
لقد قُلتُ في هذا الصَّباح إنِّي سأُتابِعُ حَديثَنا عنِ العائلةِ النَّاجحة، وإنِّي سأتحدَّثُ عن أهَمِّ فَضيلة في أيِّ عَلاقة، وعن أهَمِّ عُنصُرٍ في الحِفاظِ على الزَّواجِ مُتماسِكًا أو في الحِفاظِ على العائلةِ مُتَّحِدَة. فَهُوَ شَيءٌ مُهِمٌّ جدًّا في نَجاحِ الزَّواجِ والعائلة. وأنا أَعلمُ أنَّ بعضًا منكُم كانَ يُخَمِّنُ بعدَ ظُهْرِ هذا اليوم. وكانَ أفرادٌ مِن عائلتي يُخَمِّنونَ ما الموضوعُ الَّذي سأتحدَّثُ عنه. فما هو أهَمُّ شيءٍ يُحافِظُ على العَلاقاتِ على المَدى البَعيد؟ بكلمة واحدة: إنَّهُ "الغُفران". إنَّهُ الغُفران.
ولماذا أقولُ ذلك؟ أوَّلاً، لأنَّهُ أيًّا كانَتِ المرأةُ الَّتي تَزَوَّجْتَ مِنها، سوفَ تُخَيِّبُ ظَنَّكَ، وسوفَ تُسيءُ إليكَ، وسوفَ تُسيءُ فَهمَكَ، وسوفَ تُسيءُ تَفسيرَ قَصدِكَ مِمَّا فَعلت. وسوفَ تُسيءُ أنتَ إليها، وستُخطئ بِحَقِّها، وستُخَيِّب ظَنَّها. وهذا الأمرُ يَسري على أيِّ نوعٍ مِنَ العَلاقاتِ لأنَّنا مَخلوقات خاطئة، ولأنَّنا مَخلوقات ساقِطَة. والشَّيءُ الرَّئيسيُّ الَّذي يَمنَعُ ذلكَ مِن هَدْمِ العلاقاتِ هو الغُفران...الغُفران.
والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر الأمثال 19: 11 أنَّ فَخْرَ الإنسانِ هو الصَّفْحُ عَنْ مَعْصِيَة. فلا يوجد شيء يَزيدُ الإنسانَ رِفْعَةً وكَرامَةً أكثرَ مِن أنْ يَغفِر. وبصراحة، نحنُ نَعيشُ في مُجتمعٍ لا يَقبَلُ هذا، ولا يُقِرُّ بهذا. لِذا فإنَّ العلاقاتِ تَتدَاعَى في كُلِّ مكان. فنحنُ نَعيشُ في مُجتمعٍ مُثيرٍ للحُزنِ والشَّفقَة يَسيرُ حَقًّا في طَريقٍ يؤدِّي إلى الدَّمارِ الذَّاتيِّ الشَّامِل. وواحدٌ مِنَ الأسبابِ الرئيسيَّةِ الَّتي تُسهِمُ في ذلكَ الدَّمارِ الذاتيِّ هو الاستخفافُ بالغُفران. فالنَّاسُ مُمتلئونَ مَرارةً، ومُمتلئونَ غَضبًا، ومُمتلئونَ كَراهِيَةً، ومُمتلئونَ نَقمةً تُجاهَ الآخرين. وَهُم يَعتقدونَ أنَّ الانتقامَ فَضيلة، وأنَّ رَدَّ الإساءة بالإساءة أمرٌ مَشروعٌ وصِحِّيّ.
وهذه المواقفُ تَجِدُ ما يُعَزِّزُها في ثَقافَتِنا إذْ إنَّها تَجِدُ المُوافقة على كُلِّ جَبهَة. فَهي تَجِدُ الموافقةَ مِنَ المُشيرينَ وعُلماءِ النَّفسِ الَّذينَ يقولونَ لنا إنَّنا بحاجة إلى التَّنفيسِ عن مشاعِرِنا، وإنَّهُ يجب علينا أن نقولَ للنِّاسِ ما يَنبغي أن يَسمعوه، وإنَّهُ يجب علينا أن نَحرِصَ على أَلَّا نَكْظِمَ غَيْظَنا، بل يجب علينا أن نَنْفَجِرَ عندَ الضَّرورة كي لا نُبقي شيئًا في صُدورِنا. وهذه المواقِفُ تَتَعَزَّز مِن خلالِ الأبطالِ في مُجتمعِنا مِمَّنْ يَعيشونَ بِعقليَّةِ الانتقام. فالنَّاسُ يَتظاهرونَ بالبُطولةِ حينَ يَثأرونَ لأنفسِهم. وَهُم يُشيدونَ ببطولةِ مَنْ يَثأرونَ لأنفسِهم كأن يِصِفوهُم بأنَّهم يُشبهونَ: "هاري القَذِر" (Dirty Harry) أو "رامبو" (Rambo) أو "المُبيد" (Terminator)، أو بأن يُلَقِّبوهُم بأيِّ لقبٍ آخر على غِرارِ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ يَجِدونَ مُتعةً في القَتلِ لأجلِ الانتقام.
وهناكَ أشخاصٌ في مُجتمعِنا يَجولونَ ويَقتلونَ النَّاسَ لأنَّهُم يَشعرونَ أنَّهُم تَعَرَّضوا لنوعٍ مِن سُوءِ المُعاملةِ أوِ الإساءةِ نتيجةَ المَظالِم الثَّقافيَّة. لِذا فإنَّهم يَسْعَوْنَ إلى الانتقامِ لأنفسهِم مِن خلالِ القَتلِ العَشوائيّ. وأسوأُ حالةٍ، بكُلِّ تأكيد، هي حالاتُ الانتقامِ الَّتي تَصِلُ إلى حَدِّ قَتلِ الآخرين. ويَلي ذلكَ الدَّعاوَى القانونيَّة. فهناكَ نحو 300 ألف دَعوى قانونيَّة تُرفَعُ كُلَّ سَنة في أمريكا لأيِّ سببٍ مِنَ الأسباب. فإنِ تَمَكَّنَ النَّاسُ مِنَ الانتقامِ لأنفسِهم بأيِّ طريقة وبِكُلِّ طريقة، فإنَّهم يَفعلونَ ذلك.
ونحنُ لدينا 70 بالمئة مِن مَجموعِ المُحامينَ في العالَمِ كُلِّه كي نَتمكَّنَ مِنَ التَّرافُعِ في الدَّعاوى القانونيَّة الكثيرة. وَحتَّى إنَّ المُرشِدينَ والمُختصِّينَ في مجالِ المَشورةِ والطِبِّ النَّفسيِّ يَقولونَ لنا إنَّ الغُفرانَ ليسَ صِحِّيًّا. وفي كِتابٍ بعُنوان "الآباءُ والأُمَّهاتُ السَّامُّون" (Toxic Parents)، وهو كِتابٌ أنا على يَقينٍ أنَّكُم لم تَقرأوه، ولكنَّهُ كِتابٌ مُثيرٌ للاهتمام، و "سوزان فوروارد" (Susan Forward) هي مُؤلِّفَةُ هذا الكِتابَ. وهي تُقَدِّمُ فيهِ الموقفَ السَّائدَ حَقًّا تُجاهَ الغُفران في ثَقافتِنا.
وقد خَصَّصَتْ فَصْلاً في الكِتاب بعُنوان: "لا يجب عليكَ أن تَغفِر". وهي تقولُ إنَّهُ يجب علينا أن نُلقي اللَّومَ في مشاكِلِنا الحاليَّة على آبائِنا لأنَّهُم السَّبب. فقد سَمَّموا حياتَنا. فنحنُ جميعًا لدينا آباء وأُمَّهات سامُّون. والصَّيحة الجديدة هي: "أنا ضَحيَّة. إنَّها ليسَت غَلطَتي. أنا لستُ مَسؤولاً". فالذَّنْبُ في أيِّ شيءٍ وكُلِّ شيءٍ يُلقى على الآخرينَ ويُترك هُناكَ إلى أنْ تقومَ النَّقْمَةُ بعَمَلِها. ولا يوجد حقًّا مكانٌ للغُفران.
والحقيقةُ هي أنَّ الاقتراحَ السَّائدَ هو أنَّ الغُفرانَ ليسَ صِحِّيًّا. فهو نوعٌ مِنَ الضُّعْفِ ونَوعٌ مِنَ الجُبْن. فقد تَعَرَّضنا جميعًا للاضطهادِ والإساءةِ، وكُنَّا ضَحيَّة. لِذا، نحنُ لسنا مُطالَبينَ بأن نَغفِرَ لأيِّ شخص. ولكِنَّ ثَمَنَ الانتقامِ عَالٍ جدًّا. فثمنُ عدمِ الغُفرانِ باهِظٌ حقًّا. واسمَحوا لي أن أقولَ لكم بِضعةَ أشياء يَفعلُها عدمُ الغُفران:
فَعَدَمُ الغُفرانِ يَسجِنُ النَّاسَ في الماضي. وقد تَقول: "ماذا تَعني بذلك؟" طالَما أنَّكَ لستَ مُستعدًّا لمُسامحةِ مَن يُسيئونَ إليكَ وإساءاتِهم، ستبقى مُكَبَّلاً مَعَهُم. وطالَما أنَّكَ لا تُبدي استعدادَكَ لمُسامحةِ الشَّخصِ الَّذي أساءَ إليكَ، أو مُسامَحَتِهِ هو وإساءَتِه، فإنَّكَ تُبقيها حَيَّة. والألَمُ يَبقى موجودًا. فأنتَ تَعبَثُ بِجُرْحٍ مَفتوح، وتَحُوْلُ دونَ شِفائِه. فعندما لا تَغفِر فإنَّكَ تَحكُمُ على نفسِكَ بأن تَعيشَ مُعَذَّبًا الآنَ كما كُنتَ في الماضي حينَ اقتُرِفَتْ تلكَ الإساءة بِحَقِّكَ، مِن دونِ أيِّ رَجاءٍ في الشِّفاء. وأنتَ تَختارُ أن تُحِبَّ الكَراهِيَةَ وأنْ تَحْصُدَ ثَمَرَها طَوالَ حياتِك. فعَدَمُ الغُفرانِ يَسْجِنُكَ في سِجْنِ آلامِ مَاضيك.
ثانيًا، عدمُ الغُفرانِ يُنشِئُ مَرارةً عميقة، وسَرَطانًا مُعدِيًا في القلب. وهذه المَرارة خَبيثة ومُدَمِّرة. وهي تَجلِبُ معها تلكَ الأفكارِ الخبيثة، وتلكَ الذِّكرياتِ المُزعجة الَّتي تُشَوِّهُ نَظرتكَ إلى الحياة. والغَضَبُ يَخرُجُ عنِ السَّيطرة، والعواطِفُ تَصيرُ بِلا قُيودٍ أو حُدود، وستبتدئُ في التَّفكيرِ بأفكارٍ يائسة عنِ الانتقام. وكُلُّ حَديثٍ يَصيرُ مِنْبَرًا لِمُهاجمةِ الشَّخصِ الَّذي تَكرَهُه، أو للطَّعنِ فيه، وَحَتَّى للأكاذيب. لا! فعدمُ الغُفرانِ شيءٌ قاسٍ جدًّا جدًّا. فهو سيَجعلُكَ أسيرَ ماضيكَ الأليم، وسوفَ يُغْرِقُكَ في مُستنقَعِ المَرارةِ العَميقة.
مِن جانبٍ آخر فإنَّ الغُفرانَ يُحَرِّرُكَ تمامًا مِنَ الماضي، ومِنَ المَرارةِ في الحاضِر. وعندما تَدرُسونَ الكتابَ المقدَّس، ستجدونَ فيهِ آياتٍ كثيرَة عنِ الغُفران. والحقيقة هي أنَّ هناكَ خمسًا وسبعينَ كلمة تَصويريَّة عنِ "الغُفرانِ" في الكتابِ المقدَّس. واسمَحوا لي أن أذكُرَ لكُم بعضًا منها. فالغُفرانُ يَعني أن تُديرَ المِفتاحَ، وأنْ تَفتَحَ بابَ الزِّنزانَة، وأن تُطلِقَ سَراحَ السَّجين. فهذه هي إحدى الاستعارات. والغُفرانُ يَعني أن تَكتُبَ بأحرُف كبيرة على صَكِّ الدَّيْن: "لا يوجد دَيْنٌ مُسْتَحَقّ". والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّ الغُفرانَ يَعني أن تَطْرُقَ المِطرقةَ في قاعةِ المَحكمةِ وتَقول: "ليسَ مُذنِبًا!" والغُفرانُ يعني أن تُطلِقَ سَهْمًا إلى عُلُوٍّ عالٍ جدًّا ومسافة بعيدة جدًّا يَستحيلُ مَعَها العُثورُ عليهِ ثانيةً.
والغُفرانُ يعني أن تُخرِجَ القُمامَةَ وتَتخلَّص مِنها مَرَّةً وإلى الأبد، وأن تَترُكَ البيتَ برائحة مُنعِشَة ونظيفًا. والغُفرانُ يعني أن تَرفَعَ المَرساةَ وتَجعل السَّفينة تُبْحِر بِحُرِّيَّة. والغُفرانُ يَعني أن تَمنَحَ عَفْوًا تامًّا لمُجرِمٍ مُدان ومَحكوم عليه. والغُفرانُ يعني أن تُرخي قَبضَتَكَ عنِ خَصْمِكَ في المُصارَعة. والغُفرانُ يعني أن تُنَظِّفَ حَائطًا مَكسُوًّا بالرُّسومِ وتَجعلَهُ في حالة جديدة تمامًا. والغُفرانُ يعني أن تُحَطِّمَ آنية خَزفيَّة إلى ألفِ قِطعة حَتَّى يَتَعَذَّرَ جَمْعُها مَرَّة أخرى.
وهذه هي فقط بعضُ الكلماتِ التَّصويريَّة في الكتابِ المقدَّسِ عنِ الغُفران. فالغُفرانُ موقفٌ وتَصَرُّفٌ رائعٌ، ونَبيلٌ، ومُحَرِّرٌ، ومُحِبٌّ. والغُفرانُ مَنطِقِيٌّ. وَهُوَ صِحِّيٌّ. وَهُوَ رائعٌ. وَهُوَ مُحَرِّرٌ. وَهُوَ مَعقولٌ. وَهُوَ يُخَفِّفُ التَّوتُّر. وَهُوَ يَجلِبُ السَّلام. وَهُوَ يَنُمُّ عنِ المحبَّة. وأقولُ مَرَّةً أخرى: إنَّهُ الإنسانُ في أَنْبَلِ صُوَرِهِ إذْ إنَّ فَخْرَهُ هوَ الصَّفْحُ عنْ مَعصية.
وأودُّ أن أقولَ لكُم شيئًا: لا يُمكِن لأيِّ عَلاقة أن تَستمرَّ مِن دونِ غُفران. فإن لم تَغفِر دائمًا، سَتُراكِم مَرارةً تُدَمِّرُ أيَّ وكُلَّ عَلاقة. وهُناكَ بعضُ الأسبابِ الكِتابيَّةِ واللَّاهوتيَّةِ والرُّوحيَّةِ المُوجِبَة للغُفران. وأودُّ أن أُحَدِّثَكُم عنها اللَّيلة. فعَدا عن أنَّها تَنُمُّ عن فَضيلة، وعدا عن أنَّها تَنُمُّ عَنْ نُبْلِ أخلاقٍ، اسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لكم بِضعةَ دَوافِعَ مُوْجِبَة للغُفران:
أوَّلاً، والوقتُ هو الَّذي سَيُحَدِّدُ عددَ الدَّوافِعِ الَّتي سأتمكَّنُ مِنْ ذِكْرِها اللَّيلة...ولكِنْ أوَّلاً، وهذه نُقطة مُهِمَّة وفي الصَّميم، وتأتي في رأسِ اللَّائحة: الغُفران هو أَهَمُّ عَمَلٍ يَستطيعُ الإنسانُ أن يَعمَلَهُ للتَّمَثُّلِ بالله. الغُفران هو أَهَمُّ عَمَلٍ يَستطيعُ الإنسانُ أن يَعمَلَهُ للتَّمَثُّلِ بالله. فلا يُوجَد عَمَلٌ آخر يَجعَلُنا نَتَمَثَّلُ باللهِ أكثرَ مِنَ الغُفران. فلا يوجد عَمَلٌ آخر تَتَمَثَّلُ بِهِ باللهِ أكثرَ مِن أن تَغفِرَ لشخصٍ أَسَاءَ إليكَ. فالغُفرانُ هو وَعْدٌ شَخصيٌّ يُقَدَّمُ ويُعلَنُ لَفْظِيًّا.
فهو جُملة تُعَبِّرُ عن مَحبَّة لا يَستحقُّها الشَّخصُ الآخرُ وليسَ جَديرًا بها تُؤكِّدُ لَهُ مِن خِلالِها أنَّكَ لستَ غاضِبًا، ولستَ حاقِدًا، ولا تَعْتَزِمُ الانتقامَ مِنْهُ، ولا تَعتَزِمُ الثَّأرَ مِنْهُ لأنَّ الشُّعورَ بالنَّقمةِ قد زالَ، ولأنَّ الشُّعورَ باللَّوْمِ قد زَال. فلم تَعُد هُناكَ شَفَقَة على الذَّاتِ، ولم تَعُد هُناكَ مَرارة. وهذا هو تمامًا مَوقِفُ اللهِ مِنَ الخُطاة. فاللهُ يُعطينا ويُقَدِّمُ لنا في الكتابِ المقدَّسِ وَعْدًا شخصيًّا بأنَّهُ يُحِبُّنا مَحبَّةً لا نَستحقُّها ولسنا جَديرينَ بها، ويؤكِّدُ لنا أنَّهُ لم يَعُد غاضبًا، ولم يَعُد يُضْمِرُ لنا الكَراهِيَةَ أوِ الرَّغبة في الانتقام، وأنَّهُ لم تَعُد هُناكَ نَقْمَة، ولا دَينونة لأنَّ الذَّنْبَ واللَّومَ والعَارَ هي أُمورٌ قد أُزيلَت. فهذا هو مَوقِفُ اللهِ مِن أولئكَ الَّذينَ آمَنوا بِه.
استمِعوا إلى هذه الصِّفَاتِ الإلهيَّة في الكتابِ المقدَّس إذْ نَقرأُ في سِفْر الخُروج 34: 6: "فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ..." [أيْ قُدَّامَ مُوسَى] "...وَنَادَى الرَّبُّ: الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّة". فهذه هي صِفاتُ اللهِ. لِذا فإنَّنا نَقولُ إنَّنا نَتَمَثَّلُ باللهِ أكثرَ ما يُمكِن حينَ نَغفِر.
ونَقرُأ في المزمورِ الثَّاني والثَّلاثين: "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ". والمَزمورُ الخامِسُ والثَّمانون يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ تقريبًا. والمَزمورُ المِئة والثَّلاثون، وفي كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ، نَقرأُ عن غُفرانِ الله. فهو لا يَعودُ يَذْكُرُ خَطايانا. وَهُوَ يَطْرَحُها في أعماقِ البَحْرِ. وَهُوَ يُبْعِدُها كَبُعْدِ المَشرِقِ عنِ المَغرِب.
ولكِن إن أردُتم أعظمَ شَهادة على غُفرانِ اللهِ، يَكفي فقط أن تَقرأوا قِصَّةَ الابْنِ الضَّالِّ في إنجيل لوقا والأصحاح 15. فلم يَكُن ذلكَ الابنُ مُختلفًا عن أبناءٍ كثيرين. فقد كانَ جَشِعًا، ومُتَلَهِّفًا لوَضْعِ يَدِهِ على ثَروةٍ لم يَكْسَبْها، وقد تَصَرَّفَ بحماقة (مِنَ النَّاحية البشريَّة) في طريقةِ إنفاقِ المالِ. وقدَ كانَ يَزدري بأبيهِ، وكانَ يَكرَهُ أباهُ حَقًّا. وقد مَضَى وعاشَ معَ أشخاصٍ استَغَلُّوهُ وتَركوهُ في بُؤسِ خطيَّتِه. وعندما أَنفَقَ كُلَّ المالِ، عادَ إلى رُشْدِهِ تدريجيًّا حينَ بَلَغَ حَدًّا صارَ فيهِ يُطْعِمُ الخَنازير. وقد كانت خِبرَتُهُ في زَريبَةِ الخَنازير مِرآةً لحياتِه.
وقد رَجَعَ إلى نَفسِهِ ذاتَ يومٍ وقال: "إنَّ الخَدَمَ الَّذينَ يَعملونَ لدى أبي يَعيشونَ بحالٍ أفضلَ مِنِّي". وقد قال: "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي". وَهُوَ لم يَكُن يَتوقَّعُ أن يَغفِرَ لَهُ حَقًّا، ولكنَّهُ أرادَ وَحَسْب أن يَقولَ لَهُ إنَّهُ كانَ غَبيًّا، وأن يَطلُبَ مِنْهُ أنْ يَسمَحَ لهُ أن يكونَ أجيرًا عِندَهُ. فهو لم يُرِد أنْ يَطلُبَ مِنهُ أن يَقْبَلَهُ بوصفِهِ ابْنًا لَهُ، بل كانَ يَظُنُّ أنَّهُ تَخَلَّى عن حَقِّهِ ذاك. ولكِنَّ كُلَّ ما كانَ يَبحَثُ عنهُ هو سَقْفٌ فوقَ رأسِه، وطعام أفضل قليلاً مِن خُرنوبِ الخَنازير. لِذا فقدِ انطلقَ في رِحلةِ العودة. وأنتُم تَذكرونَ القِصَّة.
وقدِ استخدَمَ يسوعُ تلكَ القصَّة لِيُعَلِّمَنا كيفَ نَغفِر. فأنتَ لا تَنتظِرُ مَجيءَ الخاطئِ إليك، بل عندما تَراهُ قادِمًا مِن بعيد، تَركُضُ إليه. وعندما يَبتدئُ بالاعتذارِ فإنَّكَ تُسْكِتُهُ بِمُعانَقَة وقُبْلَة. فأنتَ تُعانِقُهُ وتُحبُّهُ وتُلْبِسُهُ أفضَلَ حُلَّةٍ، وتَجْعَلُ أفضلَ خاتَمٍ في يَدِهِ، وتُعِدَّ لَهُ أفضلَ طَعامٍ، وتَطهو لَهُ أفضلَ وَجبَة لَديك. وأنتَ تَجْعَلُ المُوسيقا تَصْدَحُ، وتَدعو الأصدقاءَ وأفرادَ العائلةِ، وتَقبَلُهُ بِفَخْرٍ بصِفَتِهِ ابنَكَ العائِد. فهكذا يَغفِرُ اللهُ...بِسَخاءٍ وَجُوْد.
ويُحَذِّرُنا الرَّبُّ أيضًا مِن أنَّ التَّصَرُّفَ بهذهِ الطريقة قد يُفهَمُ فَهْمًا خاطئًا جدًّا، وأنَّهُ قد لا يُقابَلُ بأيِّ تَقدير؛ حَتَّى مِنْ قِبَلِ أفرادِ عائلَتِنا. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الابْنَ الآخرَ الَّذي لم يَذهب بعيدًا ولم يَترُك بيتَ أبيه عَبَّرَ عنِ استيائِهِ الشَّديد. فقد اتَّهَمَ أباهُ بالحَماقةِ لأنَّهُ غَفَرَ لأخيهِ الغَبِيِّ المُسْرِف الَّذي كانَ يَستحقُّ أن يُطْرَدَ كي يَعودَ إلى زَريبةِ الخنازيرِ بسببِ قراراتِهِ الغَبيَّة مِن دُونِ أن يَحصُلَ على الغُفران. ولكنَّ الأبَ الغَفورَ لا يَستطيعُ أن يَقولَ شيئًا آخرَ سِوى أنَّهُ يُحِبُّ ابنَهُ، وأنَّهُ سيَستمِرُّ في إظهارِ الحُبِّ لَهُ دائمًا. فبالرَّغمِ مِن أنَّ الابنَ أخطأَ خَطأً جَسيمًا بحَقِّهِ، فإنَّهُ سيَغفِرُ لهُ غُفرانًا كامِلاً وتَامًّا لأجلِ فَرَحِ المُصالَحة، ولأجلِ رَوعةِ استردادِه.
وعندما كانَ يَسوعُ مُعَلَّقًا على الصَّليبِ قال: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُون". وعندما كانَ استفانوس المُمتلئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُس يَتعرَّضُ للرَّجْمِ بالحِجارةِ الَّتي سَحَقَتْ عِظامَهُ، قال: "يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ". وبعدَ أنْ حُوْكِمَ "السِّير توماس مور" (Sir Thomas More) الَّذي عَمِلَ رئيسًا لمجلس اللُّوردات في إنجلترا (Lord Chancellor of England)، بعدَ أنْ حُوكِمَ في وستمنستر (Westminster) وحُكِمَ عليهِ بالموت مِن دونِ أيِّ سَبَبٍ عَادِل، خَاطَبَ القُضاةَ قائلاً وَهُوَ مَاثِلٌ أمامَهُم (وأنا أَقتبِسُ كَلِماتِهِ): "كما أنَّ القِدِّيسَ بولسَ كانَ يَحرُسُ ثِيابَ الأشخاصِ الَّذينَ رَجَموا استفانوس حَتَّى الموت، وكما أنَّ هَذَيْنِ القِدِّيسينِ هُما الآنَ في السَّماء وسيَبقيانِ صَديقَيْنِ إلى الأبد، فإنِّي أُصَلِّي وأرجو مِن كُلِّ قلبي أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّكُم تَقفونَ الآنَ على الأرضِ قُضاةً لإدانَتي، فإنَّنا بالرَّغمِ مِن ذلك سَنَلتقي مُبتَهِجينَ في السَّماءِ في خَلاصٍ أبديٍّ" (نهايةُ الاقتباس). وهذا تَمَثُّلٌ باللهِ؛ أيْ أن تَمتَلِكَ رُوحًا غَفورًا تُجاهَ جَلَّاديك.
فاللهُ يَتَعَرَّضُ باستمرارٍ لإساءةٍ هائلةٍ، ووَقِحَةٍ، وغير عادِلة. وهو يَتَعَرَّضُ دائمًا للتَّجديفِ والإهانة. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ يَغفِرُ بِلَهْفَةٍ وشَوقٍ لأجلِ فَرَحِ ومَجْدِ المُصالَحة. وهذه، بالمُناسبة، هي النُّقطةُ الجوهريَّةُ الَّتي يَقولُها بولسُ في رسالة أفسُس 4: 32: "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيح". وَهُوَ يَقول في الأصحاحِ الخامسِ والعددِ الأوَّل: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ". فأنتُم تَتَمَثَّلونَ باللهِ حينَ تَغفِرون. فهذهِ دَعوة إلى التَّشَبُّهِ باللهِ؛ أيْ في أن تكونَ شخصًا غَفورًا. فَمِنَ الصَّعبِ أن تَهدِمَ علاقةً إن غَفَرتَ دائمًا كُلَّ إساءة.
وفي رسالة كولوسي 3: 13، يَقولُ بولُس: "مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا". فأنتَ تَتَمَثَّلُ باللهِ حينَ تَغفِر. وعَودة إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِس. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ الكلماتِ الشَّهيرةِ الَّتي قالَها رَبُّنا يَسوعُ: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ...وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ". وحينَ تَفعلونَ ذلكَ [بحسبِ العدد 45] تَصيرونَ "أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ". فهو يَغفِر. وحينَ تَغفرونَ فإنَّكُم تَتَمَثَّلونَ بِهِ.
ويا أحبَّائي، في زَواجِكُم، أنتُم تَتَّجِهونَ إلى كارثة كبيرة إنِ استمرَّيتُم في مُراكَمَةِ العَداوَة بسببِ الإساءات، وإنِ استمرَّيتُم في السَّماحِ لتلكَ المَرارة بالتَّفاقُم. ولكِنْ عندما تكونُ هناكَ إساءة وغُفرانٌ فَورِيّ، فإنَّ المَرارةَ تَزولُ وتَختفي. وهذا هو المِفتاحُ لأيِّ عَلاقة. فهذا يَصِحُّ على عَلاقةِ الأولادِ بأبَوَيْهِم، وعلى علاقةِ الأبَوَيْنِ بالأولاد، وعلى علاقةِ الأخِ بأُختِه، وعلى علاقةِ الأخِ بأخيه، وعلى علاقةِ الأُختِ بأُختِها. فهو نَفسُ الموقِف. الغُفران...الغُفران. لأنَّ هذا يَجعَلُنا نَتَمَثَّلُ بالله. لِذا، مَارِسوا فَضيلةَ التَّمَثُّلِ بالله.
ثانيًا، عندَ التَّفكيرِ في دَوافِعِ الغُفران فإنَّ الأمرَ لا يتوقَّف فقط على القَتْلِ الَّذي نَهَتْ عنهُ الوَصيَّة السَّادسة. فهو لا يتوقَّف فقط على القَتْلِ الَّذي نَهَتْ عنهُ الوَصيَّة السَّادسة. فالوصيَّةُ السَّادسةُ الَّتي تَقول: "لاَ تَقْتُل" تَنطَوي على ما هو أكثر مِن فِكرةِ القَتْل. وقد تقول: "وكيفَ تَعلَمُ ذلك؟" لأنَّ يسوعَ بَيَّنَ ذلكَ بوضوحٍ تامٍّ. استمِعوا إلى ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 5: 21 و 22: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ...". لا تَقتُل. فهذه هي الوصيَّة. "...وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ".
بعبارة أخرى، إذا اقتَرفتَ جريمةَ قَتل، تكونُ قدِ ارتكبتَ جريمةً وتَستحقُّ المُثولَ أمامَ المَحكمةِ كي تُحاكَمَ عليها. ولكِنَّ يسوعَ قال: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ". بعبارة أخرى، فإنَّ الفِكرةَ لا تَكمُنُ فقط في أنَّ اللهَ يقولُ: "لا تَقتُل"، بل إنَّها تَنطوي أيضًا على الدَّافِعِ أوِ الموقفِ الَّذي يُؤدِّي إلى ذلك، ولا سِيَّما الكَراهِيَة. فيسوعُ يَقولُ: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لا تَغضَبْ مِن أخيكَ. وَلا تَقُل ’رَقَا‘ لأخيكَ. ولا تَقُل لَهُ: ’يا أحمَق‘". وقد كانتِ الكلمة "رَقَا" كُنْيَة. وهُناكَ العَديدُ مِنَ الألفاظِ النَّابيةِ الَّتي يَستخدِمُها النَّاسُ عندما يَغضَبون. وقد كانتِ الكلمة "رَقَا" واحدة مِنَ الألفاظِ النَّابيةِ القديمة. وكانتِ العِبارة "يا أحمَق" عبارة أخرى مُستخدَمة.
وقد قالَ يسوع: "عندما أُشيرُ إلى الوَصيَّة ’لا تَقتُل‘ فإنِّي أعني بها كُلَّ ذلك...كُلَّ ذلك". الغَضَب، والسُّخْط، والخُبْث، وعدم الغُفران، والرَّغبة في الانتقامِ والثَّأر. فهذه جميعُها مَشمولة في الوَصيَّة السَّادسة. وأنا أقولُ مَرَّةً أخرى: إنَّ الوصيَّة السَّادسة لا تَنهى فقط عنِ القَتل، بل إنَّها تَنهى عن كُلِّ أشكالِ الغَضَب، وكُلِّ أشكالِ السُّخْط، وكُلِّ الخُبْث، وكُلِّ النَّوايا الشِّرِّيرة، وكُلِّ مَرارة...كُلِّ ذلك. فقد كانَ أَحْبارُ اليهودِ والكَتَبَة في القَديم، أيْ مَنْ وَضَعوا التَّقليدَ اليَهوديَّ، كانوا يَقولونَ فقط: "لا تَقتُل" (خُروج 20: 13). "لا تَقتُل". ولكنَّهُم كانُوا مُمتلئينَ كَراهِيَةً، وعَداوةً، وبَشاعَةً، ومَرارةً بعضُهم تُجاهَ بَعض. ويسوعُ يَقولُ إنَّ أيَّ شخصٍ يَغضَبُ مِن أخيه يَستحقُّ المُثولَ أمامَ المَحكمة. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ ذلكَ في رسالةِ يُوحنَّا الأولى كَما يَلي: "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ". فهو قاتِلُ نَفس.
وبينَ الحينِ والآخر، نَسمَعُ عن جَريمةِ قَتْلٍ زَوجيَّة. فنحنُ نَسمعُ عن زَوجةٍ قَتَلَت زوجَها، أو عن زَوجٍ قَتَلَ زوجَتَهُ، أو أَطلقَ النَّارَ عليها، أو تَسَبَّبَ في مَوتِها بطريقةٍ ما. ورُبَّما صارَ ذلكَ شائعًا الآنَ أكثرَ مِنَ السَّابق إذْ إنَّ هذه الكَراهِيَةَ لا تَجِدُ مَنْ يَتَصَدَّى لها، بل تُغَذَّى مِنْ قِبَلِ المُجتمَع. ولكِنَّ اللهَ لا يُبغِضُ هذا الأمرَ فقط، بل يُبغِضُ مَوقِفَ الكَراهِيَة. وهو الموقفُ الَّذي يَقول: "أنا لن أقتُلَ زَوجي، ولكنِّي سأترُكُهُ بِكُلِّ تأكيد". وهو الموقِفُ الَّذي يَقول: "أنا لن أقتُلَ زوجي، ولكنِّي أتمنَّى لَهُ المَوت".
وكما تَرَوْنَ، عندما قالَ يسوعُ: "إنْ غَضِبتَ على شخصٍ أو إن شَتَمْتَ شخصًا أو نَعَتَّهُ بأنَّهُ أحمَق فإنَّكَ قاتِلٌ في الصَّميم. وعندما قالَ ذلك، أزالَ كُلَّ بِرٍّ ذاتِيٍّ وَكَشَفَ القِناعَ عنِ القلب. فالكلمة "رَقَا" كانت كلمة نَابِيَة، وكلمة قاسية لا مَثيلَ لها اليوم باستثناءِ أنَّها تبدو شَبيهة بتلكَ الكِناياتِ الَّتي تَستخدِمُ كلماتٍ قاسية، وألفاظٍ مُهينة تُعَبِّرُ عنِ الازدراءِ والإهانَة والاحتقارِ والكَراهِيَة. وقد كانتِ العِبارة "أنتَ أَحمَق" تُستخدَمُ لِنَعْتِ الشَّخصِ بأنَّهُ فاسِق، وشَتْمِه، واتِّهامِهِ بأنَّهُ مُذنِبٌ إلى حَدٍّ يَستحقُّ مَعَهُ الذَّهابَ إلى جَهَنَّم.
وهذا الموقِفُ مَشمولٌ في الوصيَّة السَّادسة. فإذا نَظرتَ إلى الشَّخصِ الَّذي تَكرَهُهُ أو تَستاءُ مِنهُ، أو كُنتَ تَشعُرُ بزيادَةِ العَداوةِ والبُغضَةِ تُجاهَهُ، وكُنتَ تَشعُرُ بهذه الأشياءِ في قَلبِك، فإنَّكَ لا تَختَلِفُ في شيءٍ عن شخصٍ قاتِل. وقد قالَ يَسوعُ: "أَحْبِبْ عَدُوَّكَ كَنَفسِكَ". فيجب عليكَ أن تَنظُرَ إلى الشَّخصِ الَّذي لم تَغفِر لهُ بصِفَتِهِ خَليقةَ اللهِ، وأن تُحِبَّ ذلكَ الشَّخصَ وتَغفِرَ لَهُ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ مَخلوقٌ على صُورةِ الله. فإنْ كانَ مُؤمِنًا فإنَّهُ يَحمِلُ الصُّورةَ الأدبيَّةَ للهِ. وإن لم يَكُن مُؤمِنًا فإنَّهُ يَحمِلُ الصُّورةَ الطبيعيَّةَ للهِ بطريقةٍ مَا فيه. انظُر إلى صُورةِ اللهِ في ذلكَ الشَّخص. ابحَث عن شيءٍ نَبيلٍ فيه بِغَضِّ النَّظَرِ عن صُعوبةِ رؤيةِ ذلكَ أحيانًا.
وإن كُنتَ غاضبًا مِن شخصٍ، اعتَرِف بأنَّ ذلكَ إثم. وإن كُنتَ تُحاولُ الانتقامَ مِن شخصٍ مَا، اعتَرِف بأنَّ ذلكَ خطيَّة. اعلَم أنَّ عدمَ غُفرانِكَ هو خطيَّة، وأنَّهُ أنانيَّة، وأنَّهُ يجب عليكَ أن تَضَعَ أنانيَّتَكَ جَانِبًا لأنَّ عاطِفَتَكَ الَّتي لا تَستحِقُّها تُجاهَ نَفسِكَ هي الَّتي تَجعَلُكَ تُفاقِمُ إساءاتِ الآخرينَ إليك. هل تَفهمونَ ذلك؟ فالسَّببُ في غَضَبِكَ الشَّديد مِمَّا فَعَلَهُ أحدُ الأشخاصِ بِكَ هو أنَّكَ تَنظُرُ إلى نَفسِكَ نَظرةً مُتَرَفِّعَةً. وإن أردتَ أن تَعرِفَ حَقًّا ما تَستحِقُّهُ فإنَّهُ جَهَنَّم. فكُلُّ الأشياءِ الأخرى هي امتيازات.
كُن مُتَواضِعًا بالقدرِ الَّذي يَجعَلُكَ تَرى أنَّ أيَّ إساءة إليكَ لا تَستحقُّ الكَراهِيَة. فلا توجد إساءة اقتُرِفَتْ بِحَقِّكَ تَستحقُّ الغُفرانَ لأنَّكَ تَنظُرُ إلى نفسكِ بأنَّكَ لا شيء. وهذا عَكْسُ تَقديرِ الذَّات. فكُلُّ ما يَفعَلُهُ تَقديرُ الذَّاتِ الزَّائد هو أنَّهُ يُغَذِّي هذا الوَحْشَ مِن خلالِ السَّماحِ للنَّاسِ بأن يَنظروا إلى أنفسِهم نَظرة مُتَرَفِّعَة حَتَّى إنَّ أيَّ إساءة تُقتَرَفُ بِحَقِّهم بأيِّ طريقة أو شكل أو صورة، أيًّا كانت تافهة أو بسيطة، هي في نَظَرِهم إساءة كبيرة وذَنْبٌ لا يُغْفَر. اقتُل أنانيَّتَك. وأنا أقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى: إنَّ عاطِفَتَكَ الَّتي لا تَستحِقُّها تُجاهَ نَفسِكَ هي الَّتي تَجعَلُكَ تُفاقِمُ إساءاتِ الآخرينَ إليك. ويجب عليكَ أن تَنتَبِه إلى حقيقةِ أنَّ اللهَ أوصاكَ لا فقط بأَلَّا تَقتُل، بل أوصاكَ أيضًا بأَلَّا تَرْعَى موقِفًا يَنُمُّ عن أيِّ رَغبةٍ في القَتل.
ثالثًا، وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا عندما نتحدَّثُ عنِ الغُفران. فيجب عليكم أن تَتذكَّروا [ثالثًا] أنَّهُ أيًّا كانَ الشَّخصُ الَّذي أساءَ إليكَ، فإنَّهُ أساءَ إلى اللهِ أكثر. أيًّا كانَ الشَّخصُ الَّذي أساءَ إليكَ، فإنَّهُ أساءَ إلى اللهِ أكثر. فأحيانًا أَسمَعُ شخصًا يَقول: "سوفَ أُنهي هذا الزَّواجَ. لقد تَعِبْتُ مِنه. لقد اكْتَفَيْتُ مِن هذا ولن أتحمَّلَ هذا يومًا آخر. أنا لن أعيشَ هكذا". وَهُم يَظُنُّونَ أنَّ هذه هي أكبر إساءة اقتُرِفَتْ بِحَقِّهم؛ في حين أنَّ الحقيقة تقول إنَّهُ إن كانت هُناكَ خطيَّة في حياةِ ذلكَ الشَّخصِ الَّذي أساءَ إليكَ فهي أنَّهُ أساءَ إلى اللهِ أكثر بكثير مِمَّا أساءَ إليكَ.
والآن اسمعوني: إن كانَ اللهُ المُطْلَقُ القَداسة قد غَفَرَ لذلكَ الشَّخص إساءَتَهُ الكثيرة، ألا يُمكِنُكَ أنتَ، الأقَلّ قَداسةً، أن تَغفِرَ لَهُ إساءَتَهُ الأصغَر؟ فأيًّا كانَتِ الإساءةُ الَّتي اقتَرَفَها شَريكُ حياتِكَ بِحَقِّكَ فإنَّهُ اقترَفها بِحَقِّ الله. واللهُ يَغفِرُ تَمامًا، وكُلِّيًّا، وبِحُريَّة، وبكُلِّ ما في الكلمة مِن مَعنى. وإنْ كانَ اللهُ المُطلَقُ القَداسةِ والَّذي تَلَقَّى الإساءةَ الأكبر يَستطيعُ أن يَغفِر، ألا تَستطيعُ أنتَ، الأقَلّ قداسةً، والَّذي تَلَقَّيتَ إساءةً أقَلّ، أن تَغفِر؟
ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ عندما أخطأَ داودُ بأنْ زَنى معَ بَثْشَبَع، أرادَ أن يَتيقَّنَ مِن أنَّهُ بِسَبَبِ زِناهُ مَعَها فإنَّ زَوجَها لن يَكتَشِفَ ما حَدَث. لِذا فقد وَضَعَهُ في مُقَدِّمَةِ الجيشِ في ساحَةِ المَعركةِ فَمات. لِذا فقد قَتَلَ وَزَنى. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ عندما كانَ داودُ يَعتَرِفُ أمامَ اللهِ بِذَنْبِهِ أنَّهُ قالَ في المزمور 51: "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأتُ". فقد كانَ يَفهَمُ ما جَرى فَهْمًا سَليمًا. صَحيحٌ أنَّهُ أساءَ إلى بَثْشَبَع، وأنَّهُ أساءَ إلى أوريَّا، وأنَّهُ أساءَ إلى تلكَ العائلة، وأنَّهُ أساءَ إلى الأُمَّةِ الَّتي كانَ مَلِكًا عليها، وأنَّهُ أساءَ إلى عائِلَتِهِ هو شخصيًّا، وأنَّهُ أساءَ إلى أصدقائِه، ولكِنَّ الأَدهى مِن ذلكَ كُلِّه هو أنَّهُ أساءَ إلى اللهِ مِن خلالِ إثْمِهِ الشَّنيعِ المُريع. وَهُوَ يَقولُ في المَزمور 41: 4: "اشْفِ نَفْسِي لأَنِّي قَدْ أَخْطَأتُ إِلَيْكَ".
إذًا، اللهُ هو الَّذي يُساءُ إليهِ أكثرَ شَيءٍ في أيِّ موقِف. فأيُّ خطيَّة إنَّما تُرْتَكَبُ بِصورة أكبر في حَقِّهِ هُوَ. وبصراحة، فإنَّ الإساءةَ الَّتي نَتَلَقَّاها لا تَكادُ تُذكَر. لِذا ماذا لو تَلَقَّيْتُ إساءةً كهذه؟ فهي ثانويَّة جدًّا إذا ما قُورِنَت بالقضيَّة الأَهَمّ. واللهُ، الَّذي أُسيءَ إليهِ كثيرًا، يَغفِرُ كُلِّيًّا. فكيفَ نَمتَنِعُ نحنُ (الَّذينَ تَلَقَّينا إساءةً لا تَكادُ تُذكَر) عنِ الغُفران؟ لِذا، يجب علينا أن نَغفِر. ويجب علينا أن نَغفِر لأنَّنا نَتَمَثَّلُ باللهِ أكثرَ شَيء حينَ نَغفِر. ونحنُ نَغفِرُ لأنَّ اللهَ يَنْهانا عنِ الغَضَبِ والكَراهِيَةِ والانتقامِ لأنفسِنا. ونحنُ نَغفِرُ لأنَّ اللهَ الَّذي أُسيءَ إليهِ كثيرًا قد غَفَرَ، ولأنَّنا نحنُ (الَّذينَ أُسيءَ إلينا قليلاً جدًّا) يُمكِنُنا بِكُلِّ تأكيدٍ أن نَفعلَ الأمرَ نَفسَهُ.
واسمَحوا لي أن أَصْحَبَكُم إلى نُقطةٍ رابعةٍ مُرتبطة بالنُّقطة الثَّالثة. فمِنَ المَنطقيِّ وَحَسْب أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ غُفِرَ لَهُم كثيرًا ينبغي أن يَغفِروا الخطايا الأقَلّ. فمِنَ المَنطقيِّ وَحَسْب أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ غُفِرَ لَهُم كثيرًا ينبغي أن يَغفِروا الخطايا الأقَلّ. وأنا أَعلمُ أنَّكُم إنْ فَكَّرتُم في هذه النُّقطة فإنَّها ستُذَكِّرُكم بما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. لِذا، افتَحوا على إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. وأودُّ أن أُذَكِّرَكُم بشيءٍ ينبغي لنا أنا وأنتُم أن نَتذكَّرَهُ مِنْ حينٍ إلى آخر وَهُوَ ما يَلي: أنَّهُ عندما نَقِفُ أمامَ اللهِ قبلَ خَلاصِنا فإنَّنا نَستَحِقُّ جَهَنَّمَ الأبديَّة. أليسَ كذلك؟ لأنَّنا أعداءُ اللهِ. فقد تَجاهَلنا اللهَ. وقد أَنكرنا اللهَ. وقد قَصَّرْنا في تَقديمِ الشُّكْرِ لله. وقد فَعَلْنا الإثْمَ. لِذا فإنَّنا نَستحِقُّ جَهَنَّمَ الأبديَّة.
ولكِنَّ اللهَ، بِرَحمَتِهِ، يَغفِرُ لنا آثامنَا الَّتي تَدينُنا. وَهُوَ يَغفِرُ لنا الخطايا الَّتي تُرسِلُنا إلى جَهَنَّمَ لنتعذَّبَ فيها إلى الأبد دونَ أن تُطفأ. وقد يَسألُ أحَدُكم: "يَنبغي أن تكونَ خَمسونَ ألف سنة في جَهَنَّم كافِيَة لدَفْعِ أُجرةِ خَطاياي". وقد يَقولُ آخر: "يَنبغي أن تكونَ خَمسونَ مَليون سنة في جَهَنَّم كافية لِدفعِ أُجرةِ خَطاياي". ولكِنَّ الجوابَ هو أنَّ الأبديَّةَ كُلَّها لا تَكفي لِدَفعِ أُجرةِ خطاياك. فسوفَ تَبقى هُناكَ إلى الأبد تَتعَذَّب. فهذه هي فَداحَةُ الجَريمة.
وهناكَ جَرائِم في مُجتمعِنا. ونحنُ لدينا عُقوبات مُختلفة لهذه الجرائم. فإن ارتَكبَ شخصٌ مُخالَفَةً مَا، قد يُسْجَنُ لَيلة واحدة. وإنِ ارتكبَ شخصٌ جُنْحَةً، قد يُسْجَن ثلاثينَ يومًا أو سِتِّينَ يومًا. وإنْ قامَ بِسَطْوٍ مُسَلَّح، قد يُسجَنُ خَمْسَ سنوات. وإنِ ارتكبَ جريمةَ قَتْلٍ مِنَ الدَّرجةِ الثَّانية، قد يُسجَن عِشرينَ سنة. وإنِ ارتَكبَ جريمةَ قَتْلٍ مُتَعَمَّد مِنَ الدَّرجةِ الأولى، قد يُسجَن مَدى الحياة. ونحنُ نُفَكِّرُ في ذلكَ بأنَّهُ جَريمة خطيرة. ولكِن ما الجريمةُ الَّتي لا يُمكِنُ أن يُدفَعَ ثَمَنُها إلَّا بالعَذابِ الأبديِّ؟ إنَّها شيءٌ فَظيع. لِذا، فإنَّ أيَّ شخصٍ مِنَّا، أيًّا كانَ تَقديرُنا لأنفسِنا، فإنَّ أيَّ شخصٍ مِنَّا ليسَ في المسيح، ولم يَغفِر لَهُ اللهُ، هو شخصٌ أساءَ كثيرًا جدًّا إلى اللهِ وينبغي لَهُ أن يَدفعَ ثَمَنَ تلكَ الإساءة بالعذابِ الأبديّ. فهذه هي خُطورةُ إثْمِنا. فأنتَ تَقيسُ خُطورَتَها بالعُقوبَةِ المُقتَرِنَة بها. أليسَ كذلك؟
لِذا، عندما أتيتَ إلى المسيحِ وَنِلْتَ الغُفرانَ، لم يَكُن ذلكَ شيئًا صغيرًا. فهذا لا يُشبِهُ أن يَقولَ لكَ القاضي: "أنتَ تَستحقُّ أن تُسجَنَ سِتِّينَ يومًا، ولكنِّي سَأُخَفِّفُ الحُكْمَ عنك"، أو: "سوفَ أُعطيكَ إطلاقَ سَراحٍ مَشروط". والأمرُ لم يَكُن يُشبِهُ أن يَقولَ لكَ القاضي: "أنتَ تَستحقُّ أن تُسجَنَ عِشرينَ سنة، ولكِنْ لأنَّها جَريمَتُكَ الأولى، سوفَ أُطلِقُ سَراحَكَ إطلاقًا مَشروطًا وأحكُمُ عليكَ بالإقامةِ الجَبريَّة". فالأمرُ لم يَكُن كذلكَ البَتَّة. وهو لا يَعني أنَّكَ كُنتَ تَستحقُّ السِّجْنَ المُؤبَّدَ، ولكِنْ بسببِ ظُروفٍ مُخَفَّفة أو بسببِ مَرَضٍ أو شيءٍ ما فقد تَمَّتْ إعادَتُكَ إلى عائلتِكَ كي تَعتني بكَ إلى أن تَموت. فالأمرُ لم يَكُن كذلك. بل إنَّكَ كُنتَ مَدينًا بهذا الدَّيْنِ الهائِل بسببِ إثْمِكَ، ولا يُمكِنُكَ أن تَرُدَّ الدَّيْنَ حَتَّى لو تَعَذَّبْتَ إلى الأبد. ولكِنَّ اللهَ غَفَرَ لَكَ في لَحظة كُلَّ ذلك. فهذه هي عَظَمَةُ الغُفران. لِذا، يجب عليكم أن تَرجِعوا وتتذكَّروا ما غُفِرَ لَكُم في المسيح.
والآن، لِنَعُد إلى النُّقطة الرَّابعة: فمِنَ المَنطقيِّ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ غُفِرَت لَهُم خطايا كثيرة ينبغي أن يَغفِروا الخطايا الأقلّ. أليسَ كذلك؟ لقد أساءَ إليكَ شَخصٌ مَا. آه، حَقًّا! لقد أساءَ شخصٌ إليكِ، أو لقد أساءَ زَوجُكِ إليكِ، أو لقد أساءت زَوجَتُكَ إليكَ، أو لقد أساءَ آباءُكُم وأُمَّهاتُكم إليكُم أيُّها الشَّباب، أو لقد أساءَ شخصٌ إليكَ. إذًا، هذا هو ما حَدث. لِذا، سوفَ تَمتلئُ بالمَرارةِ وتَصيرُ غاضبًا وكارِهًا وحاقِدًا. وسوفَ تَجعلُ أولئكَ الأشخاص يَدفعونَ ثَمَنَ ما فَعلوهُ بِك. وأنتَ مُؤمِن؟ فسوفَ تَحرِصُ على أن يَشعُرَ شَريكُ الحياةِ بالألم نَتيجةَ غَضَبِكَ بسببِ إساءةٍ وَجَّهَها أوْ وَجَّهَتْها إليكَ؟
فأنتَ، يا مَنْ وَقفتَ أمامَ اللهِ بِثِقْلِ خَطيَّةٍ لم يَكُن بمقدورِ العذابِ الأبديِّ أن يُكَفِّرَ عنها، وقد غُفِرَتْ كُلُّ خطاياكَ في لَحظة، ولكنَّكَ تُصِرُّ على إمساكِ تلكَ الإساءة التَّافهة ضِدَّ شخصٍ آخر؟ فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة مِنَ المَثَلِ المَذكورِ في نهايةِ إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. فقد أحضَروا مَجموعةً مِنَ الأشخاصِ أمامَ المَلِك. وكانَ هؤلاءِ يَدينونَ بِدَيْنٍ هائلٍ لا يُمكِنُهم أن يُوْفوه طَوالَ حَياتِهم. ولكنَّهُ سَامَحَهُم بالدَّيْن. وكانَ مِن بينِ هؤلاءِ شخصٌ سَامَحَهُ المَلِكُ بِدَيْنٍ كبيرٍ جدًّا لا يُمكِنُهُ أن يُوفيه. وهذه صُورة عنِ العذابِ الأبديِّ وَثِقْلِ الخطيَّة. ولكنَّهُ نَالَ الغُفران.
وقد قَبِلَ الغُفرانَ وخَرَجَ خارجًا فالتَقى رَجُلاً يَدينُ لَهُ بمبلغٍ يُساوي أَجْرَ عامِلٍ لبِضْعَةِ أسابيع. فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ. أَوْفِني ما لي عَليكَ". وإذْ لم يَكُن ذلكَ الرَّجُلُ قادِرًا على رَدِّ الدَّيْن، أَلقاهُ في السِّجْن. وهذا شَيءٌ لا يَتَخَيَّلُهُ عَقْل. وقد غَضِبَ التَّلاميذُ حَقًّا عندما سَمِعوا ذلك. فقد عَجِزوا عن تَصديقِ هذا. وأنا واثِقٌ مِن أنَّ الطَّريقةَ الَّتي سَرَدَ يَسوعُ بها القِصَّةَ هَزَّتْ أعماقَهُم لأنَّهُ كيفَ يُعْقَلُ أنَّ شخصًا قد غُفِرَ لَهُ دَيْنٌ كَبيرٌ جدًّا ويَرفُضُ أن يَغِفرَ لشخصٍ آخرَ دَينًا صَغيرًا جدًّا! ولكِنْ أليسَ هذا هو ما نَفعلُهُ طَوالَ الوقت؟ طَوالَ الوقت؟ فقد غَفَرَ اللهُ لنا دَيْنا لا يُمكِنُنا أن نَتخيَّلَهُ أو نَتصَوَّرَهُ. ألا نَغفِرُ الدُّيونَ الصَّغيرةَ الَّتي يَدينُ بها آخرونَ إلينا؟
وفي زَواجِكَ، يجب عليكَ أن تُسارِعَ إلى تَقديمِ الغُفرانِ بأسرعِ وقتٍ مُمكِن. فحتَّى عندما تَستمرُّ الإساءة، يجب عليكَ أن تُرَكِّزَ كُلَّ أفكارِكَ على الغُفران. فيا للجُحودِ الكبيرِ الَّذي يُظْهِرُهُ هذا العَبْدُ في مَتَّى 18 إذْ إنَّهُ غُفِرَ لَهُ دَيْنٌ كبيرٌ جدًّا، ولكنَّهُ خَرَجَ خارجًا والتقى شَخصًا يَدينُ لَهُ بِدَيْنٍ ورَفَضَ أن يُسامِحَهُ. فهل أنتَ مَحكمةً أَعلى مِنَ الله؟ وهل قيمَتُكَ تَفوقُ قيمةَ اللهِ؟ وهل تَظُنُّ أنَّهُ مِنْ حَقِّكَ أنْ تَحتفظَ بعداوَتِكَ وغَضَبِكَ وأنَّهُ ليسَ مِنْ حَقِّ اللهِ أن يَفعلَ ذلك؟ وهل تَحْتَكِمُ إلى قانونٍ أعلى؟ وهل تَستحقُّ مُعاملةً أَسمى مِنَ اللهِ؟ إنَّهُ أمرٌ يَصعُبُ تَخَيُّلُه.
وهناكَ سَبَبٌ خامسٌ للغُفران: فالشَّخصُ الَّذي لا يَغفِر لن يَتمتَّعَ بمحبَّةِ المؤمنينَ الآخرين. الشَّخصُ الَّذي لا يَغفِر لن يَتمتَّعَ بمحبَّةِ المؤمنينَ الآخرين. واسمَحوا لي أن أقولَ لكم ماذا يَحدُثُ في الزَّواج. وهو يَحدُثُ طَوالَ الوقتِ. فالزَّوجةُ تَقول: "لم أَعُد أُطيقُ هذا الشَّخص. هذا هُوَ كُلُّ شيء. لقدِ انتَهى كُلُّ شيء ولن أحتَمِلَ المَزيد. لقد مَلَلْتُ. وأنا لن أُسامِحَهُ. لقد سامَحْتُهُ بما يَكفي. ولكنِّي لن أُسامِحَهُ بعدَ الآن. لقد انتهيتُ مِن هذا الشَّخص. وأنا لا أشعُرُ بشيءٍ سِوى الامتِعاض، والعَداوة، والكَراهِيَة، والمَرارة. وأنا أحتَفِظُ بها وأُغَذِّيها".
ولكِن هل تَعلمونَ ما الَّذي يَحدُث؟ هناكَ حالاً انفصالٌ في الزَّواجِ وخسارة فَوريَّة للشَّركة المسيحيَّة. فأنتَ تُخالِفُ الكنيسةَ حالاً. أليسَ كذلك؟ وفي غُضونِ أشهُر قليلة، احزَروا ماذا؟ في أحدِ اجتماعاتِ المائِدة، سيُذكَرُ اسْمُكَ إمَّا على لِساني أو على لِسانِ رَاعٍ آخر. أليسَ كذلك؟ لأنَّكَ تَركتَ زواجَكَ مِن دونِ أُسُسٍ لذلك. وقد تَخَلَّيْتَ عنِ الشَّركة. فالكنيسةُ تَصيرُ حَقًّا القاضي الَّذي يَحكُمُ عليك. وهذا هو تمامًا ما يَحْدُثُ في المَثَلِ في إنجيل مَتَّى 18. انظروا إلى العدد 31. فالرَّجُلُ يُحاولُ أن يُحَصِّلَ مَالَهُ مِن هذا الرَّجُلِ الَّذي يَدينُ لَهُ بِأجْرِ بِضعَة أشهُر في الحقيقة. وهو يُلقي بِهِ في السِّجْن. ونحنُ نَقرأُ في العدد 31: "فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى".
هل تَعلمونَ ماذا حدث؟ لم يَكُن بمقدورهم أن يُصَدِّقوا أنَّ ذلكَ الرَّجُلَ سيَفعل هذا الأمر، ولم يَكُن بمقدورِهم أن يُصَدِّقوا عَدَمَ غُفرانٍ إلى هذا الحَدّ. فقد كانَ ما حَدَثَ صَادِمًا لَهُم. وأينَ ذَهَبوا؟ لقد ذهبوا إلى المَلِك. فقد ذَهَبوا إلى السَّيِّد. وهل تَعلمونَ ماذا حَدث؟ عندما لا تَغفِر، فإنَّكَ تَتَخَلَّى عنِ الشَّركة. والشَّركة تَلتجئُ إلى السَّماءِ لِتَسليمِك. فأنتَ تَفصِلُ نَفسكَ عنِ الشَّركة. وأنتَ تَبتعِدُ عنِ الجَسد. فأنتَ خَميرة. وأنتَ خاطئٌ. وأنتَ شَخصٌ ذُو تأثيرٍ سَيّء. والكنيسةُ لا تُريدُ أن تَكونَ فيها إنْ كُنتَ ستتصرَّفُ هكذا. والانفصالُ عنِ الآخرينَ في حياةِ الكنيسة يَقودُ إلى مَزيدٍ مِنَ الخطيَّة.
فالأمرُ يَسيرُ على النَّحوِ التَّالي: "لقد مَلَلْتُ مِن هذا الوَضْع، وأنا لن أعيشَ مَعَها بعدَ الآن، بل سأنفصِلُ عنها. فأنا لن أحتَمِلَ هذا. فقد بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى. سوفَ نَنفَصِل". وفي الحال فإنَّكَ تَنفَصِلُ عن ذلكَ الشَّيء، ثُمَّ إنَّ الكنيسةَ تَلْتَجِئُ إلى اللهِ وتَبتدئُ في التَّضَرُّعِ إلى اللهِ لأجلِك. وهي تَضَعُكَ تحتَ التَّأديب. والكنيسةُ تُحاوِلُ أنْ تَرُدَّكَ ولكنَّكَ تَرفُضُ أن تَتوب. والشَّيءُ التَّالي الَّذي يَحدُثُ هو أنَّهُ يَتِمُّ طَرْدُكَ مِنَ الشَّرِكَةِ فَتُسَلَّمُ إلى مَنْ؟ الشَّيطان (كما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الخامِس). والشَّيءُ التَّالي الَّذي يَحْدُث هو أنَّكَ تَجِدُ نَفسَكَ مُتورِّطًا بعلاقة غَراميَّة. ثُمَّ إنَّ الأمورَ تَبدأُ بالانحدار.
فالانفصالُ عنِ الآخرينَ في حياةِ الكنيسةِ يُؤدِّي إلى خطيَّة خطيرة. ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 10: 24 أنَّنا بحاجة بَعضُنا إلى بعضٍ كي يُشَجِّعَ بعضُنا بعضًا. فأنتَ بحاجة إلى حياةِ شعبِ اللهِ. وقدِ انقلبَ هؤلاءِ الأصدقاءُ ضِدَّ الرَّجُلِ الَّذي لم يَغفِر وسَلَّموهُ إلى الله. وقد صَلَّوْا. وحَرفيًّا، لقد طَبَّقوا التَّأديبَ الكنسيَّ عليه. فقد سَلَّموهُ إلى الرَّبِّ الَّذي سَلَّمَهُ بِدَورِهِ إلى المُعَذِّبين.
وهذا يَقودُنا إلى النُّقطة السَّادسة: عَدَمُ الغُفرانِ يُؤدِّي إلى التَّأديبِ الإلهيِّ. فما الَّذي حَدَثَ لهذا الشَّخص؟ نَقرأُ في العدد 32 أنَّ المَلِكَ أوِ السيِّدَ استَدعاهُ وقالَ لَهُ: "أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" فَمِنَ المُدهِشِ أنَّهُ لم يَفعل. "وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِـيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَّلاَتِهِ".
وما المَعنى المَقصودُ هُنا؟ إنْ لم تَغفِروا للآخرين فإنَّ الرَّبَّ سيُسَلِّمُكم للمُعَذِّبين. وما مَعنى ذلك؟ التَّأديب...التَّأديب القاسي. فَهُمِ المُعَذِّبون...المُعَذِّبون. وقد يكونُ ذلكَ ضِيقًا، أو مَشَقَّةً، أو مَرَضًا، أو مَشاكِل. ونَقرأُ في رسالة يَعقوب 2: 13 الشَّيءَ نَفسَهُ: "لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ". "طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ [إنجيل مَتَّى 5: 7] لأَنَّهُمْ يُرْحَمُون". فإن لم تَكُن رَحيمًا لِتَغفِر فإنَّ اللهَ سَيُسَلِّمُكَ إلى المُعَذِّبين.
إذًا، ما الَّذي يَحدُث؟ لقد دَمَّرْتَ زواجَكَ. وقد دَمَّرْتَ علاقَتَكَ بالكنيسة. وقد انغَمَسْتَ في الإثم. والآن يأتي التَّأديبُ الإلهيُّ. وقد قالَ لي أشخاصٌ عديدونَ في أثناءِ حَياتي: "لن أعيشَ معَ هذا الشَّخصِ بعدَ الآن. أنا أُفَضِّلُ أن أُجَرِّبُ حَظِّي معَ اللهِ على أن أعيشَ معَ هذا الشَّخص". ولكِنَّكَ في الحَقيقةِ لا تُجَرِّبُ أيَّ حَظٍّ معَ الله، بل إنَّ ما سيَحدُثُ مَعلومٌ تمامًا: التَّأديب...التَّأديب.
وهُناكَ سَبَبٌ سَابِعٌ للغُفران: فالشَّخصُ الَّذي لا يَغفِر لن يُغفَرَ لَهُ. الشَّخصُ الَّذي لا يَغفِر لن يُغفَرَ لَهُ. ارجِعوا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادس. وهذه النُّقطة تَرتَبِطُ بالنُّقطةِ الَّتي ذَكرناها للتَّوّ مِن ذلكَ المَثَل وهي أنَّكَ إن لم تَغفِر للشَّخصِ الآخر فإنَّ الرَّبَّ سيؤدِّبُك. وهذه طريقة أخرى للنَّظَرِ إلى الأمر، ولكِنَّها تُرَكِّزُ على جانبٍ مُختلِفٍ قليلاً. فالشَّخصُ الَّذي لا يَغفِر لن يُغفَرَ لَهُ. انظروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادِس. وفي العَدد 12، جُزءٌ مِمَّا يُعَلِّمُهُم إيَّاه هو أن يُصَلُّوا قائِلين: "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا" (أو: "اغفِر لنا خَطايانا" كما جاءَ في الأناجيلِ الأخرى) كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا". وَهُنا تَجِدونَ جُملةً واضحةً جدًّا: "اغفِر لنا، يا رَبُّ، كما غَفَرْنا للآخرين".
انظروا إلى العَدَدَيْن 14 و 15: "فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ". وهذه كلمات قويَّة جدًّا. فإنْ غَفَرْتُم يُغفَر لكُم. فاللهُ سيُعامِلُكَ بذاتِ الطَّريقةِ الَّتي تُعامِل بها الآخرين. وقد تَقول: "هل هذه الآياتُ تُشيرُ إلى احتماليَّةِ أن تَفقِدَ خَلاصَكَ وتَذهبَ إلى جَهَنَّم؟" لا، لا. فالغُفرانُ الأبديُّ مَضمونٌ لنا مِن خلالِ التَّبرير. وهذا يَحْسِمُ مَسألةَ مُستقبَلِنا. ولكِنَّنا نَحتاجُ إلى الغُفرانِ الزَّمَنِيِّ في تَقديسِنا. وهذا يَحْسِمُ مَسألةَ بَرَكاتِنا في الحَاضِر.
فالقَضيَّةُ هُنا، ببساطة، هي كَما يَلي: أنَّ اللهَ لن يَغفِرَ لكَ خطاياكَ بِمَعنى أن تكونَ بِمنأى عنِ التَّأديبِ وبِمَعنى الحُصولِ على البَرَكة. فأنتَ تَعلَمُ ما يَحدُثُ لكَ بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا حينَ تُخطئ. فعندما تَنغَمِسُ في خطيَّةٍ ما فترةً طويلة، فإنَّ هذا لا يَعني أنَّكَ ستَفقِدُ خَلاصَكَ فجأةً وتَذهب إلى جَهَنَّم. ولكنِّي سأقولُ لكم ما الَّذي يَحدُث. سوفَ تَبتدئُ بالحُصولِ على التَّأديبِ وتَفقِدُ البَرَكة. فالغُفرانُ الأبديُّ مَضمونٌ، ولكِنَّ الغُفرانَ الحاليَّ والآنِيَّ الَّذي يَحُوْلُ دونَ تأديبِكَ ويَسكُبُ عليكَ البَرَكة لن يَكونَ مِن نَصيبِك.
وقد لاحَظْتُ حُدوثَ ذلكَ على مَرِّ السِّنين بِصِفتي رَاعِيًا. فقد شاهدتُ أناسًا كثيرين. وقد شاهدتُ أُناسًا حَياتُهُم خَاوِيَة، وجافَّة جَفافًا مُريعًا، وباهِتَة جدًّا، وأُناسًا تَخلو حَياتُهم مِنَ الفَرَح، وتَخلو مِنَ القُوَّة، وعلاقاتٍ زوجيَّة لا مَعنى لها. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا أنَّ السَّببَ في ذلكَ غالبًا جدًّا يَرجِعُ إلى حقيقةِ أنَّهُ لا يوجد غُفرانٌ في قُلوبِهم تُجاهَ أحدِ الأشخاصِ في عائلتِهم. وعندما لا يَغفِرون فإنَّ اللهَ يَستمرُّ في تَأديبِهم فتَصيرُ حَياتُهم مُزرية وخالية مِنَ البَرَكة.
وإن كانَ هُناكَ شَيءٌ أريدُهُ في الحياةِ فهو بَرَكَةُ اللهِ. وما أعنيه هو أنِّي لا أُجانِبُ الصَّوابَ إن قُلتُ إنِّي مُستعِدٌّ للعَيشِ معَ أيِّ شخصٍ إنْ كُنتُ سأحصُلُ على بَرَكةِ الله. فهذا هو ما أطمَحُ إليهِ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر. فالاستعدادُ للاتِّضاعِ وقَبولِ بعضَ الصُّعوباتِ في الحياةِ البشريَّة في سَبيلِ الحُصولِ على فَرَحِ السَّماءِ هو خِيارٌ سَهْلٌ بالنِّسبةِ إليَّ.
والآن، يجب علينا أن نَغفِرَ لأنَّ ذلكَ يَجعَلُنا نَتَمَثَّلُ باللهِ بصِفَتِنا أولادًا لَهُ. ولا يَجوزُ لنا أَلَّا نَغْفِرَ بِمُقتضَى الوصيَّةِ الَّتي تَنْهانا عنِ القتل. بل يجب علينا أن نَغفِرَ لأنَّ اللهَ القُدُّوسَ يَغفِر. لِذا، أَلا يَجْدُرُ بِنا، ونحنُ أقَلُّ قَداسةً مِنهُ، أن نَغفِرَ أيضًا؟ ويجب علينا أن نَغفرَ لأنَّهُ غُفِرت لنا خطايا أكبر اقتَرَفناها بِحَقِّ الله. لِذا، ألا يَجدُرُ بِنا أن نَغفِرَ الخطايا الأصغرَ الَّتي اقتُرِفَتْ بِحَقِّنا؟ ويجب علينا أن نَغفرَ لأنَّنا إن لم نَفعل سنَتخلَّى عنِ شَرِكَتِنا معَ الإخوة وعنِ المحبَّة الَّتي تَجمَعُنا بهم، ولأنَّنا سنُؤدَّب. وإن لم نَغفِر، لن يَغفِرَ اللهُ لنا.
ثامِنًا، وسوفَ أذكُرُ لَكُم بِضعَ نِقاطٍ أخرى: عَدَمُ الغُفرانِ يَجعَلُنا غيرَ لائِقينَ بالعِبادة. عَدَمُ الغُفرانِ يَجعَلُنا غيرَ لائِقينَ بالعِبادة. والحقيقةُ هي أنَّ العِبادةَ تَصيرُ شَكلاً مِن أشكالِ الرِّياء. فنحنُ نَقرأُ مَرَّةً أخرى في إنجيل مَتَّى 5: 23 و 24: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ..." أيْ إنْ جِئتَ كي تَعبُدَ اللهَ، ولا شَكَّ في أنَّ الكَلامَ هُنا مَكْتوبٌ في سِياقٍ يَهوديٍّ في هذا الإنجيل. فإنْ جِئتَ كي تَعبُدَ اللهَ "...وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ". فهذا أمرٌ رئيسيٌّ جدًّا جدًّا.
لا تأتي إلى اللهِ بِقَصْدِ العِبادة إن كانت هُناكَ ضَغينَة بينَكَ وبينَ مُؤمِنٍ آخر. فيجب أن تَتِمَّ المُصالَحةُ قبلَ العِبادة حَتَّى لو لم نَكُن غاضِبين. وإنْ كانَ الشَّخصُ الآخرُ غاضِبًا مِنَّا، يجب علينا أن نَغفِرَ حَقًّا مِنَ القلبِ وأن نَفعلَ كُلَّ ما في وُسْعِنا لتَصحيحِ الموقِف. وكما تَرَوْن، إن راعيتَ إثمًا في قَلبِكَ (كما جاءَ في المَزمور 66) فإنَّ الرَّبَّ لن يَستمعَ إليكَ. لِذا فإنَّكَ تأتي للعبادة، ولكِنَّ السَّماءَ لن تَستجيبُ لكَ إن كانَ قلبُكَ ليسَ مُستقيمًا. فعدمُ الغُفرانِ يَجعلُكَ غيرَ لائقٍ للعِبادة. فهذا أمرٌ خَطير... خَطيرٌ بِحَقّ.
تاسِعًا، وسوفَ أذكُرُ سَبَبًا واحدًا فقط بَعدَ هذا. تاسِعًا، عدمُ الغُفرانِ يَعني أنَّكَ تُسيءُ استخدامَ سُلطةِ الله. وأعتقد أنَّ هذا الأمرَ هو أسوأُ شيءٍ قد يَنْجُمُ عنِ الأنا. فإن لم تَغفِر فإنَّكَ تَضَعُ نفسَكَ في مَوقِفِ الشَّخصِ الَّذي يُمسِكُ سَيفَ الدَّينونة الإلهيَّة. وكأنَّكَ بذلكَ تَقول: "حسنًا يا رَبّ، قد تكونُ مُستعدًّا لتقديمِ الغُفران، ولكنِّي لستُ مُستعدًّا". فأنتَ تَنتَزِعُ السَّيفَ مِن يدِ اللهِ وتُقَرِّر أن تُنَفِّذَ العِقابَ بنفسِك. فأنتَ تَنتقِمُ لنفسِك. ويا لها مِن وَقاحَة في ضَوْءِ ما جاءَ في رُومية 12 إذْ يَقولُ اللهُ: "لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي". فيجب عليكَ أن تَدَعَ النَّقمةَ لله. فلا يَجوزُ لكَ أن تأخُذَ حَقَّكَ بنفسِكَ مِن كُلِّ شخص. ولا يَجوزُ لكَ أن تُجازيهم بالجَزاءِ الَّذي تَظُنُّ أنَّهُم يَستحقُّونَه. فهذا العَمَلُ ليسَ مِن شأنِك.
فإنْ جاعَ عَدُوُّكَ، ماذا؟ أَطْعِمْهُ. وإنْ عَطِشَ، أسْقِهِ. فأنتَ بذلكَ تَجْمَع جَمْرَ نَارٍ على رأسِهِ. وَهُوَ جَمْرُ التَّبكيتِ بالمُناسَبة. اغلِبوا الشَّرَّ بالخير. وتَذكَّروا ما يَلي: "لا تَنتَقِموا لأنفسِكُم..." (رومية 12: 19) "...بل أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ". فاللهُ سيَهتمُّ بالنَّقْمَة.
ويا لَها مِنْ وَقاحةٍ مِنكَ أن تَحمِلَ السَّيفَ بنفسِك قائلاً: "سوفَ أُعاقِبُ ذلكَ الشَخصَ العِقابَ الَّذي يَستَحِقُّهُ. وسوفَ أجعَلُهُ يَتألَّم. وسوفَ أكونُ الدَّيَّانَ. فاللهُ بَطيءٌ جدًّا. واللهُ مُتَسامِحٌ أكثرَ مِمَّا يَنبغي. واللهُ صَبورٌ أكثرَ مِنَ اللَّازِم. وَهُوَ غيرُ عادلٍ البَتَّة. وَهُوَ لا يُبالي البَتَّة. وَهُوَ ضَعيفٌ جدًّا. وَهُوَ لا يَفعلُ أيَّ شيء. أعطِني ذلكَ السَّيفَ لأنِّي سأفعلُ ذلكَ بنفسي". ويا لَهُ مِن مَوقِفٍ تَجديفيّ. فاللهُ وَحدُهُ يَقْدِرُ أن يَتَصَدَّى للخطيَّة. وَهُوَ يَفهمُ تمامًا الإساءةَ؛ أمَّا أنتَ فلا لأنَّكَ مَحدودٌ. وَهُوَ الَّذي يَملِكُ أعلى مِعيارٍ. أمَّا مِعيارُكَ أنتَ فَمُتَدَنِّي. وَهُوَ لَديهِ سُلطة غير مَحدودة. أمَّا سُلطَتُكَ فلا وُجودَ لها. وَهُوَ لا يُحابي أحدًا، أمَّا أنتَ فَلا. وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شيء، وسَرْمَدِيٌّ، ويَرى النِّهايةَ مُنذُ البداية. أمَّا أنتَ فقصيرُ النَّظَرِ وجاهِل، ولا تَرى ما سَيَحدُثُ بعدَ هذه اللَّحظة. وَهُوَ حَكيمٌ، وصالِحٌ، ويَعملُ بقداسةٍ كامِلة؛ أمَّا أنتَ فأعمى بسببِ الغَضب. والآن، قُلْ لي مَنِ الَّذي ينبغي أن يَحمِلَ السَّيف. فلا مَعنى لأن نكون (أنا أو أنتَ) الدَّيَّان. فنحنُ غيرُ أَكْفاءٍ لذلك. وعندما تَنتَزِعُ السَّيفَ مِن يَدِ اللهِ ولا تَغفِر فإنَّكَ تُحاوِلُ أن تَنتَزِعَ السُّلطَةَ مِنه.
وهُناكَ نُقطة أخيرة تُحَتِّمُ علينا أنْ نَغفِر. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. وهي نُقطة تَستحِقُّ عِظَة كامِلَة أو سِلسلة عِظات كامِلة. الإساءاتُ الَّتي تُرتَكَبُ بِحَقِّكَ هي تَجارِب لَكَ. الإساءاتُ الَّتي تُرتَكَبُ بِحَقِّكَ هي تَجارِب لَكَ. اسمعوني جَيِّدًا. مِنْ خِلالِ تلكَ التَّجارِب، ما الَّذي يَفعلُهُ اللهُ؟ إنَّهُ يُكَمِّلُكَ. "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا". رسالة بُطرس الأولى 5: 10: "بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ".
رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح 12...وهذا مَقطعٌ رائعٌ جدًّا وَحَسْب مِن كلمةِ اللهِ. فالرَّسولُ بولسُ يَتحدَّثُ عنِ الشَّوكةِ الَّتي كانت في جَسَدِه، وعن ضيقاتِه، والإهاناتِ الَّتي تَعَرَّضَ إليها، وعنِ اضطِهادِه، وعنِ المَشَقَّاتِ فيقول: لِذلِكَ أُسَرُّ [بهذهِ كُلِّها] لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا..." [ماذا؟] "قَوِيٌّ". فقُوَّتُهُ تَظْهَرُ في ضَعفي. ونِعمَتُهُ تَكفيني في ضَعَفاتي.
واسمَحوا لي أن أقولَ لكُم شيئًا. قد تَظُنُّونَ أنَّكُم تَعيشونَ زَواجًا صَعبًا. وقد تَظُنُّونَ أنَّكُم تَعيشونَ مَوقفًا صَعبًا أيُّها الشَّبابُ معَ أبَوَيْكُم. وقد تَظُنُّونَ أنَّ هُناكَ صِراعًا في البيت. اسمَحوا لي أن أقولَ لكم ما يَلي: إنَّ الإساءاتِ المُوَجَّهة إليكُم، والإساءاتِ الَّتي تُرتَكَبُ في حَقِّكُم هي التَّجارِبُ الَّتي سيَستخدِمُها اللهُ كي يَجعلَكَ شَبيهًا بابْنِهِ. لِذا، لا تَهرُبوا مِنها. فالانتقاداتُ، والظُّلمُ، والإساءاتُ، والاضطهاداتُ، وسُوءُ المُعاملةِ تَهْدِفُ إلى زيادةِ نُضْجِكَ الرُّوحِيِّ. لِذا، لا تَهرُبوا مِن تلكَ العمليَّة، بلِ ابْقَوْا فيها. ابْقَوْا فيها. وحتَّى لو كُنتَ تُفَكِّرُ طَوالَ حياتِكَ قائلاً: "رُبَّما...رُبَّما يُمكِنُني العُثورُ على شخصٍ آخرَ يَجعَلُ حياتي أكثرَ سَعادةً"، إنْ تَجاوبْتَ معَ التَّوتُّرِ والضِّيقاتِ تَجاوُبًا صَحيحًا، فإنَّ تلكَ التَّجاربِ ستَجعلُكَ مِثلَ المسيحِ. وهذا هو أَسمى هَدَفٍ على الإطلاق.
لا تَهتمّ كثيرًا بجِراحِكَ الشخصيَّة، بل اهتمَّ بالحَرِيِّ بقداسَتِكَ الشخصيَّة. تَذَكَّر أنَّهُ مِن خلالِ تَجارِبِكَ فإنَّ اللهَ يَعملُ ليَجعلكَ قويًّا ومُقدَّسًا. والخُلاصةُ هي: إنَّ ما يَحفظُ العلاقاتِ مُتماسِكَةً هو الغُفران لأنَّنا لا بُدَّ أنْ نُخفِقَ، ولا بُدَّ أنْ نُسيءَ إلى الآخرينَ، ولا بُدَّ أنْ نَجرَحَهُم، ولا بُدَّ أن نُؤذيهم. ولكِنْ حيثُ يوجدُ غُفرانٌ فَوريٌّ وشاملٌ ودائمٌ، فإنَّ العلاقةَ ستبقى مُتماسِكَةً. واللهُ سَيَتمجَّدُ ويَسْكُبُ بَرَكَتَهُ.
وفي الخِتام، فإنَّ اللَّاهوتَ الكِتابِيَّ للغُفران مُلَخَّصٌ في آية واحدة. افتَحوا على رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الثَّاني. وسوفَ نَختِمُ بهذه الآية. رسالة بُطرس الأولى 2: 19: "لأَنَّ هذَا فَضْلٌ [عِنْدَ اللهِ بِكُلِّ تأكيد]، إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ اللهِ، يَحْتَمِلُ أَحْزَانًا مُتَأَلِّمًا بِالظُّلْمِ". فاللهُ يُسَرُّ حَقًّا إن تَألَّمْتَ ظُلْمًا واحتَمَلْتَ ذلك. "لأَنَّهُ أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟" لا يوجد مَجْدٌ في أنْ يَحْتَمِلَ النَّاسُ خَطيَّتَكَ، أوْ بالحَرِيِّ: لا يوجد مَجْدٌ في أن...في أن تَتألَّمَ بسببِ خَطأٍ قُمْتَ بِهِ. فلا فَضْلَ عندَ اللهِ في ذلك. أمَّا عندما تَتألَّمُ بسببِ قيامِكَ بشيءٍ صَائِب، وتَحتَمِلُ ذلك، فإنَّ ذلكَ يَجعَلُ اللهَ راضِيًا عنكَ. ونَقرأُ في نِهايةِ العدد 20: "بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهذَا فَضْلٌ عِنْدَ اللهِ".
فهل تُريدُ أن تَجِدَ فَضْلاً عندَ اللهِ؟ إذًا، احْتَمِل قليلاً. فهذه هي الحياة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ ما يَلي: "لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ". عَجبًا! هل تَعني أنَّهُ أمرٌ لا مَفَرَّ مِنه؟ أجل، إنَّهُ أمرٌ لا مَفَرَّ مِنه: عالَمٌ ساقِط، ورِفاقٌ ساقِطون، وأبَوانِ سَاقِطان، وأولادٌ سَاقِطون، وأصدقاءٌ ساقِطون، وعائلة ساقِطَة. فهو أمرٌ لا مَفَرَّ مِنه. وقد دُعيتُم لهذا. والمسيحُ، مَسيحُنا الحَبيب، تَرَكَ لَنا مِثالًا: فقد تَألَّمَ ظُلْمًا معَ أنَّهُ "لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ". بعبارةٍ أخرى، لم يَكُن لديهم أيُّ سَبَبٍ في تَعذيبِه.
فقد كانَ كُلُّ ما جَرى ظُلْمًا. وقد كانَ كُلُّ ما جَرى ظُلمًا. وقد كانَ كُلُّ ما جَرى جُوْرًا. وكانَ كُلُّ ذلكَ بِدونِ مُبَرِّر. وبالرَّغمِ مِن ذلك، نَقرأُ في العدد 23: "الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل". فقد كانَ يَستمرُّ في تَسليمِ أمرِهِ للهِ. فمعَ أنَّ كُلَّ ما حَدَثَ لَهُ كانَ ظُلمًا، فإنَّهُ لم يَنتقِم لنفسِهِ يومًا، بل كانَ يُسَلِّمُ نَفسَهُ للهِ. وقد "حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الصَّليب".
وهذا هو المِثال. فلا يوجد شَخص تألَّمَ ظُلمًا إلى الحَدِّ الَّذي فَعَلَهُ يَسوع. فهو كامِلٌ، وبلا خطيَّة، ولم يَقترِف يومًا خَطيَّة واحدة، ولم يَكُن هُناكَ مكْرٌ في فَمِه. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ تألَّمَ أكثرَ مِن أيِّ إنسانٍ آخر مِن دونِ أن يَستحقَّ أيًّا مِن ذلك. وفي وَسْطِ الألم، لم يَنتَقِم لنفسِهِ، بل قَبِلَ ذلكَ وسَلَّمَ نَفسَهُ وَحَسْب إلى اللهِ لأجلِ المَقاصِدِ الَّتي كانت موجودة في فِكْرِ الله. اسمَحوا للهِ أن يُكَمِّلَكُم مِن خلالِ تَجارِبِكُم. فالغُفرانُ يَجعلُ السَّماءَ قَريبةً مِنَ الأرض. والغُفرانُ يَضَعُ سَلامَ السَّماءِ في القلبِ الخاطئ. والغُفرانُ هو صُورةُ اللهِ. والغُفرانُ هو نَشْرٌ لمَلكوتِ المسيح. والغُفرانُ هو ما يَجعلُ العلاقَةَ تَدوم. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا المساء على هذه الدِّراسة السَّريعة والمُهِمَّة لموضوعِ الغُفران. ونحنُ نَتَضرَّعُ مِن قُلوبِنا ونُصَلِّي أن تَكونَ لدينا النِّعمة الَّتي تَجعَلُنا نَغفِر هكذا. أعْطِ هذهِ النِّعمة للأشخاصِ المُحيطينَ بِنا كي يَتمكَّنوا مِن أن يَغفِروا لنا كما نَغفِرُ نحنُ لَهُم. ويا رَبّ، املأنا بفرحِ الغُفران. واملأنا بالشَّوقِ للتَّغاضي عن كُلِّ إساءة. ويا لَيتَنا نَكونُ أشخاصً نُبلاءَ يَتوقونَ إلى غُفرانِ كُلِّ إساءة. فنحنُ لن نَتَمَكَّنَ مِنَ التَّمَثُّلِ بِكَ، ولن نَتمكَّنَ يومًا مِن تَتميمِ وَصاياكَ أكثرَ مِمَّا نَفعل حينَ نَغفِر. ويا لَيتَكَ تُعطينا مِنْ خِلالِ هذهِ الشَّرِكَة الحُلوة والرَّائعة المؤلَّفَة مِن أصحابِ القُلوبِ الغَفورةِ زيجاتٍ مُبارَكة وعائلاتٍ مُبارَكة. لِمَجْدِ المَسيحِ الَّذي نُصَلِّي باسْمِهِ. آمين.

This article is also available and sold as a booklet.