
يَعلَمُ الأشخاصُ الَّذينَ كانوا مَعَنا في الأسابيعِ السَّابقةِ أنَّنا نَتأمَّلُ في فِكرةِ الثَّباتِ الرُّوحيِّ ونَدرُسُ النَّصَّ المَذكورَ في رسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابعِ إذْ يُقَدِّمُ لَنا الرَّسولُ بولُسُ المَبادئَ الَّتي تُؤدِّي أو تَقودُ إلى حَياةٍ ثَابِتَةٍ رُوحِيًّا. وكما تَعلمونَ فإنَّ هذا المُجتمَعَ بأسرِهِ الَّذي نَعيشُ فيهِ يُعاني بسببِ مَسألةِ الثَّباتِ هذه. ولا بُدَّ أنَّنا جَميعًا نُدركُ أنَّنا نَعيشُ في عَالَمٍ غيرِ مُستقرٍّ البَتَّة، وأنَّنا نَعيشُ في وَسَطِ أُناسٍ غيرِ مُستقرِّينَ البَتَّة. فَعالَمُنا يَتَّسِمُ بالقَلَق، ويَتَّسِمُ بعَجْزِ النَّاسِ على التَّأقلُمِ مَعَ ظُروفِ الحَياة. وهُناكَ حُلولٌ لا تُحصَى ولا تُعَدُّ؛ ولكِنْ لا تُوجد حُلولٌ كثيرة نَاجِعَة، بل يَبدو أنَّهُ لا يُوجَدُ أيُّ حَلٍّ فَعَّال إذْ إنَّ المُجتمعَ مُستمرٌّ في التَّراجُعِ في عَدمِ استقرارِه.
ومِنَ المُؤسِفِ أن نَقولَ إنَّ مُجتمعَنا تَحديدًا، وَمِنَ المُؤسِفِ أكثر أن نَقولَ إنَّ الكَنيسَةَ نَفسَها مُستمرَّة في تَوجيهِ النَّاسِ في الاتِّجاهِ الخَطأ للعُثورِ على حُلولٍ لِقَلَقِهم وعَدمِ استقرارِهم. وقد صَدَّقنا أكاذيبَ عِلْمِ النَّفسِ الَّتي تَقولُ إنَّ الإنسانَ يَستطيعُ أن يَحُلَّ مَشاكِلَهُ مِن خِلالِ مَبادئَ نَفسيَّة مُعيَّنة، وتَعديلاتٍ استِبطانِيَّة ذَاتيَّة مُعيَّنة. ولكنَّ هَذهِ الأساليبَ أَثْبَتَتْ لا فقط أنَّها غيرُ فَعَّالة، بل أنَّها مُضَلِّلَة لأنَّ النَّاسَ يَسْعَوْنَ إلى الأشياءِ الخَطأ. وهذا التَّوَجُّهُ الخَطأ يَقودُ إلى حَلٍّ مَغلوط. وليسَ هذا وَحَسْب، بل إنَّهُم يُضَيِّعونَ على أنفسِهم فُرصةَ العُثورِ على الحَلِّ الصَّحيح. والحَقيقةُ هي أنَّ الفَلسفةَ وعِلمَ النَّفسِ حَتَّى يَومِنا هذا وعَصرِنا هذا تُقَدِّمانِ للجيلِ بأسرِهِ عِلاجًا وَهميًّا لا يَفعلُ أيَّ شَيءٍ مِنَ الأشياءِ الَّتي يَعِدُ بِها.
وقد تَأكَّدَ لي ذلكَ بِصورةٍ قَطعيَّةٍ مِن خِلالِ مُقابلةٍ قَرأتُها أُجْرِيَتْ مَعَ الدكتور "روبرت كولز" (Robert Coles). والدكتور روبرت كولز هو اختِصاصِيٌّ في عِلْمِ النَّفسِ الاجتماعِيِّ. ورُبَّما كانَ يَحظَى بتقديرٍ أكبرَ مِن أيِّ شخصٍ آخرَ في بَلَدِنا في مَجالِ عِلمِ النَّفس. وهو طَبيبٌ وَباحِثٌ في مَجالِ عِلمِ النَّفسِ في جَامعةِ هَارفرد (Harvard University). وهو أُستاذُ عِلمِ النَّفسِ والعُلومِ الطِّبيَّةِ الإنسانيَّةِ في كُليَّةِ الطِّبِّ بجامعةِ هَارفرد. وقد أَلَّفَ سِتَّةً وثَلاثينَ كِتابًا، وَكَتبَ نَحوَ سِتِّمئةٍ مَقالٍ في هذا المَجالِ أو ذاك. وفي سَنةِ 1973، حَصَلَ على جائزةِ بوليتزر (Pulitzer Prize). فهو عَالِمُ نَفسٍ شَهيرٍ ويَحظى بالتَّقديرِ والاحترام.
وتُشيرُ هذهِ المُقابلةُ إلى عُقْمِ اختِصاصِهِ. فَمَعَ أنَّهُ يَفهَمُ سَطحيًّا بِضعةَ أُمورٍ عَنِ المسيحيَّةِ فإنَّهُ لا يَدَّعي أنَّهُ مَسيحيٌّ، ولا يُؤمِنُ بأنَّهُ مَسيحيٌّ؛ بل إنَّهُ يُوَضِّحُ ذلكَ في جُزءٍ آخرَ مِنَ المَقال. ولكنَّ إجاباتِهِ مُدهشة جدًّا. فقد سَألوهُ لماذا لم يَتَخَصَّص في الجِراحَة فأجابَ قَائِلاً: "أنا أخرَق. وهذهِ ليست صِفَة عَظيمة عندَ الجَرَّاح". وقد قال: "عندما يَكونُ لَديكَ شَخصٌ أخرق لا يَمْلِكُ رَباطَةَ الجَأشِ المَطلوبة، بل هُوَ مُضطرِبٌ، فإنَّكَ تَحصُلُ على طَبيبٍ نَفسِيٍّ". الشَّخصُ الأخرقُ والمُضطرِبُ الَّذي يَفتَقِرُ إلى رَباطَةِ الجَأشِ هُوَ طَبيبٌ نَفسِيٌّ. والسُّؤالُ هُوَ: طَبيبٌ نَفسِيٌّ مُضطرِب؟ وكانَ جَوابُ "كولز": "بِكُلِّ تأكيد".
سُؤال: إذًا، هل مِنَ العُقْمِ أن نَبحثَ عن أجوبةٍ شَافِيَةٍ في الطِّبِّ النَّفسِيِّ أو عِلْمِ النَّفس؟
"كولز": "إنَّ العُقْمَ يَكْمُنُ في البَحثِ عن إجاباتٍ شَافِيَة في كُلِّ هذهِ الثَّقافةِ العِلمانيَّةِ بأسرِها. فِعِلْمُ النَّفسِ هُوَ دِيانَةٌ عِلمانيَّةٌ مُؤقَّتة. وكَم سيَدوم؟ خَمسونَ سَنة. فالدِّياناتُ العِلمانيَّةُ تَظْهَرُ وتَختَفي. فهي اليومُ عِلمُ النَّفسِ. وهي سَتَكونُ يَومَ غَدٍ إنقاصُ الوَزنِ أوِ الكولسترول أوِ الصُّعودُ إلى القَمرِ أوِ المَرِّيخ. فَمَن يَدري ما الَّذي سَيَشغَلُ اهتمامَ مُجتمعِنا بعدَ الآن؟ ولكنَّ كُلَّ هذهِ الأشياء لا تَستطيعُ أن تُقَدِّمَ لنا أجوبةً عنِ الأسئلةِ الأخلاقيَّةِ والرُّوحِيَّةِ الَّتي نَتوقُ إليها في نِهايةِ المَطاف. فِعِلمُ النَّفسِ ليسَ مُؤهَّلاً للإجابةِ عن تلكَ الأسئلة. فعِلمُ النَّفسِ يُقدِّمُ لنا مَعلوماتِ عنِ العَقلِ؛ ولكنَّ العَقلَ ليسَ الرُّوح".
سُؤال: إذًا، هل يَستطيعُ عِلمُ النَّفسِ أن يُساعِدَ في تَحسينِ الصِّحَّةِ النَّفسيَّة للإنسان؟
"كولز": "لا يَجوزُ لنا حَتَّى أن نَستخدِمَ كلماتٍ مثلَ الصِّحَّةِ النَّفسيَّة. فالسُّؤالُ هُوَ ليسَ: ما هِيَ الصِّحَّةُ النَّفسيَّة؟ أو: هَل نَتمتَّعُ بالصِّحَّةِ النَّفسيَّة؟ بل إنَّ السُّؤالَ هُوَ: ماذا يَنبغي لنا أن نَفعلَ بِحياتِنا؟
سُؤال: ولكنَّ خُدَّامَ الكنيسةِ صَاروا اليومَ عُلماءَ نَفس.
"كولز": "هذهِ وَثنيَّة".
سُؤال: إنَّهُم يُسَمُّونَها مَشورَةٌ رَاعَوِيَّة.
"كولز": "إنَّها وَثنيَّة. فقد كانت أُمِّي تُحْتَضَرُ هُنا في مُستشفى ماساشوستس الحُكومِيّ. وقد جاءَ خَادِمٌ مِنَ الكنيسةِ لرؤيتِها. وقد أرادَ أن يُهَيِّئَها لمَراحلِ المَوت. وقد أرادت مِنهُ أن يُصَلِّي لأجلِها. فقد كانت تَعلَمُ أنَّها سَتَموت. وقد أرادَ أن يَتحدَّثَ عنِ الغَضبِ والإنكارِ؛ ولكنَّها لم تَكُن غَاضِبَةً، ولم تَكُن تُنكِرُ شَيئًا؛ بل أرادَتْ مِنهُ وَحَسْب أن يُصَلِّي لأجلِها".
سُؤال: هل هذا كُلُّهُ جُزءٌ مِنَ المُتَلازِمَةِ نَفسِها حيثُ إنَّهُ يَجِبُ علينا جميعًا أن نَعبُدُ الخَبير؟
"كولز": "الخَبيرُ العِلمانِيُّ. فَمَن هُم أولئكَ الخُبراءُ العِلمانِيُّونَ بأيِّ حِال؟ وما الَّذي يَعرِفُهُ أطِبَّاءُ النَّفسِ وعُلماءُ النَّفسِ عنِ الحَياةِ المَسيحيَّة؟ وَمَا الَّذي يُمكنُهم أن يَقولوهُ لَنا؟"
إنَّهُ رَدٌّ مُدهِشٌ. أليسَ كذلك؟ فيُمكنكم أن تَشعُروا أنَّهُ يَطرَحُ دَلْوَهُ في بِئْرٍ جَافَّةٍ ويَصِلُ إلى تلكَ النَّتيجة. فإلى مَن تَلتجِئ لِتَجِدَ الاستقرارَ في الحياة؟ وإلى مَن تَلتجِئ لِتَتَعَلَّمَ التَّكَيُّف؟ وإلى مَن تَلتجِئ لِتَتَعَلَّمَ كيفيَّةَ التَّعامُلِ مَعَ القَلق؟ وإلى مَن تَلتجِئ لِتَتَعامَلَ معَ الظُّروفِ الَّتي تَسْتَنزِفُكَ وتَضغَطُ عليك؟ وإلى مَن تَلتجِئُ لكي تَجعلَ حَياتَكَ مُستقرَّةً حَقًّا؟ فأنتُم تَسمعونَ النَّاسَ طَوالَ الوقتِ يَقولون: "يجبُ عليَّ أن أُقَوِّمَ حَياتي". فنحنُ نَعيشُ حَرفيًّا في وَسَطِ أُناسِ غيرِ مُستقرِّينَ عَاطِفِيًّا.
لِنَنظُر إلى مَثَلٍ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ على الاستقرار، وَهُوَ المَزمورُ الأوَّل. وهذا واحِدٌ مِنَ أوائِلِ المَزاميرِ الَّتي حَفِظتُها عَنْ ظَهْرِ قَلبٍ في طُفولَتي. وهو التَّرنيمةُ الرَّئيسيَّةُ للمُرَنِّم. وهو المَزمورُ الأساسِيُّ. وهو يَتحدَّثُ مُباشرةً عن مَوضوعِ الثَّباتِ هذا. وهو يَقولُ ابتداءً مِنَ العَددِ الأوَّل: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً. فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ". هذهِ هِي نَوعيَّةُ الحَياةِ الَّتي يَرغبُ أغلبيَّةُ النَّاسِ في أن يَعيشوها. فَهُم يُحبُّونَ أن يَكونوا مَغروسينَ بثباتٍ في مَكانٍ يَزْخُرُ بكُلِّ مَباهِجِ الحَياة. وَهُم يُحِبُّونَ أن يُثمِروا فَاكهةً مُفيدةً. وَهُم يُحِبُّونَ لا أن يَذبُلوا ويَموتوا؛ بل أن يُعطوا ثَمرًا طَوالَ حَياتِهم وأن يَنجَحوا في كُلِّ ما يَصنعوه. وما أعنيه هو أنَّ هذا السِّيناريو هُوَ سِيناريو يَتَمَنَّاهُ أيُّ شخصٍ لِحياتِهِ الشخصيَّة. فهذهِ هي الحَياةُ المُستقرَّة. وهذا هُوَ الشَّخصُ المُستقرُّ روحيًّا.
انظروا إلى الجَانِبِ المُقابِلِ في العَددِ الرَّابع. فالأشرارُ لَيسُوا كذلك. فَهُم ليسوا شَجرةً مَغروسَةً. وَهُم لا يَنتَفِعونَ مِنَ الحَياةِ. وَهُم لا يُعطونَ ثَمَرًا؛ بل إنَّهُم يَذبُلونَ، وما يَفعلونَهُ لا يَنجَح. "لَيْسَ كَذلِكَ الأَشْرَارُ، لكِنَّهُمْ كَالْعُصَافَةِ الَّتِي تُذَرِّيهَا الرِّيحُ". وأيُّ شَخصٍ يَعيشُ في مُجتَمَعٍ زِراعِيٍّ أو يَعرِفُ أيَّ شَيءٍ عنِ العُصَافَةِ يَعلمُ أنَّها عَديمةُ النَّفعِ تَمامًا. وما الَّذي يَقولُهُ المُرَنِّمُ هُنا؟ هذا مُدهشٌ جدًّا. فَهُوَ يَقولُ إنَّ هُناكَ شَخصًا تَمْتَدُّ جُذورُ حَيَاتِهِ عَميقًا في الأرضِ. وهي مُتَأصِّلة جِيِّدًا. وَهُوَ يَشرَبُ مِن مَاءِ الحَياةِ الصَّافي. وَهُوَ شَخصٌ مُثمِرٌ وحَياتُهُ مَحفوظَةٌ في قُدرتِها على الإثمار. وَهُوَ رَجُلٌ يَفعلُ أمورًا مُفيدةً حقًّا وتَنجَح. ثُمَّ إنَّ هُناكَ شَخصًا يُشبِهُ العُصافَةَ وَحَسْب. فَهُوَ يَعيشُ بِلا هَدَف، وبِلا قيمة، وبِلا شَكل، وبِلا فائدة، وبِلا جُذور، وبلا استقرار، ولا يَصْلُحُ لِشيء.
والآن، ما النَّوعُ الَّذي تُفَضِّلُ أن تَنتمي إليه؟ فالأوَّلُ هُوَ شَخصٌ يَسلُكُ معَ الله. والثَّاني هُوَ شَخصٌ شِرِّيرٌ يَرفُضُ اللهَ. أَلاَ لاحَظتُم أنَّ المِفتاحَ للحياةِ الأولى يَكمُنُ في العَددِ الثَّاني؟ "لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً". فهُناكَ شَيئانِ يُسْهِمانِ في الحَياةِ المُستقرَّة: العَلاقَةُ الحُلوةُ مَعَ الرَّبِّ؛ أيِ العَلاقَةُ الحَيَّةُ مَعَ الرَّبِّ، واللَّهْجُ في كَلِمَتِهِ لكي تَنظُرَ إلى الحَياةِ بِعَينِ الله. مِن جَانِبٍ آخر، هُناكَ الأشخاصُ المُتَقَلِّبونَ، والمُتزعزِعونَ، وعَديمو الفائدةِ، وأَوْباشُ النَّاسِ وَحُثالَتِهم الَّذينَ يُشْبِهونَ العُصَافَةَ في هذا العَالَمِ ويَتَّجِهونَ إلى الدَّينونة. ولا أدري ما رَأيُكُم في ذلك؛ ولكنِّي أُفَضِّلُ أن أعيشَ حَياةَ مُثمرةً ومُستقرَّة. وهذا مُتاحٌ لِكُلِّ مُؤمِن. وهذا هُوَ شَوقُ اللهِ لَكُم مِن خِلالِ الخَلاص إذْ إنَّهُ يُريدُ أن تَكونوا مُتَأصِّلينَ ومُثمِرين. وهذا وَصْفٌ رائعٌ للأبرارِ وما يُريدُ اللهُ مِنكَ أن تَكون: أيْ أن تَكونَ ثَابِتًا رُوحِيًّا.
والآن، نَحنُ نَتعلَّمُ كيفَ نَكونُ ثَابِتينَ رُوحِيًّا هُنا في رسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابع. لِذا، لِنَرجِع إليها. أَلاَ لاحَظتُم ما جاءَ في رسالة فيلبِّي 4: 1؟ لِنُراجِع ذلكَ معًا بإيجاز. إنَّ الجُملةَ الرَّئيسيَّةَ في رسالة فيلبِّي 4: 1 هي: "اثْبُتوا في الرَّبّ". وهذا يَعني: كُونوا ثَابِتينَ روحيًّا، ولا تَكونوا مِثلَ أولئكَ الَّذينَ يُوصَفونَ بأنَّهُم مُضْطَرِبونَ وَمَحْمُولونَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيم. ولا تَكونوا مِثلَ الرَّجُلِ الَّذي يَقولُ عنهُ يَعقوبُ إنَّهُ مُتَخَبِّطٌ مِثلَ أمواجِ البَحر؛ بل كونوا ثَابِتينَ، وأقوياءَ، ورَاسِخينَ في الرَّبّ. فيجبُ علينا أن نَكونَ قُدوةً في الثَّباتِ الرُّوحيّ. ولكِن كيف؟ هذا هُوَ ما تَفعلُهُ الكلمة "هَكذا" والَّتي تَعني: "بهذهِ الطَّريقةِ [أو بهذهِ الكَيفيَّةِ] اثبُتوا في الرَّبّ". إليكُم الطَّريقة. سوفَ أُخبرُكم كيف. فإليكُم مَا يَتَطَلَّبُهُ الثَّبات.
والآن، لِنراجِع بإيجازٍ مَا تَعَلَّمناهُ حتَّى الآن. النُّقطةُ الأولى: الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ الحِفاظَ على السَّلامِ في شَرِكَةِ المَحبَّة. الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ الحِفاظَ على السَّلامِ في شَرِكَةِ المَحبَّة. وقد لاحَظنا ذلكَ في العَددَيْنِ الثَّاني والثالث. فقد كانت هُناكَ امرأتانِ (هُما: "أَفُودِيَة" وَ "سِنْتِيخِي") تُحْدِثانِ انشقاقًا في الكنيسة. وبولسُ يُناشِدُهُما بالحِفاظِ على الوِئامِ بينَهُما في الرَّبِّ في العَددِ الثَّاني. ثُمَّ إنَّهُ يَطلُبُ مِن "سيزيغوس" (Syzygus)، وَهُوَ اسْمُ شَخصٍ، ولكِنَّهُ يُتَرجَمُ هُنا "شَريكي المُخلِص"، يَطلُبُ مِن "سيزيغوس" أن يُساعِدَ هَاتينِ المَرأتَيْنِ لأنَّهُما سَاعَدتاه في وقتٍ سَابقٍ وكانَتا جُزءًا مِن خِدمَتِه. وَمَا يَقولُهُ هُنا هُوَ: "انظروا! إن أردتُم أن تَختبروا الثَّباتَ والاستقرارَ، يجب عليكم أن تُوجَدوا في بِيئةٍ لم تُمَزِّقْها الخُصومات".
وقد أَشَرنا قبلَ بِضعةِ أسابيع إلى أنَّهُ عندما تُوجَدُ بِيئةٌ كَنَسِيَّةٌ تَكثُرُ فيها النِّزاعاتُ، لن يَقتَصِرَ الأمرُ على أنَّ البيئةَ لن تَكونَ مُستقرَّةً، بل إنَّ الأفرادَ سيتأثَّرونَ أيضًا بعدمِ الاستقرارِ ذاك. أمَّا عندما يَكونُ هُناكَ وِئامٌ ووَحدةٌ ومَحَبَّةٌ وَسلامٌ في بيئةِ الكنيسة، سيَصيرُ ذلكَ مَصدر قُوَّة للأفرادِ، وسيَختبرونَ الاستقرارَ الشَّخصيَّ. فالوِئامُ في الكنيسةِ هُوَ عُنصُرٌ مُهمٌّ جدًّا في استقرارِها. وَوَحدَةُ المُؤمِنينَ تُؤدِّي إلى استقرارِ الأفراد. لِذا، إن أردتُ أن أَختبرَ الثَّباتَ الرُّوحيَّ، يجب عليَّ أن أكونَ صَانِعَ سَلام. ويجب عليَّ أن أُظهِرَ المَحَبَّة. ويجب عليَّ أن أَحُلَّ الخِلافات. ويجب عليَّ أن أفعلَ كُلَّ ما يُمكنُني فِعلُه لِإحلالِ السَّلام، ولإحلالِ الوِئام، ولإحلالِ الوَحدة في شَرِكَةِ المَحبَّةِ لكي أَترُكَ تَأثيرًا مُقَوِّيًا وَمُثَبِّتًا، ولكي تَبتدئَ البيئةُ في إنشاءِ رابطةٍ مُثَبِّتَةٍ بينَ المُؤمِنينَ حَتَّى يُثَبِّتُ أحَدُهُمُ الآخر.
أمَّا الشَّيءُ الثَّاني الَّذي تَحدَّثنا عنهُ، أوِ المَبدأُ الثَّاني، إن أردنا أن نَكونَ ثَابِتينَ في الرَّبِّ فَهُوَ ليسَ فقط أن نُحافِظَ على السَّلامِ في شَركةِ المَحبَّةِ، بَل [ثانيًا]: أن نُحافِظَ على رُوحِ الفَرَح. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الرَّابع: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". وهذا أيضًا مُرتبطٌ ارتباطًا مُباشِرًا بالثَّباتِ الرُّوحيِّ: الحِفاظُ على مَوقِفِ الفَرَح، والحِفاظُ على رُوحِ الفَرحِ؛ أيِ الفَرحِ الدَّائمِ، والفَرَحِ المُستَقِلِّ بِمَعنى أنَّهُ ليسَ قَائِمًا على الظُّروف. وأرجو أن تُلاحِظوا أنَّهُ يَقولُ: "افرَحُوا في الرَّبِّ"؛ لا في ظُروفِكم. فَلا يُمكنُكَ أن تَفرحَ دائمًا في ظُروفِكَ؛ ولكنَّكَ تَستطيعُ أن تَفرحَ دائمًا بالرَّبِّ، وبامتيازِ الشَّرِكَةِ مَعَهُ. فهذهِ هي الفِكرةُ هُنا. فهو فَرَحٌ لا يُمكِنُ للظُّروفِ أن تَسْلِبَكَ إيَّاه. لِذا، لكي تَكونَ ثَابِتًا رُوحيًّا فإنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ الحِفاظَ على عَادَةِ التَّعبيرِ عَنِ الدَّهشةِ الفَرِحَةِ حينَ تَتأمَّلُ في عَلاقَتِكَ الدَّاخليَّةِ الثَّابتةِ والغَنيَّةِ باللهِ مِن خِلالِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ الحَيّ. وهذا حَقٌّ عَظيم. فطالَما أنِّي أتأمَّلُ في الرَّبِّ، وفي ما فَعَلَهُ لأجلي، وفي ما يَفعلُهُ لأجلي، وفي ما يُخَطِّطُ للقِيامِ بِهِ مِن أجلي، سَأعثُرُ على الفَرَحِ هُناك.
وبالمُناسَبة، إنَّ هذهِ وَصيَّة. فإن لم تَفرَح فإنَّكَ تُخطِئُ خَطيَّةً لا تَقِلُّ في جَسامَتِها عن خَطيَّةِ عَدمِ التَّوبةِ أو عَدَمِ إطاعَةِ شَيءٍ آخرَ يُوصيكَ اللهُ بأن تَفعلَهُ. فيجبُ علينا أن نَفرحَ في الرَّبّ. هل تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل لوقا والأصحاح 24 عَن تِلْميذَيّ عِمْواس. فقد التَقاهُما يَسوعُ وَراحَ يُحَدِّثُهما بِما جاءَ في الكتابِ المقدَّسِ ويُخبرُهُما عن نَفسِه. وأخيرًا وَصَلُوا إلى البيتِ. وعندما كَسَروا الخُبزَ أعلَنَ لَهُما عن ذَاتِه. ونَقرأُ أنَّ قَلْبَهُما كانَ مُلْتَهِبًا فيهِما. مَا مَعنى ذلك؟ إنَّهُ شَوقُ القَلبِ النَّاجِمِ عنِ الشَّرِكَةِ مَعَ الرَّبِّ الحَيِّ. فقد فَرِحَا بِحُضورِهِ حَتَّى إنَّهُما شَعَرا بأنَّ قَلبَهُما مُلْتَهِبٌ فيهِما. فالأشخاصُ الثَّابِتونَ هُم أشخاصٌ يَجلِبونَ سَلامًا إلى المَواقِفِ، ويَجعلونَ شَرِكَةَ المَحبَّةَ وَحْدَة، ويَتركونَ تأثيرًا يُساعِدُ على الثَّباتِ والوِئام. والأشخاصُ الثَّابِتونَ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَتعرَّضونَ للمَدِّ والجَزْرِ والصُّعودِ والهُبوطِ بسببِ ظُروفِ الحَياةِ؛ ولكنَّهُم يُحافِظونَ دائمًا على فَرَحِهم. فالفَرَحُ هُوَ في صَميمِ الثَّبات.
لِنَنتقِل إلى المَبدأِ الثَّالث. فالثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ مِنكُم أيضًا أن تَتعَلَّموا أن تَقبَلوا بِما هُوَ أَقَلُّ مِمَّا تَظُنُّونَ أنَّكُم تَستَحِقُّونَهُ... أن تَتعَلَّموا أن تَقبَلوا بِما هُوَ أَقَلُّ مِمَّا تَظُنُّونَ أنَّكُم تَستَحِقُّونَهُ. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاس". وهذهِ جُملةٌ مُهمَّةٌ جدًّا جدًّا لأنَّ هَذا الأمرَ هُوَ عُنصُرٌ مُهِمٌّ جدًّا في مَوضوعِ الثَّباتِ الرُّوحيّ. وهي آيةٌ تَتحدَّثُ في الحَقيقةِ عَنْ غِنَى النَّفس. فيُمكنُنا أن نَقرأها: "لِيَكُنْ غِنَى نَفسِكُم مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاس". والحقيقةُ هي أنِّي أعتقدُ أنَّ التَّرجماتِ المُختلفةِ لهذا النَّصِّ تَستخدِمُ كلمةً مُختلفةً هُنا لأنَّها واحدةٌ مِن تلكَ الكلِماتِ اليُونانيَّةِ الَّتي تَتَعَذَّرُ تَرجَمَتُها؛ وهي الكلمة "إيبيكيس" (epieikes). فهي كلمة تَتَعَذَّرُ تَرجمَتُها إن أردنا أن نُتَرْجِمَها كَلِمَةً مُقابِلَ كَلِمَة. فهي تَعني أكثرَ مِمَّا تَعنيهِ أيَّة كلمة إنجليزيَّة مُنفرِدَة.
فإن دَرستُم هذهِ الكلمة وَقتًا طَويلاً سَتُدركونَ مَعناها. فمثلاً، إنَّها تُشيرُ إلى العَقلانِيَّةِ الحُلوة؛ أي إلى أن تَتجاوَبَ تَجاوُبًا حُلْوًا مَعَ طَلَبٍ مَا، أو أن تُظْهِرَ لُطْفًا عندما يَطلُبُ شَخصٌ مِنكَ شَيئًا مَا، أو أن تَتجاوبَ تَجاوُبًا مَنطقيًّا حُلوًا مَعَ ذلك. وهي يُمكِنُ أن تُترجَمَ أيضًا: "سِعَةُ قَلْب". فهي لا تُشيرُ فقط إلى عَقلانِيَّتِكَ الحُلوةِ، بل تُشيرُ إلى مَا هُوَ أكثر مِن ذلك إذْ إنَّها تُشيرُ إلى أنَّكَ سَخِيٌّ جدًّا. وهي قد تَعني أيضًا: "حُسْنَ النِّيَّة". فحيثُ إنَّكَ لا تَتَمَنَّى إلاَّ الخَيْرَ ولا تُريدُ إلاَّ الخَيْرَ للآخرينَ، فإنَّكَ تُبدي مُرونَةً أكثرَ مِمَّا هُوَ مُتَوَقَّعٌ مِنكَ في سَبيلِ عَمَلِ الخَيْرِ لَهُم.
وهُناكَ مَن قَالَ إنَّها يُمكِنُ أن تُتَرجَمَ: "كِياسَة". وقد يَبدو هذا المَعنى رَكيكًا عِندما يُقارَنُ بالمَعاني الأخرى. وهُناكَ مَنِ اختارَ الكلمة "نَخْوَة": "لِتَكُنْ نَخْوَتُكُم مَعْرُوفَةً عِنْدَ جَمِيعِ النَّاس". بعبارةٍ أخرى، أن تَكونَ سَخِيًّا جدًّا. وهُناكَ مَن قَالَ إنَّها تُشيرُ إلى مُسامَحَةِ الآخرينَ على أخطائِهم. وهُناكَ مَن قالَ إنَّها تُشيرُ إلى الرَّحمةِ تُجاهَ أخطاءِ الآخرين. وهُناكَ مَن قالَ إنَّ أفضلَ تَرجمةٍ لها هي: "الشَّفَقَة". وهُناكَ مَن قالَ إنَّها يَنبغي أن تُتَرجَمَ: "تَساهُل". "لِيَكُنْ تَساهُلُكُم مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاس". وَهذا لا يَعني أن تَتساهَلوا مَعَ أنفُسِكُم في اقترافِ الخَطِيَّةِ، بل أن تَتساهَلوا معَ إخفاقاتِ الآخرينَ، وألاَّ تَشعُروا بأنَّهُم أَساءوا إليكُم شَخصيًّا، وألاَّ تَتصرَّفوا بِقسوةٍ، وألاَّ تَشعُروا بالمَرارةِ، أوِ الرَّغبةِ في رَدِّ الإساءةِ بالإساءة، أوِ النَّقمة. فهو نَوعٌ مِن طُولِ الأناةِ الَّذي يَجعلُ المَرءَ قادِرًا على احتمالِ الظُّلمِ، والقَسوةِ، وسُوْءِ المُعاملةِ مِن دُونِ أن يَشعُرَ بالكَراهِيَةِ، أوِ الخُبْثِ، أوِ الرَّغبةِ في رَدِّ الإساءةِ بالإساءةِ، أوِ المَرارةِ، أوِ النَّقمة.
والآن، إنْ أَضَفْنَا كُلَّ هذهِ التَّرجماتِ مَعًا، قد نَختَلِفُ في الرَّأيِ مَعَ الكَثيرِ مِن عُلماءِ الكتابِ المقدَّسِ الَّذينَ هُمْ أفضَلُ مِنِّي في عَمليَّةِ التَّرجمةِ؛ ولكنِّي أَرى أنَّ أفضلَ كلمة يُمكنُني أن أُفَكِّرَ فيها هي: "النِّعمَة"... "النِّعمَة". "لِتَكُنْ نِعْمَتُكُم مَعْرُوفَةً عِنْدَ جَمِيعِ النَّاس". ولا شَكَّ أنَّ العَقلانِيَّةَ الحُلوةَ تَنطوي على النِّعمَة. ولا شَكَّ أنَّ سِعَةَ القَلبِ تَنطوي أيضًا على النِّعمَة. ولا شَكَّ أنَّ النِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ تَنطوي على النِّعمَة. ولا شَكَّ أنَّ احتِمالَ الآخرينَ يَنطوي على النِّعمَة. ولا شَكَّ في أنَّكَ عِندما تُظْهِرُ دَمَاثَةً، أو سَخاءَ، أو إحسانًا، أو رَحمةً، أو تَساهُلاً، أو تَسامُحًا، فإنَّكَ تُظهِرُ نِعْمَةً أيضًا. لِذا، رُبَّما كانت هذهِ الكلمةُ تُجَسِّدُ هذا المَعنى بالمَفهومِ المَسيحيِّ.
ولكن يوجد عُنصرٌ آخر في هذهِ الكلمةِ يَنبغي أن نَتَعَمَّقَ فيهِ كي نَفهَمَهُ. فَهِيَ نِعْمَةٌ نَابِعَةٌ مِنَ التَّواضُعِ بِمَعنى أنَّكَ قد تُسيءُ إلَيَّ، وقد تُسيءُ مُعامَلتي، وقد تُسيءُ الحُكْمَ عَلَيَّ، والأسوأُ مِن ذلكَ هُوَ أنَّكَ قد تُسيءُ تَمثيلي، وتُعامِلُني مُعاملةً فَظَّةً، وقد لا تُعطيني مَا أستَحِقُّهُ، وقد تُعطيني ما لا أَستَحِقُّهُ، وقد تُشَوِّهُ سُمعَني لَدى أُناسٍ مُعَيَّنين، وقد تَتصرَّفُ تَصَرُّفًا عُدوانِيًّا تُجاهي دُونَ حَقٍّ، وقد أتأذَّى بسببِ ظُلمِكَ، أو إجْحَافِكَ، أو سُوءِ مُعامَلَتِكَ لي؛ ولكنِّي سَأتواضَعُ وأقبلُ ذلكَ بِكُلِّ نِعْمَة. هذا هُوَ مَعناها. وأقولُ مَرَّةً أخرى: أليست نِعْمَةُ اللهِ هي كذلك؟ فَقد يَقولُ اللهُ: "رُبَّما تَكرَهونَني، ورُبَّما أَضْمَرْتُمْ لِيَ العَداوَةَ، ورُبَّما لَوَّحْتُمْ بِقَبضَتِكُم في وَجهي، ورُبَّما جَدَّفتُم عَلَيَّ، ورُبَّما أَسأتُم مُعامَلتي، وأسأتُم الحُكْمَ عَلَيَّ. رُبَّما فَعلتُم كُلَّ هذا؛ ولكنِّي ما زِلتُ أنظُرُ إليكُم بِمَحبَّة". وما أروعَ أن تَتَصرَّفَ هَكذا! فهذا يُبَرهِنُ على أنَّكَ شَخصٌ ثَابِتٌ رُوحِيًّا. فالثَّباتُ الرُّوحيُّ هُوَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَتصَرَّفونَ بنِعمةٍ مُتواضِعَة. دَعونا نَستخدِمُ تلكَ العِبارة. "لِتَكُنْ نِعْمَتُكُم المُتواضِعَةُ مَعْرُوفَةً عِنْدَ جَمِيعِ النَّاس".
فأنتَ لا تُطالِبُ بِحُقوقِك. فإن فَكَّرتَ بهذهِ العَقليَّةِ سَتَصيرُ شخصًا يَفتَقِرُ إلى الثَّبات. فالعَقليَّةُ الفَلسفيَّةُ في وَقتِنا الحَاضِرِ، أو عِلْمُ النَّفسِ المُعاصِرِ الَّذي تَغَلغَلَ ليسَ فقط في بَلَدِنا، بل في الكنيسةِ أيضًا، إنَّ العَقليَّةَ الفَلسفيَّةَ هي بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ عَقليَّةٌ وُجوديَّة. والوُجوديَّة تَقولُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ: مِنْ حَقِّ كُلِّ إنسانٍ أن يَفعلَ ما يَشعُرُ أنَّهُ صَواب. هذهِ هي الوُجوديَّة. وبالمُناسَبة، لقد ظَهَرَتِ الوُجوديَّةُ كَرَدِّ فِعلٍ على النَّزعةِ الإنسانيَّة. فالنَّزعَةُ الإنسانيَّةُ جَعَلَتِ الإنسانَ آلة. والنَّزعَةُ الإنسانيَّةُ تَقولُ إنَّنا لَسْنا سِوى آلاتٍ بَيولوجيَّة، وإنَّنا لا نَملِكُ حَقَّ الخِيارِ، وإنَّنا لا نَملِكُ في الحَقيقةِ حُلولاً للمَشاكِلِ، وإنَّنا نَتصرَّفُ وَحَسْب كالحَيَوانات. لِذا فقد ظَهَرَتِ الوُجوديَّةُ كَرَدِّ فِعْلٍ على النَّزعةِ الإنسانيَّةِ؛ أيِ النَّزعةِ الإنسانيَّةِ المَادِّيَّة. فالمَاديَّةُ تَقولُ إنَّ الإنسانَ آلَة. وَكَرَدِّ فِعْلٍ على النَّزعةِ الإنسانيَّةِ المَاديَّةِ، ظَهَرتِ الوُجوديَّةُ الَّتي تَقولُ: "أنا لا أَقبَلُ بذلك. فأنا لَديَّ كَرامَة. وأنا لِيَ كِيان". لِذا فإنَّ الوُجوديَّةَ تَقولُ إنَّكَ شَخصٌ، وإنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَشعُرَ بِشُعورٍ جَيِّد تُجاهَ نَفسِكَ، وإنَّهُ مِنْ حَقِّكَ أن تَفعلَ ما تَشعرُ أنَّهُ صَواب.
لِذا فإنَّنا نَتَحَدَّثُ عَنِ الكَرامَةِ الإنسانيَّةِ كَرَدِّ فِعلٍ عَلى النَّزعةِ الإنسانيَّةِ المَادِّيَّةِ. ونحنُ نَتحدَّثُ عن حَقيقةِ أنَّهُ يَحِقُّ للإنسانِ أن يَكونَ ما يُريد، وأن يَفعلَ مَا يَشاء. فَإنْ شَعَرْتَ أنَّ شَيئًا مَا جَيِّد، مِنْ حَقِّكَ أن تَفعلَهُ. لِذا فإنَّ الشَّيءَ الَّذي نَجَمَ عن تلكَ العَقليَّةِ هُوَ التَّمَركُزُ الشَّديدُ حَولَ الذَّاتِ، والكِبرياءُ، والأنانِيَّة. فكُلُّ شَخصٍ يُريدُ أن يُعَبِّرَ عن رَدَّةِ فِعلِهِ تُجاهَ النَّزعةِ الإنسانيَّةِ المَاديَّةِ بطريقةٍ فَلسفيَّةٍ حَتَّى لو لم يَكونوا يَنُظرونَ إليها بتلكَ الطَّريقة، ويُريدونَ أن يَكونوا شَخصًا مَا، وأن يَتَصَرَّفوا كَما يَحلو لَهُم، وأن يَقولوا: "أنا هَكذا. وأنا أَمْلِكُ الحَقَّ في فِعلِ مَا يَبدو صَوابًا في نَظري". فهذا هُوَ ما تَقولُهُ الوُجودِيَّة. وهذهِ هي القِيمةُ الوَحيدةُ في الوُجوديَّة: افعَل ما تَشعُر أنَّهُ جَيِّد. والقاعِدَةُ الوَحيدةُ هي: إن كانَ ما تَشعُرُ أنَّهُ جَيِّد يُؤذيني، لا يُمكنِكُ أن تَفعلَهُ. ولكن إن لم يَكُن يُؤذيني، ما الفَرق؟
لِذا فإنَّ المِثلِيِّينَ الجِنسِيِّينَ يَقولون: "لِماذا تَقولونَ إنَّ المِثليَّةَ الجِنسيَّةَ هي ضِدُّ القانون؟ فهي لا تُؤذي أحدًا". وكما تَرَوْنَ، هذهِ هي الوُجودِيَّة. هذهِ هي الوُجودِيَّة الفَلسفيَّة. فإن لم تَكُن تـُؤذي أحدًا، ما الفَرق؟ وإن كانت تَبدو جَيِّدةً في نَظري ولا تُؤذيكَ، لا تَأبَه بِها. ولكنَّ مَرَضَ "الإيدز" نَقَضَ تلكَ المَقولَة. فهو قد يُهْلِكُ جِيلاً كَامِلاً مِنَ البَشر. فالخطيَّةُ تُؤذي في نِهايةِ المَطافِ أُناسًا آخرين.
ولكِن عندما يَكونُ هُناكَ عَالَمٌ مِنَ الوُجودِيِّينَ النَّفْعِيِّينَ كَما هِيَ الحَالُ هُنا، ويَكونُ هَذا هُوَ العَالَمُ الَّذي نَعيشُ فيه، بل هُوَ بِكُلِّ تَأكيدٍ العَالَمُ الَّذي نَعيشُ فيه، ما الَّذي يَقولُهُ "بُرغر كِنغ" (Burger King)؟ احصَل على الشَّطيرةِ على طَريقَتِك! وسوفَ أقولُ لَكُم شَيئًا: لقد ذَهبتُ إلى بُرغر كِنغ مَرَّاتٍ كثيرة؛ ولكنِّي لم أحصَل يَومًا على شَطيرَتي على طَريقَتي. وهل تَعلَمونَ مَا هِيَ طَريقَتي؟ أن أحصُلَ على الشَّطيرةِ دُونَ أن أَدفعَ ثَمَنَها. هذهِ هي طَريقَتي. ولكنَّهُم لا يُعطوني إيَّاها على طَريقَتي، بل أَدفعُ ثَمَنَها كُلَّ مَرَّة. إنَّها طَريقَتُهم هُم، لا طَريقَتي أنا. والخُلاصَةُ هِيَ أنَّ الوُجودِيَّةَ ليست فَعَّالة. وحَتَّى إنَّها ليست فَعَّالةً في بُرغر كِنغ؛ فما بَالُكُم في الفَلسفة. ولكنَّ هذهِ هي العَقليَّةُ السَّائدةُ في يَومِنا هَذا. فيجبُ علينا أن نَشعُرَ بالرِّضا عن أنفُسِنا، وأن نَرفَعَ مِن شَأنِ أنفُسِنا، وأن نُحِبَّ أنفُسَنا، وأن نُطَوِّرَ أنفسَنا. وقد تَغَلغَلَ هَذا النَّمَطُ مِنَ التَّفكيرِ في الكَنيسةِ بِصورةٍ هَائِلة.
فقد كُنتُ أَستمِعُ إلى شَريطٍ اليومَ لِصَديقي الدُّكتور "بول براونباك" (Dr. Paul Brownback). وَهُوَ يَقولُ في هذا الشَّريط... وأنا أَكرَهُ أن أقولَ هذا، ولكنَّهُ قَالَ: "أنا أُوْمِنُ بأنَّ هذا صَحيح: أنَّهُ إن ذَهبنا أنا وأنتَ إلى مَكتبةٍ مَسيحيَّةٍ" – إلى مَكتبةٍ مَسيحيَّةٍ - "وأخذنا الكُتُبَ المَسيحيَّةَ الَّتي تَمَّ تَأليفُها اليوم، وأمسكنا أقلامًا، وَوَضَعْتُ أنا خُطوطًا تَحتَ كُلِّ شَيءٍ يُوافِقُ نَظريَّةَ كارل روجرز (Carl Rogers) المُختصَّة بِحُبِّ الذَّاتِ، وَوَضَعْتَ أنتَ خُطوطًا تَحتَ كُلِّ شَيءٍ في تلكَ الكُتُبِ يُوافِقُ تَعليمَ الرِّسولِ بولُس، سَوفَ تَفْرُغُ أقلامي قبلَ أَقلامِكَ بوقتٍ طويل". فالأمرُ مَاكِرٌ إلى هَذا الحَدِّ، ومُتَغَلغِلٌ في الكَنيسةِ إلى هَذا الحَدِّ؛ أيْ بِدعةُ حُبِّ الذَّاتِ الَّتي تَقولُ إنَّهُ يُمكنُني أن أفعلَ كُلَّ ما يَبدو جَيِّدًا في نَظري، وكُلَّ ما يُشبِعُني، وكُلَّ ما يَبنيني، وكُلَّ ما يُساعِدُني على التَّغَلُّبِ على عُقدةِ النَّقصِ الَّتي عِندي، وكُلَّ ما يَجعلُني أنظرُ إلى نَفسي نَظرةً أفضل، وكُلَّ ما يَجعلُني أُقَدِّرُ نَفسي أكثر. فيُمكنُني أن أفعلَ كُلَّ تلكَ الأشياء. مِن جِهةٍ أخرى، فإنَّ ما يَقولُهُ بولسُ هو: كُنْ مُتواضِعًا، ومُمتَلِئًا نِعمةً، ولا تُطالِب بأيِّ شَيءٍ، بل أَحْسِنْ إلى مَن يُسيء إليك، وسَامِحِ الآخرينَ على إخفاقاتِهم. فحينئذٍ تَكونُ شَخصًا ثَابِتًا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّكُم تَفعلونَ كُلَّ تلكَ الأمورِ الأنانيَّة دُونَ أن تَحصُلوا على الثَّبات، بل تَسلُكونَ في دَربٍ لا يَنتهي مِن عَدَمِ الاستقرارِ وعَدمِ تَحقيقِ الذَّات. وهذا أمرٌ مَأساوِيٌّ. فيجبُ علينا أن نَتَّصِفَ بالفَضائِلِ الصَّحيحة.
فالثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتحقَّقُ عندما لا أُطالِبُ بِما هُوَ لِي. فإن حَصلتُ على أيِّ شَيءٍ، لا بأس. أمَّا إن لم أحصُل عليه، لا بأس. وإن عُومِلتُ بهذهِ الطَّريقةِ، لا بأس. وإن عُومِلتُ بتلكَ الطَّريقةِ، لا بأس. فأنا لا أَكتَرِثُ بالأمورِ المُختصَّةِ بي، ولا أُبالي بالأشياءِ المُختصَّةِ بي. هذا هُوَ ما يَقولُهُ بولُس. وهو نَموذَجٌ حَيُّ على ذلكَ كَما سنَرى في المَرَّةٍ القادِمَة. "فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيه". لماذا؟ لأنَّ بولسَ ليسَ الغَايَة. فأنا لستُ الغَايَة. لِذا، يُمكنُني أن أَتَحَلَّى بِروحِ التَّسامُح. ويُمكنُني أن أَتَحَلَّى بِروحِ النِّعمةِ، والقَلبِ الكَبير، والشَّهامَةِ، والتَّواضُعِ، والإحسان. هذا هُوَ الثَّبات. فَلا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يُزَعزِعَكَ. فهناكَ أشخاصٌ يَعيشونَ ويَموتونَ في تلكَ الدَّوَّامَةِ القائِمَةِ على الاستماعِ إلى كُلِّ ما يَقولُهُ الآخرونَ عنهم، ويأخُذونَ على مَحْمَلٍ شَخصيٍّ كُلَّ شَيءٍ يَحدُثُ في حَياتِهم، ويُحَلِّلونَهُ مِن وُجهَةِ نَظَرِهم الأنانيَّةِ البَحْتَة. وإن كانَ ذلكَ يَجرَحُهم بأيَّة طَريقة فإنَّهم يَستسلِمونَ حَالاً لعدمِ الاستقرارِ والقَلق.
ولكِن لا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يُزَعزِعَكَ بسببِ الإثمِ، أوِ الظُّلمِ، أوِ المُعامَلةِ المُجْحِفَةِ، أوِ الأكاذيب، أوِ الإذلالِ إن لم تَكُن تُرَكِّزُ كثيرًا على نَفسِك... إن لم تَكُن تُرَكِّزُ كثيرًا على نَفسِك. هذا هُوَ التَّواضُعُ أوِ النِّعمةُ المُتواضِعَة. لِذا فإنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ هُوَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَحفَظونَ السَّلامَ في شَرِكَةِ المَحبَّة، والَّذينَ يَحفظونَ الفَرَحَ، والَّذينَ لا يُطالِبونَ بِما لَهُم، بلِ الَّذينَ يُظهِرونَ نِعمَةً مُتواضِعَة.
واسمَحوا لي أن أُلَخِّصَ ذلكَ بِصيغَةِ ثَلاثِ فَضَائِل: المَحبَّة، والفَرح، والتَّواضُع. والآن، لِنَنظُر إلى نُقطةٍ أخرى، أو شَيءٍ رَابعٍ؛ وهي نُقطةٌ في صَميمٍ كُلِّ شيء. ففي العَددِ الخَامِس... ارِجعوا إليهِ مَرَّةً أخرى. ودَعونا نَضُمُّ العَددينِ الخَامِسِ والسَّادسِ معًا: "اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ". تَوَقَّفوا هُنا. إنَّ هَاتينِ الجُملتينِ تَحويانِ أمورًا كثيرةً يُمكِنُنا أن نَتحدَّثَ عنها. وهذهِ هي نُقطَتُنا الرَّابعة، وهي كالتَّالي: الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ إيمانًا رَاسِخًا في الرَّبّ. الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ إيمانًا رَاسِخًا في الرَّبّ. سَوفَ أقولُ ما يَلي مَرَّةً أخرى؛ وَهُوَ شَيءٌ قُلتُهُ مِن قَبل: نَظرَتُكَ إلى اللهِ هي الَّتي تَجعَلُكَ ثَابِتًا. فهذا أمرٌ ضَروريٌّ جدًّا. انظروا إلى العَددِ الخَامِس: "اَلرَّبُّ قَرِيبٌ". وهذهِ جُملةٌ رائعة. والكلمة "قَريب" ("إنغوس" – "engys)) يُمكِنُ أن تُشيرَ إلى القُربِ المَكانِيِّ أوِ القُربِ الزَّمانِيِّ على غِرارِ الكلمة "قَريب" الَّتي قد تَعني قَريب مَكانِيًّا أو زَمانِيًّا. فيُمكنُني أن أقولَ إنَّ المَقعدَ قَريب؛ أي أنَّهُ قَريبٌ مَكانِيًّا. ويُمكنُني أن أقولَ إنَّ يَومَ الاثنينِ قَريب؛ أي قَريبٌ زَمانِيًّا. فهي نَفسُ الكلمة "قَريب"؛ ولكنَّها تُستخدَمُ بمعنىً مُختلف. فهي قد تَكونُ كلمة مَكانِيَّة، أو كلمة زَمانيَّة أو وَقتيَّة. ويجبُ علينا أن نُقَرِّرَ المَعنى المَقصودَ في هذا النَّصّ.
"اَلرَّبُّ قَرِيبٌ". ماذا تَقصِد؟ أنَّهُ قَريبٌ مِن جِهَةِ الوقت؟ هل تَعني أنَّهُ سيأتي قَريبًا؟ وأنَّهُ سيأتي إلى هُنا قَريبًا؟ هل تَتحدَّثُ عَنِ الاختِطاف؟ هل تَتحدَّثُ عن عَودةِ المَسيح؟ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ هذا المَعنى كانَ مَوجودًا في ذِهنِه. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَددِ العِشرين: "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيح". فَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ الرَّبَّ كانَ قَريبًا مِن جِهَةِ الوقت. فَلا بُدَّ أن يأتي المَسيحُ قَريبًا. ومِنَ الواضحِ أنَّ القُرْبَ نِسْبِيٌّ. فنحنُ مَا زِلنا نَقولُ إنَّ مَجيئَهُ قَريبٌ – نِسْبَةً إلى هذا العَالَمِ والأبديَّة. لِذا، رُبَّما كانَ يُفَكِّرُ بولسُ في الاختِطاف: "الرَّبُّ قَريبٌ. لا تَهتَمُّوا بِشَيء".
ورُبَّما تُستخدَمُ هذهِ الكلمة بِمَعنى أنَّ الرَّبَّ قَريبٌ زَمَنِيًّا لأنَّكُم ستَموتونَ قَريبًا جدًّا. وهذا احتِمالٌ وَارِدٌ إذْ رُبَّما يَقصِدُ بذلك: "سوفَ تَموتونَ قَريبًا على أيِّ حَال. لِذا، سوفَ يأخُذُكم الرَّبُّ إلى بَيتِكُم السَّماويّ. فهو سيأتي ويأخُذُكم لتكونوا مَعَهُ وتَرَوْنَهُ وَجهًا لِوَجه، وهَلُمَّ جَرَّا. لِذا، حيثُ إنَّكُم سَتَرَونَهُ قَريبًا، وإنَّهُ قَريبٌ جدًّا، لا تَهتَمُّوا بِشَيءٍ".
والآن، لا أريدُ أن أقولَ إنَّ هَاتينِ الفِكرتَيْنِ لم تَكونا مَوجودَتَيْنِ في فِكرِ الرَّسولِ بولُس أو فِكْرِ الرُّوحِ القُدُسِ لأنَّهُما رُبَّما كَانَتا جُزءًا مِمَّا يَقولُهُ هُنا. ولكِنْ يَبدو لي أنَّ المَعنى المَقصودَ هُنا هُوَ أنَّ الرَّبَّ قَريبٌ مَكانِيًّا – إنْ جَازَ القَول. فهو لا يَعني أنَّهُ قَريبٌ مِن جِهَةِ مَجيئِهِ، بل إنَّهُ قَريبٌ مِن جِهَةِ حُضورِهِ. فَهُوَ مَوجودٌ هُناكَ. وَهُوَ يَضُمُّكُم. فهو يُشيرُ إلى حُضورِهِ الشَّخصيِّ. وهذا هُوَ ما قَصَدَهُ المُرَنِّمُ في المَزمور 119: 151 عندما قال: "قَرِيبٌ أَنْتَ يَا رَبُّ". "قَرِيبٌ أَنْتَ يَا رَبُّ". أنتَ هُنا. أنتَ قَريب. فالرَّبُّ الَّذي سيأتي، والرَّبُّ الَّذي سيُلاقينا عندَ مَوتِنا، قَريبٌ الآن. أَلاَ تَعيشونَ حَياتَكُم بتلكَ الثِّقة؟ أَلاَ تَعيشونَ حَياتَكُم على يَقينِ أنَّهُ حَتَّى عندما تُفَكِّرُ في فِكرةٍ مَا فإنَّهُ قَريبٌ جدًّا بِما يَكفي لِقراءَتِها؟ وعندما تُصَلِّي هَمْسًا، أليسَ هُوَ قَريبٌ بِما يَكفي لِسماعِها؟ وعندما تَحتاجُ إلى قُوَّتِهِ وقُدرَتِهِ، أليسَ هُوَ قَريبٌ بِما يَكفي لِتَوفيرِهما؟
والحقيقةُ هي: أَلاَ يَعيشُ فيكَ ويُوَفِّرُ الحياةَ الرُّوحيَّةَ الَّتي هي حَياتُكَ؟ أليست حَياةُ اللهِ في رُوحِكَ؟ فنحنُ نَتَّكِلُ على ذلك. وأعتقدُ أنَّ هذا هُوَ ما يَقولُه. الرَّبُّ قَريبٌ. لِذا، لا تَهتَمُّوا بِشَيءٍ، ولا تَشعُروا بعدمِ الثَّباتِ، ولا تَتزعزَعوا، ولا تَنهاروا، ولا تَسقُطوا، ولا تَهْلَعوا، أو مَا شَابَهَ ذلك. افهَموا أنَّ الرَّبَّ قَريب.
والآن، يجبُ علينا أن نَفهمَ لا فقط أنَّ الرَّبَّ قَريبٌ، بل يَجبُ علينا أن نَفهمَ مَن هُوَ هذا الرَّبُّ القَريب. والآن، نَأتي إلى صُلْبِ المَسألةِ لأنَّ نَظرتَكَ إلى اللهِ ستَحْكُمُ سُلوكَك. هل يُمكنُني أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا؟ لِنَرجِع إلى سِفْرِ صَموئيل الأوَّل والأصحاحِ الحَادي والعِشرين. سِفْر صَموئيل الأوَّل 21: 10. فقد كانَ دَاوُدُ هَارِبًا مِن شَاوُل. وقد كانَ في أرضٍ مُتَنازَعٌ عَليها. أليسَ كذلك؟ لِذا، إن أرادَ أن يَهرُبَ مِن شَاوُل، يجبُ عليهِ أن يَخرُجَ مِن تلكَ المنطقة. لِذا فقد هَرَبَ إلى المَنطقةِ المُجاورةِ وهي فِلسطين ووَصَلَ إلى جَتّ. فَجَاءَ إلى أَخِيشَ مَلِكِ جَتَّ. لِذا، أعتقدُ أنَّهُ كانَ يَطلُبُ مِن ذلكَ المَلِكِ أنْ يَحميهِ مِن شَاوُل. ولكنَّ عَبيدَ أَخيشَ قالوا لَهُ؛ أي للمَلِك: "أَلَيْسَ هذَا دَاوُدَ مَلِكَ الأَرْضِ؟ أَلَيْسَ لِهذَا كُنَّ يُغَنِّينَ فِي الرَّقْصِ قَائِلاَتٍ: ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ؟ فَوَضَعَ دَاوُدُ هذَا الْكَلاَمَ فِي قَلْبِهِ وَخَافَ جِدًّا مِنْ أَخِيشَ مَلِكِ جَتَّ".
إذًا، لقد كانَ دَاوُدُ هَارِبًا ويَطلُبُ اللُّجوءَ لأنَّهُ كَانَ مَنفيًّا تَقريبًا ويَبحثُ عنِ الحِماية. وقد جاءَ عَبيدُ المَلِكِ وقالوا: "أنتَ لا تُريدُ هذا الشَّخصَ هُنا. فإن كُنتَ تَظُنُّ أنَّ شَاوُلَ عَدُوٌّ لَدودٌ لَكَ فإنَّ الأُغنيةَ تَقولُ إنَّ شَاوُلَ ضَرَبِ أُلُوفَهُ، ولكنَّ دَاوُدَ ضَرَبَ رِبْوَاتِهِ. فهذا الرَّجُلُ مُحارِب. إنَّهُ المَلِكُ الشَّرعِيُّ. وحَتَّى إنَّهُ أعظمُ مِن شَاوُل". لِذا فقد أَخبَروا المَلِكَ بذلك. وقد عَلِمَ دَاوُدُ أنَّهُم أَخبَروا المَلِكَ بذلك فَارتَعَبَ لأنَّهُ كانَ يَعلَمُ أنَّهُ مَوجودٌ الآنَ في بَلاطِ المَلَكِ الَّذي يَقدِرُ أن يَقتُلَهُ حَالاً. وبسببِ خَوفِهِ، اضطُرَّ إلى التَّحايُلِ للخُروجِ مِن هُناك. "فَغَيَّرَ عَقْلَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَتَظَاهَرَ بِالْجُنُونِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ". فقد قَرَّرَ دَاوُدُ أن يَتصرَّفَ كَمَجْنونٍ حَقيقيٍّ. "وَأَخَذَ يُخَرْبِشُ عَلَى مَصَارِيعِ الْبَابِ". صَحيحٌ أنَّهُ المَلِك، وأنَّهُ دَاوُد، ولكنَّهُ أَخَذَ يُخَرْبِشُ على مَصاريعِ البَابِ "وَيُسِيلُ رِيقَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ" كَما لو كَانَ مَجنونًا. ولا شَكَّ في أنَّ ذلكَ كانَ إهانَةً لِرَمْزِ الرُّجولَةِ لَديهِم وَهو: اللِّحْيَة.
ولكِنْ لماذا فَعَلَ ذلك؟ لماذا؟ سوفَ أقولُ لَكُم لماذا فَعَلَ ذلك. لقد فَقَدَ ثَباتَهُ. فقد خَافَ جدًّا حَتَّى إنَّهُ راحَ يُعالِجُ المَسألةَ بِطَريقَتِهِ الخَاصَّة. أمَّا بالنِّسبةِ إلى المَلِكِ أَخيشَ فقد انْطَلَتِ الخُدعَةُ عَليه. "فَقَالَ أَخِيشُ لِعَبِيدِهِ: هُوَذَا تَرَوْنَ الرَّجُلَ مَجْنُونًا، فَلِمَاذَا تَأتُونَ بِهِ إِلَيَّ؟ أَلَعَلِّي مُحْتَاجٌ إِلَى مَجَانِينَ". وأنا أُحِبُّ ذلك. "هَل أحتاجُ مَجنونًا آخرَ؟ يَكفيني أنتُم. أليسَ كذلك؟ أنا لَستُ بِحاجَةٍ إلى مَجنونٍ آخر. لا تُحضِروهُ أمامي. أَخرِجوهُ مِن هُنا. لا أريدُ شَخصُا يُخَرْبِشُ على الأبوابِ ويُسِيْلُ لُعابَهُ في كُلِّ مَكان. أَخرِجوهُ مِن هُنا. لا أريدُهُ في قَصري".
لِذا فقد نَجَحَتْ خُدعَةُ دَاوُد الصَّغيرة وَنَجَا مِنَ الخَطَر. ولكنَّهُ كانَ مَا يَزالُ مُضطرًّا إلى الهَربِ مِن شَاوُل. فإلى أينَ سيَذهب؟ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني والعِشرين: "فَذَهَبَ دَاوُدُ مِنْ هُنَاكَ وَنَجَا إِلَى مَغَارَةِ عَدُلاَّمَ". وكما تَعلَمونَ، لقد رَاحَ يَلْهَثُ في تلكَ المَغارَة ويقول: "لقد نَجَحَتِ الخُدعَة! لقد نَجَحَتِ الخُدعَة!" وقد جَلَسَ في المَغارةِ وابتدأَ يُفَكِّرُ في العَمَلِ الأخرَقِ الَّذي قامَ به. هَل تُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ كانَ قادِرًا على تَخليصِهِ مِنَ المَلِك أَخيش؟ وهل كانَ يُؤمِنُ بأنَّ اللهَ قادِرٌ على تَخليصِهِ مِنَ المَلِكِ أَخيش؟ نَظَرِيًّا: أجل. أمَّا عَمليًّا فقد سَيطَرَ عليهِ الخَوف. وفي وَسَطِ ذلكَ، يبدو مِن وُجهةِ النَّظرِ التَّاريخيَّةِ أنَّهُ كَتَبَ المَزمور 57 وابتدأَ يَسْتَجْمِعُ قُوَّتَهُ الرُّوحِيَّة. فَهُوَ يَقول: "اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ ارْحَمْنِي، لأَنَّهُ بِكَ احْتَمَتْ نَفْسِي، وَبِظِلِّ جَنَاحَيْكَ أَحْتَمِي إِلَى أَنْ تَعْبُرَ الْمَصَائِبُ. أَصْرُخُ إِلَى اللهِ الْعَلِيِّ، إِلَى اللهِ الْمُحَامِي عَنِّي. يُرْسِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَيُخَلِّصُنِي".
وَهُوَ يَقولُ الكلماتِ الرَّائعةَ التَّاليةَ بخصوصِ قُدرةِ الله: "ثَابِتٌ قَلْبِي [في العَددِ السَّابِعِ] يَا اَللهُ، ثَابِتٌ قَلْبِي. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ... اسْتَيْقِظِي يَا رَبَابُ وَيَا عُودُ! أَنَا أَسْتَيْقِظُ سَحَرًا. أَحْمَدُكَ". فَهُوَ يَقولُ هذهِ الكلماتِ الرَّائعةَ عَنِ الله. ولو أنَّهُ تَذَكَّرَ هذهِ الصِّفاتِ الإلهيَّةِ هُناكَ في جَتّ لَمَا تَظاهَرَ بالجُنون، وَلَما أَحْرَجَ نَفسَهُ وعَيَّرَ اللهَ كما لو أنَّ إلَهَ دَاوُد لم يَكُن قادِرًا على تَخليصِهِ مِن ذلكَ الرَّجُلِ الصَّغيرِ الَّذي يُدعَى لَخيش.
ولكنَّ هذهِ هي الطَّريقة الَّتي نَعيشُ بها حَياتَنا في أغلبِ الأحيان. فَلاهوتُنا يَعملُ يَومَ الأحدِ فقط. ولكِن عندما نَتعرَّضُ لمُشكلةٍ في الفَترةِ الواقِعَةِ بينَ يَومَ الاثنينِ ويومِ الجُمُعة، ونُواجِهُ مِحْنَةً في حَياتِنا، فإنَّنا نَبتدئُ، كما تَعلمونَ، في إسَالَةِ لُعابِنا على لِحْيَتِنا (بالمَعنى المَجازِيِّ). فنحنُ نَفقِدُ ضَبْطَنا لأنفُسِنا، ونَتزعزَع. وهذا يَدُلُّ على نَقصِ ثِقَتِنا في الله. فكما تَرَوْنَ، إن كانت لديَّ ثِقَةٌ بأنَّ الرَّبَّ قَريبٌ، ما الَّذي سَأقلقُ بشأنِه؟ ما الَّذي سيُقلقُني؟ فأنا لن أُبالي بما يَقولُهُ النَّاسُ عَنِّي، ولن أُبالي بالطَّريقةِ الَّتي يُعامِلوني بِها. فالرَّبُّ قَريبٌ. والرَّبُّ يَعلَمُ حَقيقةَ كُلِّ شَيءٍ. والرَّبُّ هُوَ سَيُنْصِفُني في النِّهاية. فكُلُّ الأشياءِ مُنصِفَةٌ بينَ يَديهِ للآخرينَ ولي. وهذا يَمنَحُني طُمأنينةً وثِقةً في حَضورِ الله. لِذا، إن فَهِمتُ مَن هُوَ اللهُ وأنَّهُ قَريبٌ فإنَّ هذا هُوَ كُلَّ ما أَحتاجُ إلى مَعرفَتِه.
اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثلاً إيضاحِيًّا آخر. افتَحوا على سِفْرِ حَبَقُّوق. وإن لم تَكونوا تَعرِفونَ أينَ هُوَ، انظروا إلى الفِهرِس. سِفْر حَبَقُّوق. كانَ حَبَقُّوقُ نَبِيًّا مُدهشًا في يَهوذا. وكانَ أمامَ مُشكلةٍ عَصيبَة. وهذا شَبيهٌ جدًّا بمُشكلتِنا نحن. فحَبَقُّوقُ يَصرُخُ في الأصحاحِ الثَّاني إلى الله. وهذه النُّبوءةُ القَصيرةُ مُهمَّةٌ جدًّا: "حَتَّى مَتَى يَا رَبُّ أَدْعُو وأطلُبُ العَوْن؟" "يا رَبّ، أنا أَطلبُ العَونَ مُنذُ وَقتٍ طَويل". نحنُ هُنا أمامَ نَبِيٍّ يُصَلِّي أكثرَ مِمَّا يَتَنَبَّأ. "يا رَبّ، ماذا تَفعل؟ انظُر إلى شَعبِك. إنَّهُم في حَالَةِ فَوضَى. وأنتَ لا تُصْغِ وَلا تَسمَع! لقد أخبرتُكَ عَنِ العُنفِ ولكنَّكَ لا تُخَلِّص. لِمَ تَجعلُني أَرى هذا الإثمَ؟ لِمَ تَجعلُني أَرى هذا الشَّرَّ؟ لِمَ تَجعلُني أنظرُ إلى الدَّمارِ والعُنفِ في يَهوذا؟ فهُناكَ خِصامٌ، ونِزاعٌ، وتَجاهُلٌ لشَريعَتِك، وعَدَمُ تَطبيقٍ للعَدالَة، وشَرٌّ يُحيطُ بالأبرار، وتَعويجٌ للحَقّ! لماذا، يا رَبُّ، تَحتَمِلُ هذا؟ اذْكُرْنا، يا رَبُّ. اذكُر يَهوذا – شَعبَكَ. لماذا لا تُحْدِثُ نَهضَةً؟ لماذا لا تَجلِبُ تَوبَةً؟ لماذا لا تَقلِبُ الأمورَ رَأسًا على عَقِب؟
لِذا فقد أَجابَهُ الرَّبُّ في العَددِ الخَامِسِ قَائِلاً: "اُنْظُرُوا بَيْنَ الأُمَمِ، وَأَبْصِرُوا وَتَحَيَّرُوا حَيْرَةً". وهذهِ عِبارةٌ قَديمةٌ تَعني: "سوفَ أُحَيِّرُ عُقولَكُم بما ستَسمعونَهُ حَتَّى إنَّكُم لن تُصَدِّقوا ذلك. "لأَنِّي عَامِلٌ عَمَلاً فِي أَيَّامِكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ بِهِ إِنْ أُخْبِرَ بِهِ". ومِنَ الواضحِ أنَّهُ لم يُخبرهُ بذلكَ حتَّى الآن لأنَّهُ لم يَكُن سيُصَدِّقُ ذلكَ بأيَّةِ حَال.
"فَهأَنَذَا مُقِيمٌ الْكَلْدَانِيِّينَ الأُمَّةَ الْمُرَّةَ الْقَاحِمَةَ السَّالِكَةَ فِي رِحَابِ الأَرْضِ لِتَمْلِكَ مَسَاكِنَ لَيْسَتْ لَهَا. هِيَ هَائِلَةٌ وَمَخُوفَةٌ. مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا يَخْرُجُ حُكْمُهَا وَجَلاَلُهَا. وَخَيْلُهَا أَسْرَعُ مِنَ النُّمُور". وهذهِ، بالمُناسَبة، لُغَةٌ شِعريَّةٌ. وهذا السِّفْرُ بِمُجملِه كانَ يُعزَفُ على آلَةٍ وَتريَّةٍ ويُغَنَّى. لِذا فإنَّنا نَجِدُ هذا الأُسلوبَ الشِّعريَّ في المُبالَغَة. "وَخَيْلُهَا أَسْرَعُ مِنَ النُّمُورِ، وَأَحَدُّ مِنْ ذِئَابِ الْمَسَاءِ. وَفُرْسَانُهَا يَنْتَشِرُونَ، وَفُرْسَانُهَا يَأْتُونَ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَطِيرُونَ كَالنَّسْرِ الْمُسْرِعِ إِلَى الأَكْلِ. يَأْتُونَ كُلُّهُمْ لِلظُّلْمِ. مَنْظَرُ وُجُوهِهِمْ إِلَى قُدَّامٍ، وَيَجْمَعُونَ سَبْيًا كَالرَّمْلِ. وَهِيَ تَسْخَرُ مِنَ الْمُلُوكِ، وَالرُّؤَسَاءُ ضُحْكَةٌ لَهَا. وَتَضْحَكُ عَلَى كُلِّ حِصْنٍ، وَتُكَوِّمُ التُّرَابَ وَتَأْخُذُهُ. ثُمَّ تَتَعَدَّى رُوحُهَا فَتَعْبُرُ وَتَأْثَمُ. هذِهِ قُوَّتُهَا إِلهُهَا".
فهذهِ أُمَّةٌ وَثنيَّةٌ جدًّا تُؤمنُ فقط بقوَّتِها. وَهُم يَفعلونَ مَا يَحلو لَهُم. وَهُم سيَأتونَ بَغتةً كما يَقول. فَهُم سَيَأتونَ ويُهلِكوكُم. والآن، هُناكَ مُشكلة ثانية. فالمُشكلةُ الأولى هي: لماذا لا يُحْدِثُ اللهُ نَهضَةً؟ والمُشكلةُ الثَّانيةُ هي: كيفَ يَستخدِمُ اللهُ أُمَّةً أسوأَ لمُعاقبةِ يَهوذا؟ كيفَ تأخُذُ الكَلدانِيِّينَ! إنَّهُم أسوأُ مِنَّا؟ وكيفَ يَكونونَ أَداةً في يَدِكَ ضِدَّ شَعبِ عَهدِك؟ إنَّ هذا غير مَعقول! أنتَ إلَهٌ قُدُّوسٌ. وينبغي أن تُنْهِضَ شَعبَكَ. أنتَ إلَهُ العَهدِ، وأنتَ تَحفَظُ عَهدَكَ. أنتَ إلَهٌ عَادِلٌ ولا يُعقَلُ أن تَستخدِمَ شَعبًا أسوأَ لمُعاقبةِ شَعبٍ أفضل! هذا غيرُ مَعقول. أنا لا أفهمُ هذا!"
ولكنَّ السَّماءَ كانت صَامتةً. فَهُوَ لم يَسْمَعْ جَوابًا. "كيفَ سأتعامَلُ معَ هذا؟" وقد تقول: "هل كانَ مَصدومًا جدًّا؟" أجل، لقد كانَ مَصدومًا جدًّا. إلى أيِّ حَدٍّ؟ نَقرأُ في الأصحاحِ الثالثِ والعَدد 16: "سَمِعْتُ فَارْتَعَدَتْ أَحْشَائِي. مِنَ الصَّوْتِ رَجَفَتْ شَفَتَايَ. دَخَلَ النَّخْرُ فِي عِظَامِي، وَارْتَعَدْتُ فِي مَكَانِي لأَسْتَرِيحَ فِي يَوْمِ الضِّيقِ، عِنْدَ صُعُودِ الشَّعْبِ الَّذِي يَزْحَمُنَا". فقد كانَ هذا الرَّجُلُ بحاجةٍ إلى مُستشفى. فقد كانَ يَرتَعِدُ مِنَ الدَّاخل. وكانت أعضاؤُهُ الدَّاخليَّةُ مُضطربة. وكانت مَعِدَتُهُ مُتَشَنِّجة. وكانَ كُلُّ كِيانِهِ مِنَ الدَّاخِلِ مُضطَرِبًا. وكانَ قَلبُهُ يَخفِقُ بِصورةٍ غير مُنتظمة أو غير طَبيعيَّة. وكانت شَفتاهُ تَرتجفانِ وتَرتعدان. وكانت عِظامُهُ تُؤلِمُهُ في كُلِّ جَسَدِهِ. وكانَ يَرتَعِدُ مِن قِمَّةِ رأسِهِ إلى أخمَصِ قَدميه. فقد كانَ هذا الرَّجُلُ مَصدومًا حَقًّا.
والآن، ما الَّذي سيَفعلُه؟ لِنَرجِع إلى الأصحاحِ الأوَّل. فنحنُ نَرى هُنا نَبِيًّا يَقِفُ مَصدومًا ومَرعوبًا؛ لا بسببِ مُشكلةٍ افتراضيَّة... لا بسببِ مُشكلةٍ افتراضِيَّةٍ كَمَن يَقولُ: "أنا لا أُحِبُّ شَكلي"؛ لا، لا، لا. ولا كَمَن يَقولُ: "لا يُمكنُني أن أتأقلمَ مَعَ الحَياةِ بسببِ زِيادةِ وَزني". لا، لا، لا. بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عن هَلاكِ أُمَّتِه. فهذهِ مُشكلةٌ حَقيقيَّة. فهو لا يُعاني بسببِ عَدَمِ فَهمِ زُملائِهِ لَهُ في العَمل. لا، لا، لا؛ بل إنَّ هذه مُشكلة حَقيقيَّة. إنَّها مُشكلةٌ عَويصة. "ماذا سأفعل؟ أنا أَرتَعِدُ بِجُملَتي! لا يُمكنُني أن أُعالِجَ هذهِ المُشكلة!"
وإليكُم ما يَفعلُهُ: إنَّهُ يَبتدِئُ بتذكيرِ نَفسِهِ بإلَهِهِ القَريب. ويجب عليكم أن تَفهَموا ذلك. انظروا إلى العدد 12. وهذا يَرِدُ في صِيغةِ سُؤال. فهو يَطرحُ أسئلةً على نَفسِه. فهذا تَمرينٌ تَعليميٌّ. فسوفَ يَضَعُ مِنهاجًا تَعليميًّا لاهُوتِيًّا ويُحاولُ أن يُجيبَ عن أسئلتِهِ لكي يَتمكَّنَ مِن تَثبيتِ قَدميهِ مَرَّةً أخرى. لِذا فإنَّهُ يَبتدئُ بالتَّحدُّثِ عنِ الله. وهو يَقولُ في العَدد 12: "أَلَسْتَ أَنْتَ مُنْذُ الأَزَل؟" "يا رَبُّ، ألستَ أنتَ مُنذُ الأزل؟" والجَوابُ الضِّمنِيُّ هُوَ: "بَلى". "بَلى! أنتَ سَرْمَدِيٌّ. وهذا يَعني أنَّكَ مَوجودٌ قَبلَ التَّاريخ، وأنَّكَ سَتَبقى بعدَ زَوالِ التَّاريخ، وأنَّكَ تَسْمو على التَّاريخ، وأنَّكَ خَارِج نِطاقِ التَّاريخ، وأنَّكَ مُسْتَقِلٌّ عَنِ الزَّمَن، وأنَّكَ مُستَقِلٌّ عَنِ التَّاريخ، وأنَّكَ تَمْلِكُ مِنَ الأزل إلى الأبد، وأنَّكَ أكبرُ مِن كُلِّ هذهِ الأمورِ الصَّغيرةِ الَّتي تَحدُث، وأنَّكَ أكبر جدًّا مِن كُلِّ مَا يَجري هُنا مِن أُمورٍ صَغيرة. فَهُناكَ خُطَّةٌ عَظيمةٌ أزليَّةٌ أكبر جِدًّا مِمَّا أَراهُ هُنا. أنا أشعُرُ بِتَحَسُّنِ فَوْرِيٍّ. فهذهِ الأمورُ تَنْسَجِمُ مَعَ خُطَّتِكَ الأزليَّةِ على الرَّغمِ مِن أنِّي لا أَفهمُ كيفَ تَفعلُ ذلكَ بأيَّةِ حَال!".
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ ما يَلي: "يَا رَبُّ". وَهُوَ يَستخدِمُ الاسمَ "يَهْوَه": "يا إلهي"، أو "رَبِّي وإلهي". فالكلمة "يَهْوَه" تَعني: "أنا الأزَلِيُّ" أو "أنا هُوَ" عِلَّةُ الوُجودِ لِكُلِّ الأسبابِ والنَّتائج. "أنتَ الأَزَلِيُّ. فَلاَ تُوجَد لكَ بِداية وَلا نِهاية. وأنتَ مَوجودٌ بِذاتِكَ". هذا هُوَ ما يَقولُهُ. يا رَبُّ، أنتَ أَزَلِيٌّ، وخَارِجَ نِطاقِ الزَّمَنِ والتَّاريخ، ومَوجودٌ بِذاتِكَ". بعبارةٍ أخرى: "أنتَ لا تَتأثَّرُ بأيِّ شَيء". هل تَعرفونَ ذلك؟ هل تَعرفونَ أنَّ اللهَ بِطبيعَتِهِ لا يَتأثَّرُ بأيِّ شَيء؟ فهو غيرُ مَخلوقٍ. وهو لا يَتزعزَع. فهو اللهُ المَوجودٌ في ثَباتٍ غيرِ مُتزعزِعٍ البَتَّة، ولا يَتأثَّرُ بأيِّ شَيءٍ أو شَخص. "أنتَ مَوجودٌ بِذاتِكَ ولا تَتأثَّرُ بأيِّ شخصٍ يُقَدِّمُ لكَ مَعلوماتٍ مَغلوطَة".
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "قُدُّوسِي". "أنتَ أيضًا قُدُّوسٌ. وهذا يَعني أنَّكَ لا تُخطِئ. فأنتَ كَامِلٌ ولا تُخطِئ. والحقيقةُ هي أنَّكَ أيضًا قُدُّوسٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا بُدَّ أن تُعاقِبَ الخطيَّة". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 13: "عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ. لِذا فإنَّ هَذا يَنسَجِمُ مَعَ قَدَاسَتِكَ. أنا أَعلمُ ذلك. فأنتَ تُعاقِبُنا بسببِ خَطايانا. وإن كُنتُ أَفهَمُ ما يَجري فَهمًا صَحيحًا فإنَّكَ ستُعاقِبُهم بسببِ خَطاياهُم أيضًا. يا رَبُّ، أنتَ أَزلِيٌّ. يا رَبُّ، أنتَ مَوجودٌ بِذاتِكَ. يا رَبُّ، أنتَ قُدُّوسٌ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "لاَ نَمُوتُ. فأنتَ أَمينٌ". فهو يُذَكِّرُ نَفسَهُ بأنَّ اللهَ قَطَعَ عَهدًا. "لا نَموتُ. لا يُعقَلُ أن نَموت. فاللهُ قَطَعَ عَهدًا. واللهُ صَادِقٌ. واللهُ لا يَكذِب". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "يَا رَبُّ لِلْحُكْمِ جَعَلْتَهَا". "أنتَ إلَهٌ قَديرٌ. وأنتَ تَستخدِمُهم لِتَحقيقِ مَقاصِدِك. أنتَ صَاحِبُ السِّيادَة. أنتَ مُهَيمِنٌ. أنتَ لستَ ضَحِيَّةً البَتَّة".
أَتَرَوْنَ ما يَفعلُهُ هُنا؟ "يا رَبُّ، أنتَ أَزَلِيٌّ. يا رَبُّ، أنتَ قَائِمٌ بِذاتِكَ. يا رَبُّ، أنتَ قُدُّوسٌ. يا رَبُّ، أنتَ أَمينٌ. يا رَبُّ، أنتَ قَديرٌ. كُلُّ ما أعرِفُهُ عنكَ يُخبرُني بأن أتوقَّفَ عَنِ القَلقِ بسببِ هذهِ المُشكلةِ على الرَّغمِ مِن أنِّي لا أَفهمُ ما يَجري. ولكنِّي لستُ بحاجةٍ إلى فَهمِ ذلك. فقبلِ كُلِّ شَيءٍ، إنَّ عَقلي صَغيرٌ جدًّا ولا يَستطيعُ أن يَفهمَ مَا يَجري. وسوفَ أكونُ مَغرورًا إن حَاولتُ أن أَفهمَ ذلك". لِذا فإنَّ حَبَقُّوقُ يَشعُرُ بمشاعرَ أفضل الآن. فبِمُجَرَّدِ أن قالَ ذلكَ شَعَرَ بأنَّهُ بحالةٍ أفضل جدًّا... بحالةٍ أفضل جدًّا. وفي الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ الرَّابعِ، يَقولُ حَبَقُّوقُ ذلكَ بصيغةِ مَبدأ. فهو يَقولُ في نِهايةِ العَددِ الرَّابع: " وَالْبَارُّ يَحْيَا" بماذا؟ "بِإِيمَانِهِ". فنحنُ نَجِدُ تلكَ الجُملةِ الرَّائعة: "وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا"؛ وهي نَفسُ الجُملةِ الَّتي قَالَها بولُس. فهو يَبتدئُ يَقولُ: "سوفَ أتَّكِلُ على اللهِ في هذا الأمر. سوفَ أُوْمِنُ على الرَّغمِ مِن عَدَمِ فَهْمي".
افتَحوا على الأصحاح الثَّالثِ والعَدد 17 وانظُروا كم كانَ إيمانُهُ قَوِيًّا. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 17: "سوفَ أَثِقُ في اللهِ على الرَّغمِ مِنَ ارتِعادي. سوفَ أَثِقُ في إلهي المَجيدِ، والمَوجودِ بِذاتِهِ، والأزَلِيِّ، وصَاحِبِ السُّلطانِ، والقُدُّوسِ، والقَديرِ، والأمين". فَهُوَ يَقولُ في العَدد 17: "فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ" – وهذا غيرُ مُحتَمَلٍ لأنَّ أشجارَ التِّينِ تُزهِر. فهذا هُوَ الشَّيءُ الطَّبيعيُّ. "وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ" – وهذا غيرُ مُحتَمَلٍ. فهذا هُوَ الشَّيءُ الطَّبيعيُّ؛ أيْ أن يَكونَ هُناكَ ثَمَرٌ كَثيرٌ وعِنَبٌ كَثير. "يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ". ولا شَكَّ في أنَّ ذلكَ كانَ أمرًا خَارِجًا جدًّا عنِ المألوف.
هل تَعرفونَ تلكَ التَّماثيل الصَّغيرة المَنحوتَة في بيتِ لَحْمٍ والَّتي نَراها عندما نُسافِرُ إلى هُناك؟ فقد كانَ ينبغي لهُم أن يُعالِجوا الخَشَبَ نَحوَ أربعمئة سنة قبلَ أن يَنَحتوهُ لأنَّ خَشَبَ الزَّيتونِ مُمتلئٌ زَيتًا. فقد رأينا أشجارَ زَيتونٍ في البُستانِ هُناكَ. وقد أخبرونا أنَّها كانت شَتْلات صَغيرة عندما مَشَى يَسوعُ على الأرض. فتلكَ الأشجارُ مُعَمِّرَة.
وهو يَقولُ: "انظروا! إن تَوقَّفت كُلُّ الأشياءِ الطَّبيعيَّةِ في الحَياةِ، ولم تَعُدِ الحُقولُ تَصنَعُ طَعامًا، وانقطعَ الغَنَمُ مِنَ الحَظيرة، ولم يَعُد هُناكَ بَقَرٌ في المَذاوِد..."، ماذا يَقولُ بعدَ ذلك؟ "فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي. اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي". يا لها مِن ثِقةٍ رائعة! فهو يقول: "أنا لا أُبالي إن تَزعزعَ العَالَمُ كُلُّهُ، ولا أُبالي إن تَداعَى كُلُّ شَيءٍ كنتُ أتَّكِلُ عليهِ، وإنِ انقلبَ كُلُّ شَيءٍ مِن حَولي، وإن لم يَعُد بإمكانكم أن تَعتمدوا على الأشياءِ الَّتي كُنتُم تَعتمدونَ عليها، وإن خَرَجَتِ الطَّبيعةُ بأسرِها عَنْ مَسارِها الطَّبيعيِّ لأنِّي سأبتَهِجُ بالرَّبِّ، وأَضَعُ كُلُّ رَجائي في الرَّبِّ. واللهُ سيُعطيني قُدرةً تُشبِهُ قُدرةَ الأيائِلِ على السَّيْرِ على مُرتفعاتِ الحَياةِ بِثِقَة. هذا هُوَ ما يَقولُهُ. إنَّهُ رَجُلٌ ثَابِت. إنَّهُ رَجُلٌ ثَابِت. وثَباتُهُ مُرتبطٌ ارتباطًا وَثيقًا بنَظرتِهِ الصَّحيحةِ لإلهِهِ.
والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا، يا أحبَّائي: إنَّ الرَّبَّ قَريبٌ. وهذا هُوَ الرَّبُّ القَريبُ والقَادِرُ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ الكتابُ المقدَّس. وإنِ ابتَهجتَ بِهِ وَلَهَجْتَ في نَامُوسِهِ نَهارًا وَليلاً، وَلَهَجْتَ في كَلِمَتِهِ نَهارًا وَليلاً، ستَعرفُ اللهَ على حَقيقَتِهِ، وسَتعرِفُ أفعالَهُ. وسوفَ يَكونُ هذا الأمرُ مَصدَرَ ثِقَتِك.
والآن، ما هي نَتيجةُ مَعرفةِ أنَّ الرَّبَّ قَريب؟ "لاَ تَهْتَمُّوا [بِماذا؟] بِشَيْءٍ". فَما الَّذي سأقلَقُ بشأنِه؟ فهل تُوجَدُ مُشكلةٌ لا يَستطيعُ اللهُ أن يُعالِجَها؟ مَهلاً، إنَّ هَذا تَجديفٌ. فإن خُفتَ، أو قَلِقتَ، أو صُدِمْتَ، أو تَزعزعتَ، أو إن فَقدتَ شَهِيَّتَكَ أو أُصِبْتَ بانفصامٍ في الشَّخصيَّةِ أو ما إلى ذلكَ فإنَّ لِسانَ حَالِكَ هُوَ: "لا يُمكنُني أن أَتَأقلَمَ مَعَ الحَياة. لا يُمكنُني أن أَتَأقلَمَ مَعَ الحَياة". وأيًّا كانتِ الطَّريقةُ الَّتي تَستخدِمُها لإظهارِ عَدَمِ ثَباتِكَ ذاكَ فإنَّ ما تُظهِرُهُ حَقًّا... وأريدُ أن أقولَ هذا بِمحبَّةٍ ونِعمة... فإنَّ ما تُظهِرُهُ يَدُلُّ في الحقيقةِ على أنَّكَ لا تَثِقُ بِمَن؟ بالله.
وهذا شَكلٌ مِن أشكالِ التَّجديف. فهُناكَ شَكلانِ للتَّجديف. الأوَّلُ هُوَ أنَّكَ إنْ ظَنَنْتَ أنَّ اللهَ لا يَستطيعُ أن يُساعِدَك، فإنَّكَ تَكونُ في هذهِ الحَالةِ قَد صَنعتَ إلهًا غيرَ اللهِ الحَقيقيّ. وهذا تَجديفٌ. فقد صَنَعْتَ إلهًا يَختلِفُ كُلَّ الاختِلافِ عَنِ الله. أمَّا الشَّكلُ الثَّاني للتَّجديفِ فهو أنَّكَ إنْ ظَنَنْتَ أنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يُساعِدَكَ ولكنَّهُ لن يُساعِدَكَ، فإنَّ ظَنَّكَ هَذا هُوَ تَجديفٌ أيضًا لأنَّكَ تَشُكُّ لا في صِفاتِهِ فقط، بل في أمَانَتِه وكلمَتِه. لِذا فإنَّ مِفتاحَ الحياةِ الثَّابتةِ والرَّاسخةِ والمُستقرَّةِ [كَما جاءَ في المَزمورِ الأوَّل] هُوَ أن تَبتَهِجَ في الرَّبِّ قَائلاً: "أنا أَبتَهِجُ بالرَّبِّ"، وأن تَلْهَجَ في نَامُوسِهِ وتقولُ: "أنا أعرِفُ كيفَ يَتصرَّفُ". فعندما أَفْهَمُ مَن هُوَ، وكيفَ يَعمل، يُمكنُني أن أنظُرَ إلى حَياتي وأقول: "هذا هُوَ الإلَهُ القَريبُ. فهذهِ صِفَةٌ مِن صِفاتِ إلهي. وهو يَتصرَّفُ هكذا. لِذا، لن أقلَق". لِذا، أعودُ إلى مَا قُلتُهُ مِن قَبل وهو أنَّ أكبرَ نُقطةِ ضَعفٍ في الكَنيسةِ المَسيحيَّةِ اليومَ هي عَدمُ فَهمِ صِفاتِ اللهِ، وَعَدَمُ فَهْمِ الكَيفيَّةِ الَّتي يَعمَلُ بها. فَهُم لا يَفهَمونَ جَلالَ صِفاتِهِ الرَّائعة. وهذا هُوَ السَّببُ في عَدَمِ الثَّباتِ الواسِعِ الانتشارِ هَذا. فَلأنَّنا لا نَعرِفُ اللهَ، لا يُمكِنُنا أن نَثِقَ بأنَّ اللهَ سيَعملُ بطريقةٍ تَتَّفِقُ معَ صِفاتِهِ المُعلَنَةِ وتَاريخِ أعمالِهِ المُعلَن.
لِذا، ماذا يَنبغي لنا أن نَفعل؟ فلدينا في الكنيسةِ كُلُّ هؤلاءِ الأشخاصِ غيرِ الثَّابِتينِ بِكُلِّ مَشاكِلِهم. وعِوَضًا عن مُساعَدَتِهم على فَهمِ اللهِ، وفَهْمِ شَخصِهِ وَصِفاتِه، وَفَهْمِ تَاريخِ أعمالِهِ، وفَهْمِ كيفيَّةِ تَصَرُّفِهِ، وفَهْمِ أَمانَتِهِ العَجيبةِ في كُلِّ أعمالِهِ، فإنَّنا نُحاولُ أن نُقَدِّمَ حُلولاً بَشريَّةً ذَكيَّةً لعدمِ الثَّبات. وهذا يُؤدِّي على المَدى البَعيدِ إلى جَعلِ عَدمِ الثَّباتِ نَهْجَ حَياةٍ ولا يُقَدِّمُ حَلاًّ البَتَّة.
في الجِيلِ السَّابقِ، كَتَبَ "آرثر ووكينغتون بِنك" (A. W. Pink) في كِتابٍ لَهُ بعُنوان: "وَمَضَاتٍ في الثَّالوث" (Gleanings in the Godhead): "لا يُمكِنُ تَشبيهُ إلَهِ هذا القَرنِ بإلَهِ الكتابِ المُقدَّسِ كَما لا يُمكِنُ تَشبيهُ وَميضِ شَمعةٍ بِنُورِ الشَّمسِ في مُنتصفِ النَّهار. فاللهُ الَّذي يَتحدَّثونَ عنهُ مِن عَلى المِنْبَرِ العَاديِّ، ويَتحدَّثونَ عنهُ في صَفِّ مَدرسةِ الأحدِ العَاديَّة، ويُذكَرُ في الكَثيرِ مِنَ الأدبِ الدِّينيِّ في يَومِنا هذا، ويُوعَظُ عَنهُ في ما يُسَمَّى بمُؤتمراتِ الكتابِ المقدَّسِ هُوَ تَلفيقٌ مِن مُخَيِّلةِ الإنسانِ، وابتكارٌ نَابعٌ مِنَ المَشاعرِ والعَواطِف" [نِهايةُ الاقتباس].
فنحنُ لا نُعَرِّفُ النَّاسَ على اللهِ الحَقيقيِّ مِن جِهَةِ شَخصِهِ وأعمالِه. وبسببِ ذلك، هُناكَ ضَعفٌ شَديدٌ في الثِّقةِ بِهِ. ولا عَجبَ في أنَّ النَّاسَ يَشعرونَ بالذَّنبِ والخَوفِ والقَلقِ، ولا يَعرفونَ اللهَ مَعرفةٍ كَافيةً، ولا يَثِقونَ باللهِ كما يَنبغي. وكِلا هَذينِ الأمرينِ تَجديفٌ. فإن كُنتَ تَتَخَيَّلُ اللهَ خِلافًا لِما هُوَ عليهِ في الحَقيقةِ فإنَّكَ تَنْحَتُ صَنَمًا. وهذا تَجديفٌ. وإن كُنتَ تَتَخَيَّلُ أنَّ اللهَ يَفعلُ أمورًا مُخالفةً لِشَخصِهِ وَوُعودِهِ لِشَعبِهِ فإنَّ هذا أيضًا تَجديفٌ لأنَّكَ تَشُكُّ في أَمانَتِه. وعِوَضًا عن تَعريفِ النَّاسِ إلى اللهِ وتَعليمِهم أن يَفهَموا كلمةَ اللهِ، فإنَّ أغلبيَّةَ الكَنائِسِ تُحاولُ أن تُعَالِجَ عَدَمَ ثَباتِ النَّاسِ عَن طَريقِ تَقديمِ حُلولٍ بَشريَّةٍ لَهُم. والأسوأُ مِن ذلكَ هُوَ أنَّهُم يُحاولونَ أن يُطَبِّقوا عَليهم عِلْمَ النَّفسِ على الرَّغمِ مِن أنَّ عُلماءَ النَّفسِ أنفسَهُم يَقولونَ إنَّهُ لا يَملِكُ إجاباتٍ.
فهُناكَ مَوْطِنُ رَاحَةٍ وَحيدٌ للنَّفسِ وَهُوَ: في الله. فنحنُ نَثبُتُ في الرَّبِّ. نحنُ نَثبُتُ في الرَّبّ. وهذا هُوَ ما يَقولُهُ العَددُ الأوَّل. فقد قالَ مارتن لوثر (Martin Luther) لإيراسموس (Erasmus): "أفكارُكَ عَنِ اللهِ بَشريَّة جدًّا". وبولسُ يَقولُ هُنا ما قَالَهُ الشَّاعِرُ: "لا أَدري لماذا هَاجَتِ العَاصفةُ فَجأةً مِن حَولي بِكُلِّ غَضَبِها، ولكنِّي أَعلَمُ شَيئًا واحِدًا وَهُوَ أنَّ اللهَ يُراقِبُ كُلَّ طَريقي". لِذا: "لا تَهْتَمُّوا بِشَيءٍ". لا تَهْتَمُّوا بِشَيءٍ. تَوَقَّفوا عَنِ القَلق. لا تَسمَحْ بأن تُهزَمَ بسببِ التَّجاربِ والضِّيقاتِ، أو بسببِ حَقيقةِ أنَّ عَالَمَكَ الصَّغيرَ ليسَ رائِعًا بالصُّورةِ الَّتي تَتَمَنَّاها. فهذا شَكلٌ مِن أشكالِ التَّجديفِ غيرِ الوَاعي. لا تَقلَقوا.
وهل يُمكنُني أن أَختِمَ بهذا النَّصّ؟ إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس. وبالمُناسبة، إنَّ تَعليمَ بولسَ هذا يَتَّفِقُ معَ تَعليمِ يَسوع. لِذا، لِنَنظُر إلى ما قَالَهُ يَسوعُ في إنجيل مَتَّى 6: 25: "لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ". لا تَهتمُّوا بسببِ هذهِ الأشياء. وقد تقول: "نحنُ لا نَقلقُ بسببِ هذهِ الأشياءِ. لا! نحنُ بَعيدونَ كُلَّ البُعدِ عن تلكَ الثَّقافة. هَل سَأقلقُ بشأنِ كَيفيَّةِ الحُصولِ على الطَّعام؟ وهل سَأقلقُ على الشُّرْب؟ وهل سَأقلقُ على المَلابِس؟" نحنُ لا نُفَكِّرُ في ذلك، بل إنَّنا كُلَّما فَكَّرنا في الطَّعامِ فإنَّنا نَقلقُ لأنَّنا سنَأكُلُ كَثيرًا جدًّا. ومُجتمعُنا يَقلَقُ بسببِ الإكثارِ مِنَ الشُّربِ. والشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي نَقلَقُ بِشأنِهِ بخصوصِ المَلابِسِ هو ليسَ ما إذا كُنَّا سنتمكَّنُ مِنَ الحُصولِ عليها، بل مَا المَلابِسُ الَّتي سنَختارُ أن نَرتديها؟
ولكنَّ النَّاسَ في ذلكَ الوقتِ كانُوا يُواجِهونَ مَشاكِلَ رَئيسيَّة. أمَّا النَّاسُ في يَومِنا هذا فإنَّهُم يُصابونَ بكُلِّ أنواعِ القَلقِ بسببِ كَثيرةِ ما لَديهم. فَهُم لا يَقلقونَ بسببِ الاحتياجاتِ الحَقيقيَّة، بل إنَّهُم يُعانونَ فقط مِن ضُغوطِ الأقرانِ والرِّفاق. وَحاجاتُهُم هي ليست حَاجاتٍ حَقيقيَّة. ولكنَّ النَّاسَ قَديمًا كانت لديهم حَاجاتٌ حَقيقيَّةٌ للطَّعامِ والمَاءِ والمَلابس. وَيَسوعُ يَقولُ: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ". فهي لا تَعملُ لتوفيرِ قُوْتِها. "وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟"
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 28: "وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 30 مُلَخِّصًا كُلَّ ما قَالَهُ: "فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟" فَمُشكلتُكم هي أنَّكُم تَهتَمُّونَ لأنَّكُم لا تُؤمِنونَ بالله. هذهِ هي الخُلاصَة. "فَلاَ تَهْتَمُّوا..." [في العَدد 31] "...قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟" أي لا تَهْلَعوا ولا تَستَسلِموا لكُلِّ هذهِ الأنواعِ المُعاصِرَةِ مِنَ الرُّهابِ والقَلق. "فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ".
"لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ". وهذهِ نُقطةٌ مُهمَّةٌ جدًّا. اسمعوني: أنتُم لديكُم مَا يَكفي مِنَ المَتاعِب. لِذا، لِمَ تُضيفونَ القَلَقَ إلى هذهِ المَتاعِب؟ فهذا سَيُضاعِفُ ضِيقَكُم. وحينئذٍ ستَذهبونَ إلى المُشيرِ فتَتضاعَفُ مَتاعِبُكُم ثَلاثَ مَرَّاتٍ وتَدفعونَ خَمسةً وسبعينَ دولارًا كُلَّ أسبوع. اسمعوني: أَلاَ احْتَمَلْتُم الضِّيقَ وَتَركْتُموهُ عَلى حَالِهِ؟ ثِقوا بإلَهِكُم.
إذًا، كيفَ يُمكنُني أن أكونَ ثَابِتًا؟ بأن أُحِبَّ، وأسعَى إلى السَّلامِ والوِئامِ في شَرِكَةِ المَحبَّة، وبأن أفرحَ وأبتهِجَ بما هُوَ أعمقُ مِن ظُروفي؛ أي بعلاقَتي بالمَسيحِ الحَيِّ. كذلكَ بأن أتصرَّفَ بِنَعمةٍ؛ وليسَ بِنِعمةٍ فَحَسْب، بل بنِعمةٍ نابعةٍ مِنَ التَّواضعِ الَّذي لا يَطلُبُ شَيئًا، بل يَقبلُ كُلَّ شَيءٍ، ويُسَلِّمُ كُلَّ شيءٍ للهِ. ثُمَّ هُناكَ تلكَ الثِّقة العَظيمة بالرَّبِّ مِن مُنطَلَقِ عِلْمي بأنَّ كُلَّ شَيءٍ تَحتَ سَيطرتِه. فهكذا نَعيشُ حَياةً ثَابتةً. وسَوفَ نَعرِفُ المَزيدَ عندما نُتابِعُ دِراسةَ نَصِّنا. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكرُكَ على هذا النَّصِّ الوَاضحِ الَّذي يُعيدُنا إلى مَسارِنا لكي نَكونَ ثَابِتين. ساعِدنا على أن نَعرِفَ أنَّ ثَباتَنا يَنبُعُ مِنكَ. فنحنُ لا نُريدُ أن نَتأثَّرَ بِمُجتمعِنا المُشَوَّش، ولا نُريدُ أن نَنْساقَ وَراءَ طُرُقٍ لا تُؤدِّي إلى الثَّباتِ؛ بل إلى زِيادَةِ عَدَمِ الثَّبات. نحنُ نُريدُ أن نَكونَ حيثُ تُريدُ مِنَّا أن نَكون، ونُريدُ أن نَبتَهِجَ بِكَ، ونُريدُ أن نَلْهَجَ نَهارًا وَليلاً في كَلِمَتِكَ، ونُريدُ أن نَكونَ بِكُلِّ مَعنى الكلمةِ مُؤمِنينَ مَملوئينَ بالرُّوحِ كما تُريدُ مِنَّا أن نَكونَ لكي نَكونَ ثَابِتينَ في نَظرِ الأشخاصِ مِن حَولِنا، ولكي نَكونَ كَشَجرةٍ مَغروسةٍ عندَ مَجاري المِياهِ، وتُعطي ثَمَرًا، وتَنجَحُ، ولا يَذبُلُ وَرَقُها في وَسَطِ عَالَمٍ مِنَ العُصافَةِ المُتَطايِرَةِ في كُلِّ اتِّجاه. اجعلنا ثَابِتينَ، يا رَبّ، لا لأجلِ الاستقرارِ في ذَاتِهِ، بل لكي نَكونَ مَغروسينَ ونُعطي ثَمَرًا لِمَجدِكَ أنتَ. باسمِ يَسوع. آمين!

This article is also available and sold as a booklet.