضَحايا لِكُلِّ شيءٍ: لِكُلِّ فلسفةٍ بشريَّةٍ زائفة، ولِكُلِّ سُلوكٍ بشريٍّ خاطئ. وكانوا ضَحايا لِكُلِّ ذلك لأنهم لم يكونوا يَقِظين. فقد كانوا يَجهلونَ هذا، ويَجهلونَ هذا، ويَجهلونَ هذا. وقد تقول: "يا لهم مِنْ مَساكين. فَهُمْ لم يملِكوا أيَّة مَصادِر". بَلَى، لقد كانوا يَملكونَ مَصادر. فقد كانت لديهم مَصادِر كثيرة.
لِذا فإنَّهُ يقول في رسالة كورِنثوس الأولى 15: 34: "اُصْحُوا لِلْبِرِّ وَلاَ تُخْطِئُوا". وكما ترون، فإنه يقولُ لهم أنْ يَستَفيقُوا. اسمعوني: يجب على المؤمنينَ أنْ يَكونوا صَاحِيْن. فلا يمكنك أن تَحيا حياةً مَسيحيَّةً مُنتصرةً وأنتَ تَعيشُ في جهل – البَتَّة. ولا يمكنكَ البَتَّة أنْ تُطَبِّقَ مبادئَ لا تَعرفها. وإذا كنتَ مؤمنًا مِنَ النَّوعِ الَّذي يَقولُ دائمًا: "لا أدري"، فإنَّكَ في مُشكلة عويصة. فقد تَخَلَّيْتَ عَنْ فَرَحِ الوجودِ في صُلْبِ مشيئةِ اللهِ، وتَخَلَّيْتَ عنِ الفَرَحِ النَّاشِئِ عنِ رؤيةِ بَرَكَاتِ اللهِ بسببِ عَدَمِ عِلْمِكَ بمشيئَتِه.
والعهدُ الجديدُ يقولُ الكثيرَ عَمَّا ينبغي أنْ نَحْذَرَ مِنْه. وقد تقول: "أنا مُتَيَقِّظٌ يا جون، ولكِنْ ما الَّذي ينبغي أنْ أحذرَ مِنه؟ فأنا يَقِظٌ حقًّا، ولكن ما الَّذي ينبغي أنْ أراه؟" حسنًا! أوَّلاً، يقولُ الكتاب المقدَّس إنه ينبغي لنا أن نَحذرَ مِنَ الشيطان. فبُطرُس يقول في رسالة بطرس الأولى 5: 8: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ [كَماذا؟] كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ". ومَنِ الَّذي سَيبتلعه؟ سوفَ يَبتلعُ الشَّخصَ الَّذي لا يَفعل ماذا؟ لا يَسْهَر. لِذا يجب عليكم أن تحذروا مِنَ أساليبِ الشَّيطانِ الخبيثة والماكِرَةِ والمُخادِعَة. ويجب عليكم أن تفهموا كيفَ يَعمل.
ويجب عليكم أن تعرفوا أنَّهُ يُشبهُ بصورة رئيسيَّة مُدَرِّبَ كُرة القدم لديه ثلاثة أساليب فقط. لِذا فإنَّهُ مِنَ السَّهل علينا أنْ نُقاوِمَها: شهوة الجسد، وشهوة العين، وماذا؟ تَعُظُّم المعيشة. فهو يَستخدِمُ نفسَ هذه الأساليب الثلاثة دائمًا. ويجب عليكم أن تَعرِفوا أساليبَهُ. ويجب عليكم أنْ تَصْحُوا وأنْ تَسهروا. فلا يجوزُ أنْ تَسقُطوا في فَخِّهِ لأنَّهُ يَجولُ مُلْتَمِسًا شخصًا يأخُذُ غَفْوَةً – مِثْلَ شَخْصٍ يَدْخُلُ غَابَةَ أُسودٍ ويَخْرُجُ مِنْ سَيَّارَتِه ليأخُذَ غَفْوَةً على العُشب. فهو يبحثُ عن شخصٍ مِن هذا النوع. لِذا، احذروا مِنَ الشَّيطان.
ثانيًا، احذروا مِنَ التَّجربة. ففي إنجيل مرقس 14: 38، قالَ يسوع: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي" [ماذا؟] تَجْرِبَة". فيجب عليكم أن تحذروا مِنَ التجربة. فالشَّيطانُ لديهِ أعوانٌ لن يَخْطُروا بِبالِكُم يومًا. فلا يمكنكم أنْ تَجُولوا في العالمِ وأنْ تُعَرِّضوا أنفُسَكم لكل الأخطارِ مِنْ دون أنْ يُؤثِّرَ ذلكَ فيكم. فهذا سيؤذيكم. وهذا سيُعَرِّضُكم للخطر والتَّجربة. لذلك، احذروا وابقوا أعيُنَكُم مفتوحة.
والشيء الثالث الَّذي يتحدَّثُ عنه العهدُ الجديدُ هو أنَّهُ ينبغي أنْ نَحذرَ مِنَ الفُتورِ واللامُبالاة. فهو يقولُ للكنيسة في ساردِس في الأصحاح الثالث مِن سِفْر الرُّؤيا: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ. كُنْ سَاهِرًا" ... "كُن ساهرًا وَشَدِّدْ مَا بَقِيَ". اسمعوني: إنَّ الكنيسة مُعَرَّضة للوقوعِ في فَخِّ الفُتور. والمؤمنُ قد يَسقُطُ في فَخِّ العَجْرَفَةِ، والاعتدادِ بالنَّفسِ، واللَّامُبالاة وعَدَمِ الاكتراث. وقد قالَ الربُّ لكنيسة سادرس: "إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ في اللَّيل لتأديبِك".
فالربُّ سيأتي بِعَصا التَّأديبِ على المؤمنِ الفاتِرِ غيرِ المُكْتَرِث الَّذي لا يَتوبُ عن خطاياه، ولا يُعالِج ضَعْفَهُ، ولا يُعالِج عِصْيانَهُ. فلا تَظُنّ أنَّهُ يُمْكِنُكَ أنْ تَفعلَ ما تَشاء وأنْ تَعْمَلَ مَشيئَتَكَ دونَ أيَّة عواقب. فأنا أُوْمِنُ أنَّ اللهَ سيُؤدِّبُك. وأنا أُوْمِنُ أنَّهُ سيؤدِّبُك لأنَّهُ إلَهٌ مُحِبٌّ يريدُ أنْ يُعيدَكَ إلى السًّلوكِ الصَّحيحِ لكي يُغْدِقَ عليك كُلَّ بَرَكاتِه الَّتي لديهِ لك. لِذا فإنَّ الفُتورَ فَخٌّ آخر ينبغي أنْ تَحذروا منه. انظر إلى حياتِك. وحين تَشعرُ بالارتياحِ بالرَّغمِ مِن وجود خطيَّة في حياتِك، فإنَّ هذا يعني أنَّكَ لم تَعُد تحاولُ التَّصَدِّي لها، ولم تَعُد تحاولُ أنْ تُعالجها، فإنَّكَ في ورطة حقيقيَّة. لذا، احذر مِن ذلك.
وهناكَ خَطَرٌ آخر. احذروا مِنَ المُعَلِّمينَ الكذبة. فقد قالَ بولُس في رسالته الثانية إلى تيموثاوس: "لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ". وَهُوَ يقول في رسالة تيموثاوس الثانية 4: 5: "وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ". فيجب أن تكونوا وَاعِيْنَ للتَّعليمِ الزَّائفِ والعقيدةِ الزَّائفة، وأنْ تُبْقوا أذهانَكُم صَاحِيَة.
خامسًا، إنَّ الكتاب المقدَّس يُخبرنا أنْ نَسْهَرَ مُصَلِّين. فبُطرس يقول: "وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ" (في رسالة بُطرس الأولى 4: 7). وبولُس يقول في رسالة أفسُس 6: 18: "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ". فيجب علينا أنْ نَسهر. فلا يمكنكم أنْ تُصَلُّوا مِنْ دونِ أنْ تَعلموا ما يَجري. وقد اعْتَدْتُ أنْ أتحدَّثَ عَنْ "مارسي" (Marcy) عندما كانت صغيرة. فقد كانت تقولُ دائمًا: "إلهي الحبيب، بارِك العالمَ الكَبيرَ كُلَّهُ". وكنتُ أقولُ لها: "مارسي، لا يمكنكِ أنْ تقولي ذلك. ما الَّذي تَقصدينَهُ بالقول: ’بارِك العالمَ الكَبيرَ كُلَّهُ‘؟ يجب أنْ تكوني مُحَدَّدة يا عَزيزتي". فلا يُمكنكَ أنْ تُصَلِّي قائلاً: "يا رَبّ، بارك العالَمَ الكبيرَ كُلَّهُ". بل يجب عليكَ أنْ تَعلم أنَّ اللهَ يُريدُ منكَ أنْ تُصَلِّي لأمور مُحَدَّدة. وهذا هُوَ السَّهَر. فكيفَ سَتُصَلِّي إنْ لم تكن تَعلمُ ما يَجري؟ كُنْ مُحَدَّدًا.
حسنًا! إليكُم النُّقطة الأخيرة. فقد قُلنا: احذروا مِن إبليس، واحذروا مِنَ التَّجربة، واحذروا مِنَ الفُتور، واحذروا مِنَ المُعَلِّمين الكذبة، واسهروا مُصَلِّين. وأخيرًا، اسْهَروا وتَرَقَّبوا مَجيءَ الربِّ ثانيةً. فالعهدُ الجديد يقول في إنجيل مَتَّى 24: 42، و 25: 13، والعديد مِنَ الآيات الأخرى إنَّ الربَّ سيأتي ثانيةً. "اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِــي رَبُّكُمْ". اسهروا. وما مَعنى السَّهر؟ هل يَعني أنْ تَمْشي وأنتَ تَنْظُر إلى الأعلى طَوالَ الوقتِ وتَقولَ: "لا أراهُ قادِمًا اليوم"؟ لا! بل إنَّ هذا يَعني أن تَسْهَرَ هُنا عَالِمًا أنَّهُ سيأتي، لا أنْ تَحْيا هُناك. راقِبْ حياتَك. فالوقتُ المُتاحُ لَكَ بالكاد يَكفي للقيام بالمَهامِّ الَّتي أَوْكَلَها اللهُ إليك. اسْهَر. وهذا أمرٌ جَيِّد. وأنا أرغبُ في القيام بذلك.
ولكِنَّ الكورنثيِّينَ أَفْسَدوا ذلك. فالكورنثيُّونَ لم يكونوا يَقِظين. لِذا، فقد وَقَعوا في فَخِّ الشَّيطان. وقد وقعوا في التَّجربة. وقد وقعوا في فَخِّ الفُتورِ واللامُبالاة. وقد وقعوا في فَخِّ المُعلِّمين الكذبة. وقد وقعوا في فَخِّ عدمِ الصَّلاةِ ولم يكونوا مُستعدِّينَ لمجيءِ الربِّ ثانيةً. بل إنَّهم كانوا يُنكرونَ القيامة. لِذا فإنَّ بولس يقول لهم: "انظروا! يمكنكم أنْ تَعكِسوا ذلكَ كُلَّهُ إنْ سَهِرْتُم". فسوفَ يكونُ ذلكَ كَفيلاً بِحَلِّ مشاكل كثيرة جدًّا إنْ سَهِرْتُم.
وقد تقول: "كيفَ نَفعلُ ذلك؟" سوفَ أُخبركم كيف. فكُلُّ التحذيراتِ الَّتي تحتاجونَ إلى معرفتِها موجودة في كلمة الله. لِذا، لكي تَسْهَر، انظر وَحَسْب إلى هذا الكِتاب. فهو يُشبِهُ المِجْهَرَ الَّذي يَكْشِفُ كُلَّ خِدْعَة مِنْ خِدَعِ الشَّيطان. فهو يَكشِفُ كُلَّ أكاذيبِه. اسهروا، ولاحِظوا ما يقولُهُ هذا الكتاب، ثُمَّ طَبِّقوا هذه المبادئ. فكلمةُ اللهِ نافعة لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ تَكُونَ إِنْسَانًا كَامِلاً وناضِجًا. لِذا، ادْرُس الكلمة وَحَسْب. فهي النَّافذة الَّتي تُراقِبُ مِنها.
أمَّا النُّقطةُ الثانية في مبادئ الحياة الفعَّالة فهي أنْ تكونَ ثابِتًا. فيجب عليكَ [أوَّلاً] أنْ تَسْهَر، وَ [ثانيًا] أنْ تَثْبُت. وأنا أُحِبُّ الأشخاصَ الثَّابتين. أليسَ كذلك؟ وأنا أُحِبُّ الأشخاصَ الذينَ يُدافِعونَ عَمَّا يُؤمِنونَ به. فأنا لا أُحِبُّ الأشخاصَ الذينَ يَتأرجَحونَ ويَتَقَلَّبونَ وَيُحْمَلونَ بِكُلِّ رِيْحِ تَعليم، بل أُحِبُّ الأشخاصَ الذينَ يُؤمِنونَ حقًّا بما يؤمنونَ به ويَتمسَّكونَ به. وَهُوَ يقولُ هنا: "اثْبُتُوا فِي الإِيمَان". والكلمة اليونانيَّة المُستخدمة هُنا هي "ستيكو" (steko). وأنا أتذكَّرُ دائمًا كُلَّ الأشياءِ الرَّاسِخَةِ عندما أَسمعُ هذه الكلمة. فهي قويَّة وراسخة. فهو يقول: "اثْبُتوا". وكما قالَ "هودج" (Hodge): "لا تُفَكِّر في كُلِّ نُقطة في العقيدة كما لو كانت سُؤالاً مَفتوحًا". فقد كانَ الكورنثيُّونَ مَحمولينَ بكُلِّ ريح تَعْليم. وهو يقولُ لهم: "اثْبُتوا". وقد كانَ الكورنثيُّونَ بحاجة إلى سَماعِ ذلك. ولاحِظوا ما يقول: "اثْبُتُوا فِي الإِيمَان". وَهُوَ لا يتحدَّثُ عنْ إيمانٍ وَحَسْب كما لو كانَ شيئًا روحيًّا، بل يتحدَّثُ عنِ الإيمانِ بِمُحْتوى إعلانِ الله. أيْ: اثْبُتوا في الإنجيل...في الإيمان...في الإيمانِ الَّذي وَصَفَهُ يَهوذا بأنَّهُ "الْمُسَلَّم مَرَّةً لِلْقِدِّيسِين". الإيمان، أيْ: الإيمان المَسيحيّ. اثْبُتوا في الإيمان. تَمَسَّكوا بكلمةِ الله. اثْبُتوا في الإنجيل. فهذا هو ما يَقولُه. لِذا، لا يَجوزُ لنا أنْ نَخْلِطَ بينَ الإيمان الحقيقيّ والإيمان الَّذي يُستخدَم كَسِلْعَة رُوحيَّة.
وحتَّى إنَّنا نقرأ في رسالة تيموثاوس الأولى 6: 12: "جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَن". ومَعَ أنَّ بعضَ التَّرْجَماتِ لا تَستخدِمُ "أَلّ التَّعريف" هُنا فإنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يَسْتَخْدِمُها إذْ نَقرأُ: "جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَن". وكما تَرَوْن، يجب علينا أنْ نُجاهِد في سبيل التمسُّك بالإيمان لأنَّ الشيطانَ يريد أنْ يُبْعِدَ الإيمانَ عَنَّا – أيْ مُحتوى الحَقّ.
وقد تقول: "وما الَّذي كانَ الكورنثيُّونَ يَفعلونَهُ؟" اسمعوني: لم يَكُن هؤلاءِ ثابِتينَ في الإيمان. واسمحوا لي أنْ أسألَكُم: ما هوَ جَوْهَرُ الإيمانِ الحقيقيّ؟ سوفَ أُجيبُ عن هذا السؤال. إنَّهُ ما يَلي: إنْ يكونَ إيمانًا مُعْلَنًا مِنَ الله. أليسَ كذلك؟ إنَّ جوهرَ الإيمانِ الحقيقيِّ هو أنْ يكونَ إيمانُنا، أيْ مَضمونُ الإنجيلِ، مُعْلَنًا بصورة خارقة للطبيعة مِنْ قِبَلِ اللهِ ولا مَثيلَ لَهُ. فهو إيمانٌ مُعْلَنٌ. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ لقد تَخَلَّوْا عن ذلكَ أصلاً. واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم ذلك. ارجعوا إلى الأصحاح الثالث. فَهُمْ لم يكونوا ثابِتينَ في الإيمان.
ولنرجِع إلى الأصحاح الأوَّل قليلاً. فقد كان الناسُ يقولون: "يا لِسَخافة الإيمانِ المسيحيّ! فالمسيحيَّة مُجَرَّد جَهالة". ألم يكونوا يَقولونَ ذلك؟ إنَّها مُجَرَّدُ جَهالَة. فهذا هو ما كانوا يَقولونه. "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ [في العدد 18] عِنْدَ الْهَالِكِينَ [ماذا؟] جَهَالَةٌ". إنَّها مُجَرَّدُ جَهالة. "أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟" [في العدد 20] "أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ الَّذينَ يَتَمَسَّكونَ بالحِكمة البشريَّة؟" أَتَرَوْن؟ فقد كانوا يَقولونَ إنَّ هذه هي الحِكمة، ولكِنَّها حِكْمَة العالم. وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ في العدد 21. ولكنَّ الإنجيلَ عَثْرَة وجَهالَة في نَظَرِهِم.
وما أَعْنيهِ هُوَ الآتي: لقد سَمَحَ الكورنثيُّونَ حقًّا للحِكمة البشريَّة أنْ تَغْزو الكنيسة لأنَّهم قَبِلوها كما لو كانت إعلانًا مِنَ الله. بعبارة أخرى، لقد فَقَدتْ كلمةُ اللهِ فَرادَتَها. وقد تَحَدَّثنا عن هذا الموضوع بعُمْق عندما دَرَسنا هذا النَّصّ. فقد كانت لديهم كُلُّ هذه الفلسفات البشريَّة (إنْ كُنْتُم تَذكرونَ ذلك) الَّتي جَلَبوها إلى كنيسة كورِنثوس. لِذا فقد كانوا يَخلُطونَ الفلسفةَ البشريَّةَ والحَقَّ الإلهيَّ. وهذا أمرٌ لا يَجوزُ لَكَ أنْ تَفعلَهُ، يا صَديقي. فهذانِ شيئانِ مُختلفانِ تَمامًا. فلا يَجوزُ لَكَ أنْ تُساوي إعلانَ اللهِ بالحكمة البشريَّة. ولكنَّهم كانوا يَطْعَنونَ المسيحيَّة في الصَّميم بسببِ قَبولِ فكرة أنَّ الفلسفة البشريَّة مُساوية لإعلانِ الله.
ثُمَّ نأتي إلى الأصحاح الثالث والعدد 18 فنجد أنَّهُ يَقولُ لهم: "لاَ يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلاً لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا!" بعبارة أخرى، إذا كنتم تَظُنُّونَ حقًّا أنَّكم أذكياء، فإنَّكم لم تَفهموا شيئًا. فإنْ طَرَحْتُم الحِكمة البشريَّة جانبًا ستبقى الحكمة الحقيقيَّة فقط. فهذا هو ما يقوله. "لاَ يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ". وقد كانوا يَخدعونَ أنفُسَهم. فقد خدعوا أنفسهم لأنَّهم ظُنُّوا أنَّ الحكمة البشريَّة كانت بنفسِ مُستوى إعلان الله. ولكنَّهم بذلك طَعَنوا الإيمانَ في الصَّميم.
وهذا هو ما يَجري في وقتنا الحاضِر. فنحنُ نَظُنُّ اليومَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ هو شَرْحٌ بَشَرِيٌّ لنظرة الله في الوقتِ الَّذي كُتِبَ فيهِ هذا الكِتاب. ولكِنَّ هذه حِكمة بشريَّة. وقد كانوا بذلكَ يَطْعَنونَ المسيحيَّة في الصَّميم.
أمَّا المُستوى الثَّاني بعدَ أنِ انْتَهينا مِنَ الحديثِ عنِ المسيحيَّةِ مِنْ جِهَةِ أنَّها إعلانُ اللهِ، فإنَّ أعظَمَ سِمَةٍ أُخرى للمسيحيَّة هي شخصُ المسيح. أليسَ كذلك؟ فيجب عليكم أنْ تَثْبُتوا في شَخْصِهِ. ولكِنَّ الكورِنثيِّينَ لم يكونوا يَفعلونَ حَتَّى ذلك. انظروا إلى الأصحاح الثاني عشر.
فقد وَقَعوا في فَخِّ الخَلْطِ بينَ الوثنيَّة والمسيحيَّة. وقد وَقَعوا في فَخِّ مُمارساتِهم الوثنيَّة. فقد سَمحوا للكثيرِ مِنَ النَّشْواتِ والغَيْبوباتِ والأشياءِ الغريبةِ الَّتي كانت جُزءًا مِن ديانتهم الثَّقافيَّة بأن تَصيرَ جُزءًا مِنَ المسيحيَّة حَتَّى إنَّهم عندما كانوا يَجتمعونَ معًا كانَ هناكَ أُناسٌ يُعْبُدونَ الربَّ حقًّا بالرُّوح، في حين كانَ هناكَ أُناسٌ آخرون مَخدوعونَ وغارِقونَ في الظَّلامِ ظَنًّا منهم أنَّهم يَعْبُدونَ في بيئةٍ رُوحيَّة في حين أنَّهم كانوا يُمارسونَ الوثنيَّة في الحقيقة. وما حَدَثَ كانَ مُدهشًا حقًّا. فنحنُ نقرأ في العدد الثَّاني مِنَ الأصحاح 12: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أُمَمًا" أوْ وَثَنِيِّينَ ("إثني" “ethne”) "مُنْقَادِينَ إِلَى الأَوْثَانِ الْبُكْمِ، كَمَا كُنْتُمْ تُسَاقُونَ". وبالمُناسبة، فإنَّ اللَّفظَ المُستخدَم هنا يُشيرُ إلى أنَّهم كانوا مُنْساقينَ وراءَ النَّشْواتِ، وأنَّهم كانوا يَتَعَبَّدونَ كالأشخاصِ المَغْشِيِّ عليهم. فهو يقولُ لهم: "لقد اعتدتُم على الانسياقِ وراءَ تلكَ النَّشْواتِ حينَ تَنقادونَ إلى الأوثانِ البُكْمِ. وما يَحدثُ الآنَ هو أنَّكم تَسمحونَ لذلك أنْ يَحدث في اجتماعِ العِبادَة". "لِذلِكَ أُعَرِّفُكُمْ" [في العدد 3] "أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ اللهِ يَقُولُ: «يَسُوعُ أَنَاثِيمَا»".
فهل تَعلمونَ ما كانَ يحدثُ في اجتماعاتهم؟ لقد كانَ النَّاسُ يَقفونَ وَهُمْ في حالة النَّشْوة تلك، ويَزْعُمونَ أنَّهم مُنقادونُ بالرُّوح القُدُس؛ ولكنَّهم كانوا يَلْعَنونَ يَسوع. لقد كانوا يَلعنونَ يسوع. فالكورنثيُّونَ لم يكونوا ثابتينَ في الإيمانِ عندما كانوا يُقَلِّلونَ مِنْ شأنِ السُّلطانِ الوحيدِ لكلمةِ اللهِ، وعندما كانوا يَلعنونَ يسوعَ حَرفيًّا. بل كانوا يَطْعَنونَ المسيحيَّةَ في الصَّميم.
ثالثًا، انظروا إلى الأصحاح 15. فهو يقولُ لهم في الأصحاح 15 والعدد 12 (استمعوا إلى هذه الكلمات): "وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُكْرَزُ بِهِ أَنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَكَيْفَ يَقُولُ قَوْمٌ بَيْنَكُمْ" [ماذا؟] "إِنْ لَيْسَ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ؟" هل تُصَدِّقونَ ذلك؟ فَمِنْ جِهَة، كانوا يُقَلِّلونَ مِنْ شأنِ سُلطانِ كلمةِ اللهِ. ومنْ جِهَة ثانية، كانوا يُنكرونَ حقيقة يسوعَ المسيح. ثالثًا، كانوا يقولونَ إنَّهُ لا توجد ماذا؟ قيامة. فقد كانوا، ببساطة، يَطعنونَ الإنجيلَ في الصَّميم. وكما تَرَوْنَ، فإنَّهم لم يكونوا ثابتينَ في الإيمان. بل كانوا بَعيدينَ عنه. لِذا، عندما يقولُ بولُس: "اثْبُتوا في الإيمان"، فإنَّهُ يقول: "ارجِعوا إلى التمسُّكِ بسُلطانِ كلمةِ اللهِ، وارجعوا إلى التمسُّكِ بشخصِ يسوعَ المسيح. وارجِعوا إلى التمسُّكِ بالقيامة لأنَّها حَجَرُ الزَّاوية العظيم في المسيحيَّة". وكما تَرَوْن، هذا هو ما كانَ يَقولُهُ حينَ قالَ هذه الجُملة القصيرة: "اثْبُتُوا فِي الإِيمَان". فقد كانَ يَعْكِسُ كُلَّ تلكَ الأمور السلبيَّة الَّتي شارَكْتُها مَعَكُم.
وكما تَرَوْن، كانَ مِنَ المُمكن أنْ تحوي رسالة كورِنثوس الأولى هاتين الآيتين فقط لو لم تكن كُلُّ هذه الأمور موجودة في وسطهم. فقد كانَ بمقدورِهِ فقط أنْ يُعيدَ تأكيد هذه المبادئ مِن خلال تذكيرهم بضرورة أنْ يَستمرُّوا في السَّهر، وأنْ يَستمرُّوا في الثَّباتِ في الإيمان، وأنْ يَستمرُّوا في مُمارسة هذه المبادئ الخمسة الَّتي تَعْكِس المشكلةَ القائمةَ في كورِنثوس. لِذا فإنَّهُ يقولُ: "اسهروا واثْبُتوا".
والكتابُ المقدَّسُ يوصينا بأنْ نَثْبُت. أجل! فيجب علينا أنْ نَثْبُتَ في الإيمان. فنحنُ نقرأ في رسالة تسالونيكي الثانية 2: 14: "الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ بِإِنْجِيلِنَا، لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ" [ثُمَّ استمعوا إلى الآتي:] "وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا". فيجب عليكم أن تتمسَّكوا بالأشياءِ الَّتي تَعَلَّمتموها مِن خلالِ الكلمة ومِن خلالِ الرِّسالة. وأقولُ مَرَّةً أخرى: ما هوَ المِفْتاحُ إذًا، يا أحبَّائي؟ ما هو المِفتاحُ للإيمانِ الرَّاسِخ؟ إنَّهُ الكلمة. أليس كذلك؟ إنَّهُ تَعليمُ الرُّسُل. إنَّهُ الرَّسائل.
فإنْ أردتَ أن تكونَ ساهِرًا، يجب عليكَ أنْ تَنظر إلى الكلمة وأنْ تَرى مِنْ خلالِها العالَم. وإنْ أردتَ أن تكونَ ثابتًا، يجب عليكَ أنْ تَعْرِف ما هي عقيدة الكلمة وأنْ تبقى يَقِظًا. لِذا فإنَّ مِفتاحَ اليَقَظة ومِفتاحَ الثَّباتِ هو الكلمة.
والعهدُ الجديدُ يقول الكثير عنِ الثَّبات. فهو يقول: "اثبُتوا في تكريسِكُم للمسيح" إذْ نَقرأ في رسالة فيلبِّي 4: 1: "اثْبُتُوا هكَذَا فِي الرَّبِّ" أي: "اثبُتوا في تكريسِكُم للمسيحِ وفي اتِّكالِكُم على مَوارِدِهِ". وَهُوَ يقول: "اثبُتوا في الوَحْدَة" إذْ نقرأ في رسالة فيلبِّي 1: 27: اثْبُتوا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ". فيلبِّي 1: 27: "اثبُتوا في الوَحْدَة". وَنقرأُ أيضًا: "اثْبُتوا في الحُريَّة" إذْ نقرأُ في رسالة غلاطيَّة 5: 1: فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا. وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ". ونقرأُ أيضًا: "اثْبُتوا [أو كونوا راسِخينَ] في مشيئةِ اللهِ". ويَقولُ "أَبَفْراسُ" في صلاتِهِ في رسالة كولوسي 4: 12: "لِكَيْ تَثْبُتُوا كَامِلِينَ وَمُمْتَلِئِينَ فِي كُلِّ مَشِيئَةِ اللهِ". ونقرأُ أيضًا: "اثْبُتوا ضِدَّ مَكايِدِ إبليس" إذْ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِنْ رسالة أفسُس: "تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ...فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ"، إلَخ، إلَخ، إلَخ. ثُمَّ نقرأُ: "لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ" [تَفعلوا ماذا؟] "تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ". لِذا، يجب علينا أنْ نكونَ ثابِتينَ في تكريسِنا للمسيح، وأنْ نكونَ ثابِتينَ في وَحدتِنا، وأنْ نكونَ ثابِتينَ في حُرِّيتِنا، وأنْ نكونَ ثابتينَ في مشيئةِ اللهِ، وأن نكونَ ثابتينَ ضِدَّ مَكايِدِ إبليس، وراسِخينَ، وصامِدينَ، وألَّا نكونَ مَحمولينَ بِكُلِّ ريح تَعليم، وألَّا نَتْبَعَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِين. ولكِنَّ الكورنثيِّينَ لم يكونوا ثابِتينَ ولم يكونوا سَاهِرين. لِذا، لم يكن بمقدورهم أن يكونوا ثابتينَ في الإنجيل، ولا ثابتينَ في التَّكريسِ للمسيح، ولا ثابتينَ في استخدامِ الحُريَّةِ استخدامًا صحيحًا، ولا ثابتينَ في الوَحْدَة، ولا ثابتينَ في مشيئةِ اللهِ، ولا ثابِتينَ ضِدَّ مَكايِدِ الشَّيطان. فَهُمْ لم يكونوا ثابِتينَ في الكلمة بالقدر الكافي.
ثالثًا، أوِ الأمر العَسكريّ الثالث الَّذي أَصْدَرَهُ بولُس هوَ الآتي: فقد قالَ: "اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَان". وكم أُحِبُّ ذلك: "كُونُوا [ماذا؟] رِجَالاً". كونوا رِجالاً. بعبارة أخرى: كونوا ناضِجين. كونوا ناضِجين. "كونوا رِجالاً". وهذا يَعني ببساطة أنْ تَتَصَرَّفَ كما يَتَصَرَّفُ الرِّجال. وهذه كلمة مُدهشة إذْ إنَّها تُستخدَمُ (حَسْبَ ما أذكُر) في هذا المَوْضِعِ فقط في العهد الجديد. أجل. إنَّها المَرَّة الوحيدة الَّتي تُستخدَمُ فيها. ولكنَّها تُستخدمُ في التَّرجمة السَّبعينيَّة وتُتَرجمُ عادَةً: "تَشَجَّعوا". لِذا فإنَّها تُشيرُ إلى الشَّجاعة. ولكنَّها تُستخدمُ أيضًا بمعنى النُّضْج. فهي تُشيرُ إلى كِلا هاتينِ الصِّفَتَيْن: الشَّجاعة والنُّضْج. ولكِنْ ألا يوجد تشابُه بينَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْن؟ فالطِّفْلُ أوِ الشَّخصُ الَّذي يَفتقرُ إلى النُّضْجِ يَفتقرُ عادَةً إلى الشَّجاعة. والشَّخصُ النَّاضِجُ يَميلُ عادَةً إلى الشَّجاعة. أمَّا الطِّفْلُ فيَميلُ عادَةً إلى الخوف. ولكِنَّ الشَّخصَ النَّاضِجَ يَميلُ إلى التَّحَكُّمِ في الأمورِ وإلى الثِّقةِ بالنَّفس. وهذا هو ما يَقولُهُ النَّصُّ بصورة رئيسيَّة. "يجب عليكم أن تكونوا رجالًا شُجْعانًا، وناميْنَ، وناضِجين". لِذا، يمكننا أنْ نُتَرْجِمَ هذه العبارة "تَصَرَّفوا بطريقة رُجوليَّة" – "أندريتزوماي" (andrizomai).
واسمحوا لي أنْ أُرَكِّزَ على عُنصر النُّضْج في هذه الكلمة لأنَّ الشَّجاعة تَنْبُع عادَةً مِنَ النُّضْج. ففي الأصحاح 14 والعدد 20، يَتَحَدَّثُ بولسُ عن هذا الموضوع مَرَّةً أخرى ويَعودُ إليهِ مِرارًا كثيرة. ولكن انظروا إلى ما يقول في الأصحاح 14 والعدد 20. فهو يقول: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا" [ماذا؟] رِجالاً". "انْضُجوا". وقد قالَ لهم ذلك بألفاظ عديدة جدًّا المَرَّة تلو المَرَّة تلو المَرَّة. وَهُوَ يقول في العدد الرابع: "ينبغي أنْ أُكَلِّمَكُم كما لو كنتم أولادي". وَهُوَ يقول: "لا بُدَّ أنْ أُعامِلَكُم كالأطفال الصِّغار. وإنْ لم تُقَوِّموا أنفُسَكُم، سآتي إليكم. وإنْ جئتُ إليكم، سوفَ أُؤدِّبُكُم إنِ اضْطُرِرْتُ إلى القيامِ بذلك". وَهُوَ لا يَقولُ ذلكَ فحسب، بل يقول: "مَاذَا تُرِيدُونَ؟ أَبِعَصًا آتِي إِلَيْكُمْ؟" فسوفَ أُؤدِّبُكُم إنْ لم تُقَوِّموا سُلوكَكُم.
فقد كانوا زُمْرَةً مِنَ الأطفال الصِّغار. فَهُمْ لم يكونوا رِجالاً في الفَهْم. وَهُم لم يكونوا رِجالاً في الشَّجاعة، ولا رِجالاً في النُّضْج. فقد كانوا أطفالاً يَتشاجرون، ويتخاصمون. ولم يكونوا ناضِجين، بل كانوا مَحمولينَ بكُلِّ ريح تَعليم كما جاءَ في رسالة أفسُس 4: 14. وقد كانوا مُجَرَّدَ أطفالٍ صِغار. لِذا، لم يكن بمقدورهم أنْ يُدافعوا عن أنفسهم ضِدَّ مَكايدِ إبليس.
ولنرجِع إلى الأصحاح الثالث حيثُ نَجِدُ أَشْهَرَ نَصٍّ عن هذا الموضوع. فهو يقول: "وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ، سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ". فأنتُم تُشبهونَ زُمْرَةَ أطفال. لِذا فإنَّني لا أستطيعُ حتَّى أنْ أُطْعِمَكُم طعامًا صِحِّيًّا صُلْبًا لكم. بل يجب عليَّ أنْ أستمرَّ في تَزويدِكُم بالحَليب". فقد كانوا أطفالاً. وَهُمْ لم يَنْمُوا.
لذا، كانَ لا بُدَّ أنْ يَتعامَلَ معهم كأطفال. فقد كانوا بحاجة إلى التَّأديب. فقد كانت بينهم خُصومات. وكانوا يَشْتَكونَ بعضُهم على بعضٍ في المحاكم، ويتشاجرون، ويتخاصمون. وحَتَّى إنَّ بولُس يقولُ لهم في الأصحاح الثالث عشر: "لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْل كُنْتُ أَتَكَلَّمُ...وَلكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً" [ماذا؟] "أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْل". وحَتَّى إنَّ عبادَتَهم الدينيَّة كانت طُفوليَّة. فقد كانت قائمة على المَشاعِر والعواطِف، لا على الحَقِّ والعقيدة. لِذا فإنَّ بولُس يقولُ لهم: "انْضُجوا".
وهل تَعلمونَ شيئًا؟ لو أنَّهم كانوا ناضِجين لَتَجَنَّبوا مشاكلَ كثيرة...كثيرة جدًّا مِثْلَ الرَّغْباتِ الجسديَّة، والخِصام، والشِّجار، والتَّدَيُّن الطُّفوليّ. فقد كانَ بمقدورهم أنْ يتجنَّبوا العبادة القائمة على العواطف لو كانوا راسِخينَ في الحَقِّ ورِجالاً في الفَهْم. لِذا فإنَّني أُوْمِنُ بأنَّ تَعليمَ كلمةِ الله، والموسيقا الَّتي تُقَدِّمُها الكنيسة، وبُنْيَة الكنيسة ينبغي أنْ تكونَ دائمًا بأرفعِ مُستوىً مُمكن لكي تَأتي بالنَّاس إلى ذلكَ النُّضْج، لا فقط إلى تلك المشاعر والعواطف الَّتي لا تَزيدُ عَنْ كونِها مُستوىً طُفوليّ. لِذا فإنَّهُ يقولُ لهم أنْ يَنْضُجوا. فلو أنَّهم نَضَجوا لَغَيَّروا أُمورًا كثيرة جدًّا.
لِذا فإنَّهُ يقول: "اسهروا". فلو أنَّهم كانوا حَذِرين، لما وَقَعوا في كُلِّ هذه الفوضى. "اثْبُتوا". فلو أنَّهم كانوا ثابِتين، لما تَخَلَّوْا عن لاهوتِهم. "كُونوا ناضِجين". فلو أنَّهم كانوا ناضِجين لَتَجَنَّبوا الكثيرَ مِنَ المُشاجراتِ والخصامِ والشِّجارِ والأمورِ غيرِ اللَّائقةِ والنَّقائِصِ النَّاجمةِ عن عدمِ النُّضْج. وبالمُناسبة، يجب على كل شخصٍ أن يكون ناضجًا. أليس كذلك؟ فنحنُ نقرأ في رسالة بطرس الثانية 3: 18: "وَلكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". ونقرأ في رسالة أفسُس 4: 13: "إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى...قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ [مَنْ] الْمَسِيح". "نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ...كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً". أَتَرَوْن؟ انْضُجوا.
وقد تقول: كيفَ أفعل ذلكَ، يا جون؟ فأنا أَعْلَمُ كيفَ أَسْهَر: مِنْ خلالِ دراسة الكلمة. وأنا أَعْلَمُ كيفَ أكونُ ثابتًا: مِن خلالِ مَعرفة العقيدة السَّليمة. ولكِنْ كيفَ أنمو؟" سوفَ أُخبرُكم كيف. "كَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ". إنَّهُ المبدأُ نفسُه. اعْكِف فقط على دراسة الكلمة وستجد أنَّكَ صِرْتَ يَقِظًا. وهذه هي نُقطة البدء العظيمة. وسوفَ تصيرُ ثابتًا وتبتدئ في النُّضْج. فالأمرُ ليسَ صعبًا جدًّا. فهو كُلُّهُ موجودٌ هُنا في الكلمة.
رابعًا، وهذا هو الفعل الوحيدُ الَّذي يَرِدُ بصيغة المَبني للمَجهول في النَّصّ: "تَقَوَّوْا". فهو لا يَقول: "كونوا أقوياء". أتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّكَ لا تستطيعُ أن تُقَوِّي نفسَك. فهو أمرٌ ينبغي أنْ يَفعلَهُ الربُّ. وهذا يُشْبِهُ ما قالَهُ بولُس في رسالة أفسُس 6: 10: "تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ". فهو يقول: "تَقَوَّوْا". ونقرأُ عنِ الربُّ يسوعُ في إنجيل لوقا 2: 20: "وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوح". فهي كلمة يُمكن أنْ تُستخدَم بمعنى التقوِّي بالرُّوح، والقُوَّة الداخليَّة، والقُوَّة في الإنسان الباطِن، والرُّوح القويّ (اسمعوني جَيِّدًا): الَّذي يَستطيع أنْ يَغْلِبَ الجسد إذْ نقرأ في رسالة تيموثاوس الثانية 2: 1: "فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". فالروحُ القويُّ هو الَّذي يَغلِبُ الجسد. ولكِنَّ الكورنثيِّينَ لم يكونوا يَتَقَوّون. بل إنَّ الجسدَ كانَ مُسيطرًا عليهم. فقد كانوا يَفعلونَ كُلَّ ما تُمليهِ عليهم شَهواتُهم الجسديَّة. فلم يكن بمقدورهم أنْ يُسيطروا على شَهواتِهم. لِذا فإنَّهُ يقول: "أنتُم جَسَدِيُّونَ. وأنتُم ضَحايا الجسد".
والشَّيءُ المُدهشُ بخصوصِ ذلك هو أنَّهم كانوا يَظُنُّون أنهم أقوياء. فقد كانوا يَظُنون أنهم شيءٌ آخر. والحقيقة هي أنهم قالوا في الأصحاح الرابع؛ أو بالحَرِيِّ أنَّ بولُسَ قال: "أتَظُنُّونَ أنَّني خائِفٌ مِنْ أنْ آتي. هل تُصَدِّقونَ أنفُسَكُم حقًّا وتَظُنُّونَ أنَّني خائِفٌ مِنْ مُواجَهَتِكُم؟" فقد كانوا يقولون: "لن يأتي لمواجَهَتِنا. فنحنُ أقوياء جدًّا ولا أَحَدَ يَقْدِر علينا". ولكنَّهُ يقولُ لهم في الأصحاح العاشر والعدد 12: "إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ [ماذا] أَنْ لاَ يَسْقُطَ". فقد كانوا يَظُنُّونَ أنهم أقوياء جدًّا. ولكنَّهم لم يكونوا كذلك.
انظروا إلى الأصحاح الرابع، وانظروا كيفَ يتعامل بولُس مع عُنْصُر الضَّعْف هذا. وبالمناسبة، هناكَ أمثلة عديدة أخرى على كُلِّ نُقطة مِن هذه النِّقاط، ولكِنَّ الوقتَ لا يَسْمَحُ لنا بِذِكْرِها. لِذا فإنَّني أَكْتَفي بانتقاءِ بعضٍ مِنها فقط كأمثلة. وكما قُلتُ سابقًا، فإنَّ الرِّسالة بمُجملِها تَدورُ حولَ الجانبِ السَّلبيِّ الَّذي تُقابِلُهُ هذه المبادئ الخمسة. ولكِنْ لاحظوا أنَّهُ يقولُ في رسالة كورِنثوس الأولى 4: 6: "أنتُم مُنتفخون". وفي العدد 18: "أنتُم مُنتفخون". وفي الأصحاح الخامس والعدد الثاني: "أنتُم مُنتفخون". فلا شَكَّ في ذلك. فقد كانوا مُنْتَفِخين. فقد كانوا يَظُنُّونَ أنفُسَهُم شيئًا. وقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم بارِزون، ومَشهورونَ رُوحيًّا. لِذا فإنَّهُ يقول: "سوفَ أقولُ لكم شيئًا. أنتُم مُنتفخونَ جِدًّا". وفي العدد 7: "لأَنَّهُ مَنْ يُمَيِّزُكَ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ لَكَ لَمْ تَأْخُذْهُ؟ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ، فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ؟" ما الَّذي يَجعلُكم تَظُنُّونَ أنَّكُم مُمَيَّزون؟ وإنْ كنتُم مُختلفينَ عنِ الآخرينَ فإنَّ اللهَ هو الَّذي جَعَلَكُم هكذا. وإنْ كُنتم قد حَصلتُم على أيِّ شيءٍ فإنَّ اللهَ هو الَّذي وَهَبَكُم إيَّاه. لِذا، ليسَ لكم أيُّ فَضْلٍ في ذلك. فهل تَعتقدونَ حَقًّا أنَّكم مُمَيَّزون؟" فقد كانوا يَظُنُّونَ حَقًّا أنَّهم أقوياء جِدًّا ومُمَيَّزونَ جِدًّا.
لِذا فإنَّهُ يقولُ في العدد 8 بطريقة ساخِرَة جِدًّا. وهذا هُو أكثرُ جُزْءٍ سَاخِرٍ في الرِّسالةِ بأسْرِها: "إِنَّكُمْ قَدْ شَبِعْتُمْ! قَدِ اسْتَغْنَيْتُمْ! مَلَكْتُمْ بِدُونِنَا!" هل أنتُم مُمَيَّزون؟ فقد شَبِعْتُم، واستغنيتُم، ومَلَكْتُم. وَهُوَ يقول: "وَلَيْتَكُمْ مَلَكْتُمْ لِنَمْلِكَ نَحْنُ أَيْضًا مَعَكُمْ!" وهذه كُلُّها سُخرية. "وَلَيْتَكُمْ مَلَكْتُمْ لِنَمْلِكَ نَحْنُ أَيْضًا مَعَكُمْ!" فقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم صاروا مُلوكًا، وأنَّهُم شَبِعُوا وصاروا أغنياء. ثُمَّ إنَّهُ يَسْتَخْدِمُ هذه المُبايَنَةَ فيقول: "فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ". فَهُوَ يَبتدئُ بِمُبايَنَتِهِم بالرُّسُل: "لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ". والآنْ، راقِبوا مِقْدارَ سُخْرِيَتِهِ هُنا: "نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الْمَسِيحِ! نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ!" وكما تَرَوْن، فقد كانوا يَظُنُّونَ أنفُسَهُم كذلك. "أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ!" بعبارة أخرى، فهو يقول: مِنْ خِلالِ ما تَقولونَهُ، أنتُم النَّاجِحونَ ونحنُ الفاشِلون". فقد كانوا مُتَكَبِّرينَ إلى هذا الحَدّ. فقد كانوا يَنظرونَ مِنْ بُرْجهِم العَالي إلى الرُّسُل.
وَهُوَ يقول: "إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ، وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ ... نُضْطَهَدُ ... يُفْتَرَى عَلَيْنَا. صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ. فهذا نحن". ولكنَّهم كانوا يَظُنُّونَ أنفُسَهُم شيئًا. ولكنَّهم لم يكونوا يَعلمونَ أنَّ بولُس يَقْصِدُ هُنا الآتي: "إنَّ العَظَمَة الحقيقيَّة تَنْبُعُ مِنَ الاتِّضاع". أليسَ كذلك؟ فحينَ نكونُ ضُعفاء نَكونُ ماذا؟ أقوياء. فهذا هو ما يقولُه لهم في رسالته الثَّانية إليهم.
فقد كانوا يَظُنُّونَ أنفُسَهم أقوياء جدًّا. ولكنَّهم لم يكونوا أقوياءَ البَتَّة. ولأنَّهم كانوا ضُعفاءَ جدًّا روحيًّا، صَاروا في الحقيقة ضُعفاءَ جسدًّا. ثُمَّ اسمعوا الآتي إذْ نَقرأ في الأصحاح 11 والعدد 30: "بسببِ ضَعْفِكُم الرُّوحيّ واستخفافِكُم بالأشياءِ المُقدَّسة، فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ [ماذا؟] يَرْقُدُون". بعبارة أخرى، كانَ ضَعفُهُم الرُّوحيُّ سببًا في ضَعفهم الجسديّ، وأمراضِهِم، وموتِهِم. فقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم أقوياء جدًّا. ولكنَّهم كانوا ضُعفاء. كانوا ضُعفاء.
وكانَ لا بُدَّ مِنْ تشجيعِهِم إذْ يقولُ بولُسُ في الأصحاح 9 والعدد 24: "انظروا! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هذا سِبَاق؟ ألستُم تَعلمونَ أنَّكُمْ إنْ أردتُم أنْ تَفوزوا ينبغي أنْ تَركُضوا، وأنَّهُ إنْ أردتُم أنْ تَركُضوا يجب عليكم أنْ تُجاهِدوا لإتقانِ ذلك؟ وهذا يَتطلَّبُ أنْ تَكْبَحوا أنفُسَكم، وأنْ تَضْبُطوا أنفُسَكُم في كُلِّ شيء. فلا يمكنكم أن تَحْيَوْا الحياةَ المسيحيَّة بِرَخاوةٍ وَتَرَهُّل وقلبٍ مُنْقَسِمٍ ومُجَزَّأ. فإنْ أردتُم أنْ تَركضوا، اركُضوا لكي تَفوزوا. وإنْ أردتُم أن تركضوا لتفوزوا، ينبغي أنْ تَضبُطوا أنفُسَكُم. وبولس يقول: أنا "أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ". إنَّهُ ضَبْطُ النَّفس. ولكِنَّ الكورنثيِّينَ الطَّائِشينَ، والرَّخْوينَ، وغيرَ المُنْضَبِطينَ، والضُّعفاء كانوا يَظُنُّونَ أنَّهم أقوياء جدًّا. وكانوا يَظُنُّون أنَّهُ بمقدورهم أنْ يَنغمسوا في الرَّذيلة دونَ أنْ يَهتمُّوا بالبشرِ أوِ الله. ولكِنَّ بولُسَ يقولُ لهم: "لا يمكنكم أن تفعلوا ذلك. فأنا أقولُ لكم إنَّهُ ينبغي لكم أنْ تَهتمُّوا بحياةِ إنكارِ الذَّاتِ، وحياةِ التَّضحيةِ بالذَّاتِ، وحياةِ الانضباطِ الذَّاتيِّ".
والعهدُ الجديدُ يُوصينا بأنْ نَتَقَوَّى. فنحنُ نقرأُ في رسالة أفسُس 6: 10 أنْ نَتَقَوَّى في الربِّ ضِدَّ مَكايِدِ إبليس. ونقرأُ في رسالة فيلبِّي 4: 13 أنَّهُ ينبغي أنْ نَتَقَوَّى في الخدمة. وبولُس يقول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي". وقد كانَ يتحدَّث عن خِدمتِه وتَعَبِه في الخِدمة. وكلمةُ اللهِ تُخبرُنا أنْ نَتَقَوَّى في أعمالٍ صَالحة. فنحنُ نقرأ في رسالة كولوسي 1: 10 و 11 أنَّهُ ينبغي لنا أنْ نَسْلُكَ في "كُلِّ عَمَل صَالِحٍ...مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ". ونقرأ في سِفْر دانيال 11: 32 تلك الآية الرَّائعة الَّتي تقول: "أَمَّا الشَّعْبُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ إِلهَهُمْ فَيَقْوَوْنَ وَيَعْمَلُونَ".
وقد تقول: "كيفَ أفعل ذلك يا جون؟" فأنا يَقِظٌ، وأنا ثابِتٌ وناضِجٌ في الكلمة؛ ولكِنْ كيفَ أَتَقَوَّى؟" الحقيقةُ هي أنَّ هذا الفِعْلَ يَرِدُ بصيغةِ المَبني للمَجهول. إنَّهُ فِعْلٌ مَبني للمَجهول. فهذهِ القُوَّة تأتي مِنْ مَصدرٍ آخر. وقد تقول: "وما هو المَصدَر؟" نقرأُ في المزمور 27: 14 ما يَلي: "انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ". فَمَنْ هُوَ الَّذي يُعطي القوَّة؟ إنَّهُ الرَّبُّ. إنَّهُ الرَّبُّ. "تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ" (أفسُس 6: 10).
وقد تقول: "ولكِنْ كيف؟" بِروحِهِ القُدُّوس. فنحنُ نقرأ في رسالة أفسُس 3: 16 إنَّهُ ينبغي لنا أنْ نَتَقَوَّى بِروحِهِ القُدُّوس في الإنسان الباطِن. فعندما تُسَلِّمُ حياتَكَ لِروحِ الله، ستتقوَّى بِقُوَّتِه. وقد تحدَّثنا عن ذلك المبدأ كثيرًا. وأنا أُذَكِّرُكم بهِ الآنَ وَحَسْب. فالقوَّة الحقيقيَّة تأتي مِنَ اللهِ مِن خلالِ روحِه. وبولس يقول: [أنا أُصَلِّي لأجلِكُم]...أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِن". فعندما تَخْضَعونَ لروحِهِ فإنَّهُ يُقَوِّيكُم. هل تَرَوْنَ بَساطة ما يَقولُهُ بولُس؟ إذا دَرَسْتَ الكلمة وخَضَعْتَ للرُّوح، ستصيرُ يَقِظًا، وثابتًا، وناضجًا، وتَتَقَوَّى.
وهناكَ وَصِيَّة خامسة: كونوا مُحِبِّين. كونوا مُحِبِّين. وهذه وَصيَّة مُهمَّة جدًّا لأنَّها تُوازِنُ كُلَّ شيءٍ آخر. فإنْ طَبَّقنا الوصايا الأربع الأولى، قد نَصيرُ جامِدينَ وَمُتَحَجِّرينَ في العالم. لِذا فإنَّهُ يقولُ في العدد 14: "افعلوا كُلَّ شيءٍ بمحبَّة"، أو حَرفيًّا: "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ"..."لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّة". وها نحنُ. فقد تَلَقَّيْنا الأمْرَ بالسَّيْر. وقد تَأهَّبْنا، واستعدَّينا للمَعركة، وارتَدَيْنا ملابِسَ الحرب. وقد سَمِعْنا هذه الأوامِرَ تُلْقى علينا بصرامة كما يَفعلُ آمِرُ الجُنودِ الَّذي يَتَقَدَّمُ الجُنودَ في المعركة. وقد أُمِرْنا أنْ نُجاهِد. وَهُوَ يَقِفُ قليلاً ويقول: "بالمُناسبة، إنَّ الموقفَ الَّذي أُريدُ منكم جميعًا أنْ تُظْهِروه في كُلِّ شيءٍ تَفعلونَهُ هو موقفُ المحبَّة". وهذا هو المبدأُ المُلَطِّفُ الرَّائع.
فالأمرُ يتطلَّبُ شَجاعةً لا تَراجُعَ فيها، ومحبَّةً لا تَسْقُط. فَهذانِ الأمرانِ يَسيرانِ جنبًا إلى جنب. فإنْ كانت مَحَبَّتُكَ زَائدةً عنِ الحَدِّ وموقِفُكَ غيرَ ثَابتٍ، سَتَجِدُ نفسَكَ غارِقًا في بَحْرٍ مِنَ العواطِف. كذلك، إذا كنتَ تَقِفُ ثابتًا ولم تكن لديك محبَّة كافية ستَجِدُ نفسَكَ لاهوتيًّا بَشِعًا. فيجب أن تمتلك هذه وتلك. فيجب أنْ تَتَمَسَّكَ بالمحبَّة والعقيدة السليمة. ونحنُ نَرى هَذَيْنِ الأمْرَيْن المَرَّة تلو الأخرى تلو الأخرى تلو الأخرى في كُلِّ العهد الجديد. فَهُما يَسيرانِ معًا. "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ".
ونحنُ نَعني بالمحبَّة الخِدمة المُضَحِّية للشَّخص المُحتاج. فهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. الخِدمة المُضَحِّية للشَّخص المُحتاج. ليست عواطفَ وَحَسْب، وليست مشاعرَ وَحَسْب؛ بل عَمَلُ مَحَبَّة وعَمَلُ خدمة. فقد قال يسوع: "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ". وقد أَحَبَّهم هو بأنْ غَسَلَ أرْجُلَهُم. وهكذا ينبغي أنْ نُحِبَّ: مِنْ خلالِ غَسْلِ الأرْجُل؛ أيْ مِنْ خلالِ سَدِّ حاجةِ شخصٍ مُحتاج.
ولكِنَّ الكورنثيِّينَ لم يكونوا مُحِبِّين. وأنتم تَعلمونَ ذلك. فهو يقول في الأصحاح الأول: "أنتم تتخاصمونَ بعضُكم مع بعض". فهو يقول في الأصحاح الأوَّل والعدد 10: "هناكَ خصومات وانشقاقات ومشاكل بينكم". وَهُوَ يقول في الأصحاح الثالث: وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَقُولُ: «أَنَا لِبُولُسَ»، وَ«أَنَا لأَبُلُّوسَ»، وَ«أَنَا لِصَفَا»، وَ«أَنَا لِلْمَسِيحِ»". أنتُم جَسَدِيِّينَ وهناكَ انقساماتٌ في كُلِّ مكان" (في الأصحاح الثالث). وَهُوَ يقول في الأصحاح الخامس: "لقدِ انْحَرَفْتُم جدًّا عنِ الحَقِّ بِدَعوى المحبَّة ورُحْتُم تتصرَّفونَ بطريقة غير أخلاقيَّة. فأنتم تَظُنُّونَ أنَّ المحبَّة هي الشَّهوة. وليسَ هذا فحسب، بل إنَّكم زَنَيْتُم كُلَّ واحِدٍ معَ زوجةِ أبيه". وَهُوَ يقولُ لهم أيضًا: "يُسْمَعُ مُطْلَقًا أَنَّ بَيْنَكُمْ زِنًى!" فقد شَوَّهوا حَقًّا فِكرةَ المحبَّةِ بِمَجْمَلِها.
وفي الأصحاحِ السادسِ، نقرأُ أنَّهم كانوا يُقاضونَ بعضُهم بعضًا في المَحاكِم. وفي الأصحاح السابع، كانَ الأزواجُ والزَّوجاتُ يَحْرِمونَ بعضُهم بعضًا. وفي الأصحاح الثامن، كان الإخوة الأقوياء كانوا يُعْثِرونَ الإخوة الأضعف. وفي الأصحاح الحادي عشر، كانوا يأكلونَ الطَّعامَ بشراهة في ولائمِ المحبَّة في حين كان الفُقراءُ الذينَ يأتونَ إلى الوليمة مُتَأخِّرين لا يَجِدونَ ما يأكلونه. فلم تَكُن هناكَ محبَّة. وَهُمْ لم يكونوا مُحِبِّين، بل كانوا يَستخدمونَ المواهبَ الروحيَّة مِنْ دونِ مَحَبَّة. وكانوا غيرَ مُحِبِّين في كُلِّ شيء. ولكِنَّ بولُس عَكَسَ كُلَّ نَمَطِ الحياةِ هذا بتلك الجُملة الواحدة: "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّة". فهذا يُعالِجُ المشكلةَ بمُجملِها.
ثُمَّ إنَّهُ يقولُ شَيْئَيْن: "هل تريدونَ أنْ تُقَوِّمُوا كنيسَتَكُم؟ رَكِّزوا على العقيدة السَّليمة والمحبَّة. فإنْ رَكَّزْتُمْ على هذين الأمرَيْن، ستَعْكِسونَ كُلَّ شيءٍ آخر". وقد تقول: "وَمِنْ أيْنَ نَحْصُلُ على المحبَّة؟ وكيفَ نُطَبِّق كُلَّ هذه الوصايا؟" إنَّ الوصايا الثَّلاث الأولى تأتي مِنْ خلالِ الكلمة. والوصيَّة الرابعة تأتي (كما قُلتُ لكم) مِن خلال الرُّوح. ثُمَّ اسْتَمِعوا إلى الآتي إذْ إنَّ بولُسَ يقول: "بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ..." [في رسالة أفسُس 3: 16] "...أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ". ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العدد التَّالي: "لكي...تَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَة". فالمحبَّة تأتي مِنَ الرُّوح. لِذا فإنَّ الرُّوحَ والكلمة يَعملان معًا على توفير العقيدة السليمة والمحبَّة لجَعْل الكنيسة، أو لِجَعْلِ المؤمِنِ الفَرْد كَما يُريدُ مِنْهُ اللهُ أن يكون.
والآن اسمعوني يا أحبَّائي. اسمعوني: "اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ. كُونُوا رِجَالاً. تَقَوَّوْا. لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ". فهذه هي مبادئ الحياة الفعَّالة. وهي حياةٌ نحصل عليها مِن خلال الكلمة والرُّوح القُدُس. فَهُما يَعْملان معًا لتشكيل العقيدة السَّليمة والمحبَّة؛ وهُما العمودان اللَّذانِ تقومُ الكنيسةُ عليهما. لِنَحْنِ رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
نَشكُرُك، يا أبانا، مَرَّةً أخرى على الحقائق العمليَّة لكلمة الله. ونحنُ نَعلم أنَّ شَوْقَ قَلْبَكَ هو أنْ نُنادي بالكلمة بجُرأة، وأنْ نُطيعَها بحماسة. لِذا، نَسألُكَ أنْ تَجْعَلَنا شَعبَكَ الَّذي يَحيا بالطريقةِ الَّتي تُريدُ مِنَّا أنْ نَحيا بها حَتَّى نَفعل كُلَّ شَيءٍ لِمَجْدِ الله. نُصَلِّي باسْمِ المسيح. آمين.

This article is also available and sold as a booklet.