
نُتابع في هذا المساء دراسَتنا لسفر التَّكوين والأصحاح الأوَّل عن موضوع الأُصول: اليوم السَّادِس: الخَلْق. ويا لروعة الوقت الَّذي صَرفناه في القيام بذلك! ولا أتذكَّرُ سِلسلةً قَدَّمْتُها في السنوات السابقة حَظِيَتْ بردود الفعل الَّتي حَظِيَتْ بها هذه السِّلسلة. وحالما أَنْتَهي مِنْها في هَذَيْنِ الأسبوعَيْن، نكونُ قدِ انتهينا حقًّا مِنْ دراسةِ الجُزءِ المُختصِّ بالخَلْق. ونحنُ نُخَطِّطُ لِبَثِّها على الإذاعة ونَشْرِها في العالمِ النَّاطِقِ باللُّغة الإنجليزيَّة لكي يَحْظى الآخرونَ بفُرصة فَهْم الشَّهادة الرَّائعة والعَظيمة لِسِفْر التَّكوين.
وفي دراستنا لِسِفْر التَّكوين، نأتي الآن إلى اليوم السَّادِس مِن خليقة الله، أيْ إلى تَاجِ خَليقةِ اللهِ، أيْ إلى خَلْقِ الإنسان. واسمحوا لي أنْ أقرأَ ابتداءً مِنَ العدد 24 مِنَ الأصحاح الأوَّل مِن سِفْر التَّكوين: "وَقَالَ اللهُ: «لِتَفِضِ الْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ الأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ السَّمَاءِ». فَخَلَقَ اللهُ التَّنَانِينَ الْعِظَامَ، وَكُلَّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحيَّةِ الدَّبَّابَةِ الْتِى فَاضَتْ بِهَا الْمِيَاهُ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلَّ طَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَبَارَكَهَا اللهُ قَائِلاً: «أَثْمِرِي وَاكْثُرِي وَامْلإِي الْمِيَاهَ فِي الْبِحَارِ. وَلْيَكْثُرِ الطَّيْرُ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا خَامِسًا. وَقَالَ اللهُ: «لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا». وَكَانَ كَذلِكَ. فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».
وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا".
ولا يُمكن أن تكون هناك قِصَّة خَلْق مُباشِرَة أكثر مِنْ هذه. فهي تُخبرُنا عَمَّا فعلهُ اللهُ تمامًا في اليوم السادس. فقد خَلَقَ الحَيَواناتِ الَّتي تَعيشُ على الأرض. وقد قَسَّمَها إلى ثلاثِ فئاتٍ. ونحنُ نقرأُ عنها جميعًا هنا – عنِ الحَيَواناتِ الأليفَة الَّتي يُشارُ إليها بالكلمة "بَهَائِم"، وعنِ الحَيَوانات البَرِّيَّة الَّتي يُشار إليها بالعبارة "وُحوشُ أرضٍ"، وعنْ كُلِّ شَيءٍ يَمشي ببُطْء على الأرض أوْ يَزْحَف كالحشراتِ، والزَّواحِف، والبَرمائيَّات، والجُرذان، والسَّناجِب، إلخ، إلخ. وبعدَ أنْ خَلَقَ هذا النَّوعَ مِنَ الحياةِ الحيوانيَّة بعدَ أنْ كانَ في اليومِ السَّابقِ قد خَلَقَ كُلَّ الطُّيورِ الَّتي تَطيرُ في الجَوِّ وكُلَّ الحَيَواناتِ البحريَّة، أَكْمَلَ اللهُ عَمَلَ الخَلْقِ باستثناءِ خَلْقِ الإنسان. فقد أَنْهى عَمَلَ الخَلْقِ (كما يُشيرُ العَدَدَان 26 و 27) بِخَلْقِ الإنسان. وقد فَعَلَ ذلكَ كُلَّهُ في اليوم السَّادِس. والحقيقة هي أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ في مُدَّة 24 ساعة كما هُوَ مُوَضَّح في نهاية العدد 31: "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ". فهي فترة نهار وفترة ليل. أو بِمَعنى آخر: دورة واحدة للأرض.
والحقيقة هي أنَّ أعداءَ اللهِ وأعداءَ الكتاب المقدَّس يُنكرونَ هذه الكلمة الَّتي أَعْلَنَها اللهُ. فَهُمْ يَدَّعُونَ أنَّ الإنسانَ تَطَوَّرَ على مَرِّ مَلايينِ ومِلياراتِ السَّنين، وأنَّ الإنسانَ المُعاصِر نَشَأَ نتيجة طَفْرَة، وأنَّ الإنسانَ المُعاصرَ نَشَأَ نتيجة تَغَيُّرٍ وِراثِيٍّ عَشوائيٍّ ولكِنَّهُ مَقصود، وأنَّ الإنسانَ هُوَ نِتاجُ بَقاءِ الأصْلَح. ولكِنَّ هذا ليسَ ما تقوله كلمةُ الله. وما قرأتُهُ لكم لا يمكن أنْ يُكْتَب بصيغة أوْضَح مِنْ هذه. وهذا يَتكرَّرُ أيضًا في الأصحاحِ الثَّاني والعدد 7: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً".
ونقرأ في العدد 19: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا. فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ. فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ". وتَجِدونَ هُنا قِصَّةَ خَلْقِ المَرأة. وفي كِلتا الحالتين، فإنَّ خَلْقَ الرَّجُلِ وخَلْقَ المرأةِ كانَ عَمَلَ خَلْقٍ مُباشِرٍ مِنَ الله.
وفي الأصحاح الخامِس مِن سِفْر التَّكوين، نقرأُ الكلمات التَّالية: "هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُ، وَبَارَكَهُ وَدَعَا اسْمَهُ آدَمَ يَوْمَ خُلِقَ". ونحنُ نَقرأُ مِرارًا وتَكرارًا أنَّ هُناكَ يومًا مُعَيَّنًا خَلَقَ اللهُ فيهِ الإنسانَ ذَكَرًا وأُنثى. فهذا هو ما يقوله الكتابُ المقدَّس. وهذا هو ما جاءَ في سِفْر إشعياء 45: 12 إذْ يَقولُ اللهُ: "أَنَا...خَلَقْتُ الإِنْسَانَ". ونقرأ في سِفْر أيُّوب 33: 4: "رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي". ونقرأ في سِفْر التَّثنية 4: 32 عن يومٍ خَلَقَ اللهُ فيهِ الإنسانَ على الأرض. وهذا يَتَكَرَّرُ لا فقط في الآياتِ الَّتي قَرأتُها على مَسامِعِكُم، بل في أماكِن أخرى أيضًا.
وبالرَّغم من التَّعليم الواضح للكتاب المقدَّس، والتَّعليم الواضح لِسِفْر التَّكوين، والآيات الكتابيَّة الأخرى، فإنَّ بعضًا مِنْ أنصار نظريَّة التطوُّر يَزْعُمونَ أنَّهم مَسيحيُّون ويُعْرَفونَ باسم "أنْصَار التطوُّر الخَلْقِيّ [أو الإلهيّ]" لأنَّهُم يُؤمنونَ أنَّ اللهَ استخدمَ التَّطَوُّر لإيجادِ الإنسان. ويحاول أنصار التطوُّر هؤلاء، بالرَّغم مِنْ شَهادة الكتاب المقدَّس الواضحة بأنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ هذه الأشياء في يومٍ واحد، يُحاولونَ أنْ يُثبِتوا أنَّ الإنسانَ تَطَوَّر، وأنَّ كُلَّ شيءٍ تَطَوَّرَ مِنْ كائنٍ وَحيد الخَليَّة فصارَ كائنات بَحريَّة، ثُمَّ بَرمائيَّات، ثُمَّ قُرود، وأخيرًا إنسانًا مُنْتَصِبَ القامَةِ هُوَ تَاج الخليقة. وبالرَّغمِ مِن أنَّ العُلماءَ يُنكرونَ الكتاب المقدَّس، فإنَّهم وَجدوا أنَّهُ مِنَ المُستحيلِ أنْ يَجِدوا دليلاً على تَطَوُّرِ أيِّ شيءٍ بما في ذلك تَطَوُّر الإنسان.
والسَّبب في أنَّهم عاجِزون عن العثور على دليلٍ على ذلك هو أنَّهُ لا يوجد أيُّ دَليل. فلا يمكنك العُثور على دَليلٍ على شيءٍ لم يَحدُث. والتطوُّر لم يَحدُث يومًا. لِذلك فإنَّهم عاجِزونَ عن العثورِ على أيِّ دليلٍ عليه. ففي سِتَّة أيَّام شَمسيَّة يَتألَّفُ كُلٌّ مِنها مِن 24 ساعة، خَلَقَ اللهُ الكَوْنَ كُلَّهُ: الأرضَ وكُلَّ الكائناتِ الحيَّة التي عليها. وكما ذَكَرْنا، فقد فَعَلَ ذلك قبل نحو سِتَّة آلاف أو سبعة آلاف سنة.
وهذا يَقودُنا إلى موضوعِ الأحافير [أوِ المُسْتَحاثَّات]. ويجب عليَّ أنْ أَتَطَرَّقَ إلى هذا الموضوع. وقد تَطَرَّقتُ إليه قليلاً في المَرَّة السَّابقة، ولكنِّي أَعْلَمُ أنَّ عَدَدًا كبيرًا مِنكم على مَقاعِدِ الدِّراسة. وحتَّى في المدارس الابتدائيَّة والصُّفوف الأعلى، وتَحديدًا في المرحلة الإعداديَّة والثَّانويَّة والجامعيَّة، فإنَّكم تَتعلَّمونَ عَنْ سِجِلِّ الأحافير المَزْعوم الَّذي يَدَّعي هؤلاء أنَّهُ يُثْبِت أنَّ الإنسانَ تَطَوَّرَ مِنْ مخلوقٍ شَبيهٍ بالقِرْد يَمشي على أَرْبَع. فكيفَ نتعامَل مع شَهادَة الأحافير المَزعومة الَّتي يَستخدِمونَها لإثباتِ التطوُّر؟ وهل صَحيحٌ أنَّهُ توجد لدى العُلماءِ حَلْقاتٌ مَفقودَة؟ فيبدو أنَّهُ في كُلِّ بِضعِ سِنين أوْ بِضْعَة أشهُر فإنَّ واحدًا مِنَ العُلماءِ يَزْعُمُ أنَّهُ وَجَدَ بقايا كائنٍ مُتَوَسِّطٍ بينَ القِرْدِ والإنسان. فهل لديهم حَلْقات مَفقودة؟ الجوابُ هو: قَطْعًا لا. قَطْعًا لا.
وهُناكَ كِتابٌ عِلميٌّ مُدهشٌ جدًّا بعُنوان "في البَدْء" (In The Beginning) كَتَبَهُ "والتر براون" (Walter Brown) الَّذي يَحْمِلُ شهادة دُكتوراه مِنْ "معهد ماساشوسيتس للتِّكنولوجيا" (M.I.T.). وقد عَمِلَ "والتر براون" طَوالَ إحْدى وعِشرينَ سنة رَئيسًا للدِّراسات العِلميَّة والتِّكنولوجيَّة في "كُلِّيَّة الحَرْب الجَوِّيَّة" (Air War College) وأستاذًا في "أكاديميَّة سِلاح الجَوّ" (Air Force Academy). وهو عَالِمٌ ضَليعٌ جِدًّا. وقد كَشَفَ، على غِرارِ ما فَعَلَهُ آخَرون، أكاذيبَ أنصارِ نظريَّة التطوُّر الَّذينَ يحاولون أنْ يُثْبِتُوا وُجْهَةَ نَظَرِهم. وهو يَقولُ إنَّ القِصَصَ الَّتي تَزْعُمُ أنَّهُ قد تَمَّ العُثورُ على أحافير لِبَشَر بِدائيين يُشبهونَ القُرود هي قِصَصٌ مُبالَغٌ فيها جِدًّا. فعلى سبيل المِثال، مِنَ المَعروف الآن على مُستوى العالَم أنَّ "إنسان بِلْتداون" (Piltdown man) كان مُجَرَّد كِذبة كبيرة. وبالرَّغمِ مِن ذلك فقد ظَهَرَتْ إلى الوجود واستمرَّ وُجودُها في الكُتُب الدِّراسيَّة أكثرَ مِنْ أربعينَ سنة.
وقبل سنة 1978، كان الدَّليلُ على بقايا قِرْد "رامابيثيكوس" (Ramapithicus) يتألَّف مِنْ مَجموعة أسنان وأجزاءٍ مِنْ فَكٍّ. وكما أخبرتُكم في الأسبوع الماضي، فإنَّ "رامابيثيكوس" كانَ واحدًا مِنَ أكبر الأدلَّة على تَطَوُّرِ القَرْدِ إلى إنسان. ولكنَّنا نَعلمُ الآنَ أنَّ هذا الدَّليل كان يتألَّف فقط مِنْ بِضْعَة أسنان وأجزاءٍ مِنْ فَكٍّ. ومِنَ المَعلومِ الآن أنَّ "رامابيثيكوس" كانَ مُجَرَّدَ قِرْد. وقد كانَ انهيارُ هذا الدَّليل المُختصّ بِقِرْد "رامابيثيكوس" (الَّذي ادَّعَوْا أنَّهُ أوَّل إنسانٍ)، لقد كانَ انهيارُ هذا الدَّليل ضَرْبَةً قَاسِمَةً لهؤلاء. ونحنُ نَعتقد الآن، أو أنَّ العُلماءَ يَعتقدون، أنَّ قِرْد "رامابيثيكوس" كانَ على الأرجَح القَريب المُنْقَرِض للقِرْد الشَّبيه بالإنسان. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. ويمكنكم أن تَجِدوا بعض المعلومات المدهشة عن هذا الموضوع في كتابٍ كَتَبَهُ "روجر ليوين" (Roger Lewin) بعُنوان "عِظامٌ سَبَّبَتْ خِلافًا" (Bones of Contention). وقد ذَكرتُ ذلك في الأسبوع الماضي أيضًا.
وواحدٌ مِنَ الأشكال الانتقاليَّة المزعومة يُسَمَّى "إنسان نِبراسكا" (Nebraska man). وبالمناسبة، فقد وَجَدوا أنَّ الدَّليلَ الوحيدَ على إنسان نِبراسكا هو سِنُّ خِنْزير. ويا لها مِنْ قَفْزَة! أمَّا فيما يَختصُّ بِجَماجِم "إنسان بِكِّين" (Peking man) الشَّهيرة، يَرى خُبَراء كثيرون أنَّها جَماجِم قُرود كانت رُؤوسُها تُقْطَع وتُسْتَخْدَم لغايات الطَّعام مِنْ قِبَل الإنسان. أمَّا التَّصنيف المعروف باسم "الإنسان المُنْتَصِب" (Homo erectus)، فإنَّ أغلبيَّةَ الخُبراء يَرَوْنَ أنَّهُ فئة لم يَكُنْ ينبغي إدْراجُها مِنْ وُجهة نَظرهم. وقد تَمَّ مُؤخَّرًا اكتشاف أوَّل عِظامِ أَطْرافِ لِما يُعْرَف بالإنسان المَاهِر (Homo habilis). وَهذه العِظام تُبَيِّن أنَّ هذا الحَيَوان كان يَمتلك أطرافًا مُماثلة لأطراف القِرْد وأنَّهُ لم يكن ينبغي تَصْنيفُهُ تحت اسم "إنسان" أو "شَبيه الإنسان".
ثُمَّ هناك "أوسترالوبيثيكينيز" (australopithecines)، كما ذَكرتُ في المَرَّة السَّابقة، والذي اشتهرَ مِنْ خلال "لويس و ماري ليكي" (Louis and Mary Leakey). وقد عُثِرَ عليها غالبًا في جنوب إفريقيا. وهي مُختلفة كثيرًا عنِ البشر. وهناك دراسات مُفَصَّلة عديدة باستخدام الحاسوب للأوسترالوبيثيكينز بَيَّنَتْ أنَّ سِماتِها الجسديَّة ليست حَلْقَة مُتوسِّطة بين الإنسان والقرود بأيِّ شكلٍ مِنَ الأشكال. وقد بَيَّنَتْ دراسَةٌ أُجْرِيَتْ على عِظامِ آذانِها الداخليَّة، الَّتي تُسْتَخْدَمُ للحفاظِ على التَّوازُن، شَبَهًا كبيرًا جدًّا بينها وبين عِظام آذانِ الشَّمبانزي والغوريلا، ولكنَّها مُختلفة تمامًا عن عِظامِ آذانِ البشر. وقد تَمَّ اكتشافُ أُحفورٍ لأُنثى طُولُها 107 سم، ولها ذِراعان طَويلتان، وتَزِنُ 27 كغم أَطْلَقوا عليها اسْم "لوسي" (Lucy). ورُبَّما تَذكرونَ اكتشاف "لوسي" الَّتي قَدَّموها بوصفِها دَليلاً على أنَّ الأوسترالوبيثيكينز كانت تَمشي بانتصاب مِثْلَ الإنسان. ولكِنَّ الدِّراسات المُعَمَّقة لتشريح "لوسي"، وليس فقط لعظم الرُّكْبَة، تُبَيِّنُ الآنَ أنَّ هذا غير صحيح. ويؤسفُني أنْ أقولَ لكم أنَّ لوسي كانت تَتأَرْجَحُ على الأشْجار.
وقد بَقِيَ العالَمُ طَوالَ نَحْوِ مِئة سنة يَعيشُ في ضَلالٍ مُعْتَقِدًا أنَّ "إنسان نياندرتال" (Neanderthal man) كانَ مُنْحَنِيًا ويُشْبِهُ القِرْد. ولكِنَّ الدِّراسات الحديثة تُبَيِّن أنَّ هذا الاعتقادَ الخاطِئ كانَ مُسْتَنِدًا على بعضِ الأشخاص مِنْ هذا الجنس كان مُصابًا بأمراض في العِظام مِثْلَ التهاب المفاصل وداء الكُسَاح. فقد كان إنسان نياندرتال، وإنسان هايدلبيرغ (Heidelberg man)، وإنسان الكرومانيون (Cro-Magnon man) بَشَرًا بِكُلِّ مَعنى الكلمة. أمَّا رُسومُ الفَنَّانين لهم، ولا سِيَّما لأجزائهم الجسديَّة، فهي مِنْ نَسْجِ خَيالِهِم وليست قائمة على أيِّ أدِلَّة. وهكذا دَوَالَيْك.
فَضلاً عن ذلك، كما ذَكَرْنا طَوالَ هذه السِّلسِلة، فإنَّ طُرُقَ التَّأريخِ الَّتي يَستخدمُها أنصارُ نظريَّة التطوُّر خاطئة أيضًا. وباختصار، فإنَّهم لا يملكونَ أيَّ أشكالٍ مُتَوَسِّطة، ولا يملكونَ أيَّ دليلٍ على تَطَوُّرِ أيِّ شيءٍ، ولا يَملكونَ بِكُلِّ تأكيد أيَّ دليلٍ على تَطَوُّر الإنسان. والسَّببُ في أنَّهُم يواجهونَ مشكلةً عصيبةً في إثباتِ ذلك هو أنَّ التطوُّر لم يحدث. لذلك، لا يمكن إثباتُه.
فما حَدَثَ حَقًّا مُدَوَّنٌ لنا في الكتاب المقدَّس. ولنرجِع إلى سِفْر التَّكوين والأصحاح الأوَّل. ففي اليوم الأوَّل، بحسب ما جاءَ في الآيَتَيْن 24 و 25 [أوْ بالأحْرى: في اليوم السَّادِس، بحسب ما جاءَ في الآيتين 24 و 25] – نَقرأُ في اليومِ السَّادِسِ عن خَلْقِ الحيواناتِ الَّتي تَعيشُ على الأرض. والبَهائِمُ، كما قُلْتُ في المَرَّة السَّابقة، هي حَيَواناتٌ يُمكنُ أنْ تُرَبَّى وتُدَجَّن. والدَّبَّاباتُ هي جميعُ المخلوقاتِ الَّتي لا تَعْلُو بُطونُها كثيرًا عنِ الأرضِ. ووُحوشُ الأرضِ هي مخلوقاتٌ لها أربعُ قوائم ولا يمكن تَدْجينُها. وبعدَ أنِ انتهينا مِنْ ذلك، نأتي إلى الآيَتين 26 و 27. ونَجِدُ هنا خَلْقَ الإنسان. وقد حَدَثَ ذلكَ حَالاً مِنَ العَدَم. فقد خَلَقَ اللهُ الإنسانَ بِكُلِّ تَعْقيدِهِ في لَحْظَة. وقد خَلَقَ آدَمَ إنسانًا كامِلَ النُّمُوِّ. ثُمَّ نقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني أنَّهُ خَلَقَ لاحقًا مُعينًا لَهُ (أيْ حَوَّاء) امرأةً كاملةَ النُّمُوِّ والنُّضْجِ أيضًا.
وقد كانَ كُلُّ شيءٍ تَمَّ خَلْقُهُ حتى لَحْظَةِ خَلْقِ الإنسانِ (ذَكَرًا وأُنثى) يَرْمي إلى توفيرِ البيئةِ الَّتي سيعيشُ فيها الإنسان، والتي سيتمتَّعُ بها الإنسان ببركةِ اللهِ، والتي سَيَشْكُرُ اللهُ عليها ويُسَبِّحُه بِوَصْفِهِ خَالِقَ الكُلِّ. ومَعَ أنَّ كُلَّ الحياةِ المَخلوقة كانت رائعة، وحَسَنَة، وأنَّ اللهَ قالَ عنها إنَّها حَسَنَة، ومَعَ أنَّها كانت بَديعَةً ومُعَقَّدَةً وكبيرة جدًّا، فإنَّها لم تكن شَيئًا بالمُقارنةِ معَ الإنسان. فقد كانت الهُوَّةُ الَّتي تَفْصِلُها عن طبيعةِ الإنسانِ كَبيرة جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُمكن جَسْرُها بأيَّة عمليَّة طبيعيَّة. فلم يكن بمقدورِ أيِّ شيءٍ أنْ يَصيرَ إنسانًا – لا شيء. لا سَمَكة، ولا حَيَوانٍ ثَدْيِيٍّ مائيٍّ، ولا أيِّ كائِنٍ مِنَ الزَّواحِف، ولا قِرْد، ولا قِرْدٍ شَبيهٍ بالإنسان، ولا غوريلا. فلا يمكن لأيِّ مخلوقٍ أنْ يَصيرَ إنسانًا. وقد ذَكَرْنا ذلكَ المَرَّة تلو المَرَّة. فبسببِ الشَّفرة الوراثيَّة والحَمْضِ النَّوويِّ، فإنَّ هذا مُستحيل.
ولكِنْ يوجد عُنصرٌ آخر لا يمكن أنْ يُوْجَد في الحَمْضِ النَّوَوِيِّ. فهناكَ عُنصرٌ آخر غامضٌ جِدًّا بصورة رائعة ومَذكورٌ لنا في العدد 26 إذْ نقرأ: "وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا". ونقرأ في العدد 27: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ". وكما قُلْتُ سابقًا، فإنَّنا نقرأ في سِفْر التَّكوين 5: 1: "يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ، عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ". فهذه هي هُويَّة الإنسان الفَريدة. وهذا الجُزْءُ مِنَ الإنسان هو الجزءُ الَّذي لا يَتوقَّف على الجِينات الوراثيَّة. فهذا هو ذلك الجُزءُ الرُّوحيُّ الغامِضُ مِنَ الإنسان الَّذي لا يمكن أنْ يُوْضَع في أُنبوبِ اختبار. وهذا الجُزْءُ مِنَ الإنسان هوَ الجزءُ الَّذي لا يمكن أنْ يُوْجَد مِنْ خلالِ طَفْرَة أوْ عمليَّة انتقال. فهذه هي صُورة الله.
ويَبتدئ العدد 26 بالقول: "وَقَالَ اللهُ". ويَبتدئ العدد 27 بالقول: "فَخَلَقَ اللهُ". فهي الصِّيغةُ نَفْسُها. فاللهُ يَقولُ، واللهُ يَخْلُقُ. وَهُما مُترادِفانِ حَقًّا. فاللهُ يَقولُ: "كُنْ" فَيَكون. ولكِنْ في هذه المَرَّة فقط، هناكَ فَرْقٌ مُهِمٌّ جِدًّا – فَرْقٌ مُهِمٌّ جِدًّا. فهذه هي المَرَّةُ الأولى الَّتي يَحْدُثُ فيها تَغْييرٌ كَبيرٌ في اللُّغَة. فلم يَسْبِقْ أنْ قَرَأنا أنَّ النَّصَّ قال: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا". فاللهُ لم يتكلَّم مِنْ قَبْل بِصِيغَة الجَمْع. ففي كُلِّ مَرَّة سابقة، كانت الصِّيغة هي: "لِيَكُنْ"..."لِيَكُنْ"..."لِيَكُنْ". وهي صيغة غير شخصيَّة. فلا يوجد أيُّ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ حَتَّى هذه اللَّحظة يَرْتَبِط بِهِ ارتباطًا شخصيًّا. ويجب عليكم أنْ تُدَوِّنوا هذه النُّقطة لأنَّ هذه مسألة مُهِمَّة جدًّا ينبغي أنْ تَفهموها.
فاللُّغة غير شَخصيَّة. "لِيَكُنْ"..."لِيَكُنْ". فقد نَطَقَ اللهُ بكلمةٍ فَخَلَقَها. ولكنَّهُ لم يكن مُرتبطًا قَطّ شَخصيًّا بأيِّ شيءٍ خَلَقَهُ – لا مَعَ النُّورِ، ولا معَ الماءِ، ولا معَ العَناصِرِ، ولا معَ الشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ، ولا معَ الأَجْرامِ السماويَّة، ولا معَ الأرضِ، ولا معَ فَصْلِ اليابسةِ عنِ البحر. فهو لم يكن مُرتبطًا ارتباطًا شخصيًّا بأيٍّ مِنْ هذه الأشياء – لا معَ الطُّيورِ، ولا معَ الكائناتِ البحريَّة، ولا معَ الكائنات البَرِّيَّة. فلا توجد علاقة شخصيَّة، ولا يوجد ارتباطٌ شخصيٌّ – لا في تلك اللَّحظة ولا في الأبديَّة. فلا يوجد طَيْرٌ مُرتبطٌ باللهِ بأيَّة طريقة شخصيَّة. واعذروني على ما سأقول، ولكِنْ لا يوجد كُلْبٌ ولا هِرٌّ يَرتبط باللهِ بأيَّة طريقة شخصيَّة.
فلا يوجد مَخلوقٌ يَرتبطٌ باللهِ بأيَّة طريقة شخصيَّة – إلى أنْ نَصِلَ إلى هذه النُّقطة. ففي هذه النُّقطة، يَصيرُ اللهُ شخصيًّا، ويبتدئ بالتحدُّث بكلماتٍ تُعَبِّرُ عنْ وُجود عَلاقَة شخصيَّة: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا". وهذه هي المَرَّة الأولى الَّتي يُعَرِّفُ اللهُ فيها عن نفسِهِ في الكتاب المقدَّس [اسمعوني جَيِّدًا] في عَلاقة. فحتَّى هذه النُّقطة، نَقرأُ عنِ اللهِ وَحَسْب. أمَّا الآن، فإنَّ اللهَ يُعَرِّف عن نفسِهِ بِصيغة الجَمْع: "نَعْمَلُ" – ليسَ: "أَعْمَلُ"، بلْ: "نَعْمَلُ". ونحنُ نَقرأُ أَوَّلَ مَرَّةٍ عن حقيقة أنَّ اللهَ يَضُمُّ بطبيعتِه علاقات. فهذا لا يَحْدُثُ إلَّا عندما يوجد أكثر مِن شخصٍ واحد. ولكنَّنا نَجِدُ أنفُسَنا الآنَ، أوَّلَ مَرَّةٍ، أمامَ حقيقةِ أنَّ اللهَ مُثَلَّث الأقانيم. ولا شَكَّ أنَّنا أَدْرَكْنا ذلك لأنَّ الكلمةَ التي تُشيرُ إلى اللهِ (وهي: "إيلوهيم") تَنْتَهي بطريقة تَدُلُّ على صِيْغَةِ الجَمْع. أمَّا الكلمة "نَعْمَل" فَواضِحَة.
ففجأةً، نَتَعَرَّفُ إلى اللهِ بوصْفِهِ أكثرَ مِنْ أُقْنوم. ونَتَعَرَّفُ إلى وجودِ علاقاتٍ بينَ أقانيمِ الثَّالوثِ مِنْ خلال الجُملة "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا". وفجأةً، نَجِدُ أنفسَنا أمامَ الحقيقة العظيمة بأنَّ هناكَ لَجْنَة تَنفيذيَّة إلهيَّة، وبأنَّ هناكَ مَجلسًا تنفيذيًّا إلهيًّا. ونَجِدُ تَلميحًا صغيرًا إلى هذه الحقيقة في الأصحاح الأوَّل والعدد الثَّاني. فاللهُ "خَلَقَ"، في بداية العدد الأوَّل. وفي العدد الثَّاني، نقرأُ أنَّ رُوْحَ اللهِ يَرِفُّ على وَجْهِ المياه. وعندما نَذهبُ إلى إنجيل يوحنَّا في العهد الجديد، نَقرأُ قِصَّةَ الخَلْقِ التَّالية هناك: "فِي البَدْءِ كَانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الكَلِمَةُ اللهَ". والحديثُ هُنا هوَ عنِ الأقنومِ الثَّاني في الثَّالوث – أيْ: يَسوعَ المسيح.
ونحنُ نَقرأُ هنا عن يسوعَ المسيح إذْ إنَّ النَّصَّ يَقولُ: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ". وفي الأصحاح الأوَّل مِن إنجيل يوحنَّا، نَجِدُ أنَّ الأقنومَ الثَّاني في الثَّالوث، أيْ الكلمة الَّذي صَارَ جَسَدًا (يوحنَّا 1: 14)، الَّذي مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ الأقنوم الثَّاني في الثَّالوث، أيْ يَسوعَ المسيح، كان في الحقيقة: الخَالِق. ففي تكوين 1، نَرى أنَّ اللهَ هُوَ الخالِق. وفي تكوين 1، نَرى الرُّوحَ القُدُسَ في عمليَّة الخَلْق. وفي يوحنَّا 1، نَرى ابْنَ اللهِ أوْ كلمةَ اللهِ، الكلمة المُتجسِّد، بصِفَتِهِ خَالِقًا. والآنْ فإنَّنا نَجِدُ أنفسَنَا أمامَ حقيقةِ أنَّ اللهَ موجودٌ في أكثر مِنْ أُقنوم. ونحنُ نَعلم مِنْ خلالِ كُلِّ الشَّواهدِ الكتابيَّةِ أنَّ اللهَ واحِدٌ وأنَّهُ موجودٌ في ثلاثة أقانيم.
ونَقرأُ هنا عنِ وجودِ علاقة. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا جدًّا. فهو لا يَخْلِقْ بكلمة مِنْه بطريقة غير شخصيَّة، ولا يَستخدمُ صيغة "لِيَكُنْ". بل إنَّهُ يَستخدِم لُغَةً تُظْهِرُ أنَّهُ يَتَخاطَبُ معَ آخرين. فهو يَتخاطبُ معَ آخرينَ في عمليَّةِ الخَلْقِ هذه. وأريدُ مِنكم أنْ تُصْغُوا جَيِّدًا لأنَّ هذه نُقطة مهمَّة حقًّا. فهذه إشارة واضحة، ولا لُبْسَ فيها، ولا جِدالَ فيها، إلى الثَّالوث، مَعَ أنَّ التَّوضيحَ الأكْمَل لعقيدة الثَّالوث لا يَتَكَشَّف حقًّا إلَّا في العهدِ الجديد. فلا يمكنكَ أنْ تَفهمَ الثَّالوثَ حقًّا إلَّا عندما يَتَجَسَّدُ الأقنومُ الثَّالثُ – أوْ بالحَرِيِّ: إلَّا عندما يَتَجَسَّدُ الأقنومُ الثَّاني، وإلَّا عندما يَحِلُّ الأقنومُ الثَّالثُ (أيِ الرُّوحُ القُدُسُ) في يومِ الخَمسين ويبتدئ في القيام بعَمَلٍ عظيمٍ كَمَا حَدَثَ آنذاك. ولكِنَّ بِذْرَة عقيدة الثَّالوث قَدْ زُرِعَتْ هُنا.
ولا نُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلْنا إنَّنا قد نُبالِغ إنْ تَوَقَّعْنا مِنْ أيِّ قارئٍ أَصْلِيٍّ لِسِفْرِ التَّكوين أنْ يَفْهَمَ عقيدةَ الثَّالوث مِنَ الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ سِفْر التَّكوين. فهذه ستكونُ مُبالَغَةً. فهذه العقيدة ليست مُفَصَّلة هنا. وقد كَتَبَ "ب. ب. وورفيلد" (B. B. Warfield)، الطَّهورِيُّ العظيمُ الَّذي كانَ أُستاذًا للَّاهوتِ في كُلِّيَّة لاهوت برينستون: "لم يكنُ الأوانُ قد آنَ بَعْد لإعلانِ الثَّالوثِ في وَحْدَةٍ تامَّةٍ إلى أنْ جاءَ مِلْءُ الأزْمِنَةِ وأَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مِنْ أجْلِ الفِداءِ ورُوْحَهُ مِنْ أجْلِ التَّقديس". وهذا صحيحٌ تمامًا. فنحنُ لا نَرى الثَّالوثَ في مِلْئِهِ إلَّا حينَ جاءَ الربُّ يسوعُ المسيحُ وإلَّا حينَ أُرْسِلَ الرُّوحُ القُدُسُ.
لذا فإنَّ هذه الآية لا يُمْكِنْ أنْ تُستخدَم وَحَسْب كدَليلٍ على الثَّالوث. ولكِنْ إنْ نَظَرْنا إليها مِنْ زاوية التَّجَسُّد، ومِنْ زاوية حُلول الرُّوح القُدُس، يُمكننا أنْ نَرى غِنى المَعنى هُنا لأنَّ لدينا الإعلان الكامِل. والآن، هناكَ في كُلِّ العهد القديم (وهي نُقطة ينبغي أنْ أَذكُرَها) هناكَ في كُلِّ العهد القديم مقاطع كِتابيَّة تُشيرُ إلى وجود تخاطُب بين الأقانيم في الثَّالوث. فمثلاً، نقرأ في الأصحاحِ الثاني مِن سِفْر المزامير (وتَحديدًا: في المزمور الثَّاني والعدد 7) أنَّ المُرَنِّمَ يقول: "إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ". ونَرى هنا أنَّ الأقنومَ الأوَّل في الثَّالوث (أيْ: الآب) يَتخاطَب معَ الأقنوم الثاني في الثالوث (أيْ: الابْن). وهذه، دون شَكٍّ، نُبوءَة تَحَقَّقَتْ بتجسُّد المسيح. وقد أُشيرَ إلى ذلك في الأصحاح الأول مِنَ الرسالة إلى العبرانيِّين.
وفي مَزمورٍ لاحِقٍ، وتحديدًا في المزمور 45، نَجِدُ نُقطةً جوهريَّةً جدًّا. وسوفَ أتوقَّفُ للحديثِ عن هذه النُّقطة قليلاً. ففي المزمور 45: 7، نَرى، مَرَّةً أُخرى، أنَّ الآبَ يتخاطَبُ معَ الابْن. وَهُوَ يقولُ له: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ". ومَرَّةً أُخرى، فقد تَمَّت الإشارة إلى هذه الآية في الرسالة إلى العبرانيِّين على أنَّها مُوَجَّهة إلى الأقنوم الثاني في الثالوث، أيْ إلى الابْن. لِذا فإنَّنا نقرأُ هنا عن وجود شركة بين الآب والابن مَرَّةً أخرى. ورُبَّما كانت أَبْرَزَ آيةٍ هي المزمور 110: 1. ورُبَّما كانَ البعضُ منكم على دِرايَةٍ بها. ونجدُ هنا تخاطُبًا مباشرًا جدًّا إذْ نقرأ: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي" [وها نحنُ نقرأُ هُنا عَنْ رَبَّيْن يَتَحَدَّثُ الواحدُ منهما إلى الآخر]: قَالَ الرَّبُّ [أيْ: الآب] لِرَبِّي [أيْ: للابْن]: "اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ العهدَ الجديدَ يُشيرُ إلى أنَّ هذه الآية هي نُبوءة عنِ المَسِيَّا.
وإذا نَظرتم إلى إشعياء 48: 16، تَجِدونَ الشيءَ نفسَهُ إذْ إنَّ هناك تخاطُبًا بين الأقانيمِ في الثَّالوث. ولكِنِّي أقولُ، مَرَّةً أخرى، إنَّهُ إلى أنْ تَقرأوا عنِ التجسُّدِ، لا يمكنكم أنْ تَرَوْا الهُويَّةَ الكاملةَ للأقنوم الثاني. وما لم تَقرأوا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ عنْ حُلولِ الرُّوح القُدُس، لن تَرَوْا التَّمثيلَ الكاملَ للأقنوم الثالث؛ أيِ الرُّوحِ القُدُس. ولكِنَّنا نَرى هُنا (في سِفْر التَّكوين) ما يُشيرُ إلى أنَّ اللهَ، بطبيعَتِه، يَتَمَتَّعُ بعلاقةٍ معَ نفسه. فهو موجودٌ في ثلاثة أقانيم يرتبط بعضُها ببعضٍ بعلاقة كاملة. والآنْ، لنتعمَّق أكثر قليلاً في هذه النقطة. فنحنُ نقرأ في العدد 26: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا". وهذه إشارة إلى أنَّ الثَّالوثَ كُلَّهُ اشْتَرَكَ في عَمَلِ الخَلْق. فاللهُ المُثَلَّثُ الأقانيم اشتركَ في ذلك: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا". ثُمَّ نقرأ في العدد 27: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ".
فيمكنك أن تتحدَّث عن الله بوصفِهِ إلهًا واحدًا (كما في العدد 27)، أو يمكنك أن تُشيرَ إلى الله بصيغة الجَمْع (كما جاءَ في العدد 26) إذْ نقرأ: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا". فاللهُ واحدٌ، ولكنَّهُ موجودٌ في ثلاثة أقانيم كما نَعْلَم. لِذلك فإنَّ ما لدينا هنا هو أنَّ مَجْلِس الثَّالوث اشتركَ في قَصْدِ خَلْقِ الإنسانِ. والآنْ، حانت اللَّحظة المناسبة.
ويجب أنْ أتوقَّفَ عندَ هذه النقطة. فلن أكونَ أمينًا في توضيح قَصْدِ الكتاب المقدَّس إنْ لم أَفْعَل ذلك. فَعلى مَرِّ السِّنين، حاولتُ أنْ أُبَيِّنَ لكم أنَّ اللهَ لَهُ قَصْدٌ إلهيٌّ قبلَ تأسيسِ العالَم، وأنَّ ذلكَ القصدَ الإلهيَّ هو أنْ يَأخُذَ عروسًا لابْنِهِ. فاللهُ الآبُ يُريدُ أنْ يُقَدِّمَ لابْنِهِ هَدِيَّةً تُعَبِّرُ عَنْ مَحَبَّتِهِ لَهُ. وهذه الهَدِيَّة تَتَمَثَّلُ في عَروسٍ تتألَّفُ مِنْ بَشَرٍ مَفْدِيِّينَ يُقَدِّمُهُمْ لابْنِهِ لكي يُحِبُّوا ابْنَهُ، ويَعْبُدوه، ويُسَبِّحوه، ويُمَجِّدوه إلى أبدِ الآبدين ودَهْرِ الدُّهور، ولكي يَخْدِموه أيضًا. وهذا القصدُ الإلهيُّ يَتكشَّف في إطار المجلسِ التنفيذيِّ المُتَمَثِّلِ في اللهِ المُثَلَّثِ الأقانيم.
واسمحوا لي أن أُقَدِمَ لكم تَذكيرًا موجَزًا بذلك لأنَّها نُقطة مُهمَّة جدًّا جدًّا. فهي مُهِمَّة جدًّا جدًّا. فنحنُ نقرأُ عنِ المسيح في رسالة بُطرس الأولى 1: 20: "مَعْرُوفًا سَابِقًا [أيْ مُعَيَّنًا سابقًا] قَبْلَ تَأسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ". لِذا فإنَّ يَسوعَ، الَّذي ظَهَرَ في تلك الأزمنة الأخيرة مِن أجلكم، ليموتَ على الصليب، ويقومَ ثانيةً، وليكونَ مُخَلِّصَكُم، إنَّ يسوعَ الَّذي ظَهَرَ في تلك الأزمنة الأخيرة كانَ مُعَيَّنًا قبلَ تأسيس العالَم. وهذا يعني أنَّهُ قبلَ تَكوين 1، وقبلَ اليوم الأوَّل للخَلْق، وقبلَ أنْ يَتَكَشَّف أسبوعَ الخَلْقِ هذا، فإنَّ الفِداءَ كانَ قَدْ خُطِّطَ لهُ أصْلاً. حسنًا؟ بعبارة أخرى، لقد خَطَّطَ اللهُ للفِداءِ قبلَ أنْ يَخْلُقَ الجنسَ البَشَريَّ الَّذي سيأخُذُ مِنْهُ جَماعَةَ المَفْدِيِّين. فقَصْدُهُ الفِدائيُّ جاءَ أوَّلاً.
ولنتوسَّع في هذه الفكرة قليلاً. فنحنُ نقرأ في الأصحاح الأوَّل مِنْ رِسالة تيطُس عَنِ الإنجيل. فنحنُ نقرأ في رسالة تيطُس 1: 1 و 2: "بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". وبعدَ أنْ يُعَرِّف بولُس بنفسِهِ فإنَّهُ يقولُ: "لأَجْلِ إِيمَانِ مُخْتَارِي اللهِ [أيْ: "لأجْلِ الإيمانِ المُخَلِّصِ للمُخْتارين"] وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى، عَلَى رَجَاءِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ". لِذا فإنَّهُ يتحدَّثُ عنِ الإنجيل. فالإنجيلُ يَتضمَّنُ الإيمانَ المُخَلِّصَ، ويَتضمَّنُ الاختيارَ، ويَتضمَّنُ مَعرفةَ الحَقِّ، ويتضمَّنُ الصَّلاحَ، ويَتضمَّنُ الوَعْدَ ورَجاءَ الحياةِ الأبديَّة.
ولكِنْ لاحِظوا الآتي: إنَّ قصدَ اللهِ المُخَلِّص بِمُجمله، إنَّ قَصْدَهُ المُخَلِّص بِمُجملِه كان شيئًا وَعَدَ بِهِ اللهُ المُنَزَّهُ عنِ الكَذِب [مَتى؟] نقرأُ هُنا: "قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ". والنَّصُّ اليُونانيُّ يقول: "قبلَ بَدْءِ الزَّمَن". ومَتى ابتدأَ الزَّمَن؟ مَتى ابتدأَ الزَّمَن؟ في اليوم الأوَّل. لذلك، قبلَ اليوم الأوَّل، كانَ اللهُ قد خَطَّطَ أَصْلاً الإنجيل. وهناكَ عُنْصُرٌ في الإنجيل كانَ وَعْدًا قَطَعَهُ قبلَ وقتٍ طويلٍ جدًّا. فاللهُ وَعَدَ بأنَّهُ سيَختارُ أُناسًا، ويَهَبهُمْ إيمانًا، وأنَّهُ سيُعطيهم أنْ يَعرفوا الحَقَّ، وأنَّهُ سيُنشئ فيهم صَلاحًا، وأنَّهُ سيُعطيهم حياةً أبديَّةً. فاللهُ وَعَدَ بذلك قبلَ اليوم الأوَّل. والسُّؤالُ هو: إلى مَنْ قَطَعَ هذا الوَعْد؟
إنَّهُ لم يَقطع هذا الوعدَ لأيِّ إنسان. فنحنُ لم نُخْلَق إلَّا في اليوم السَّادس. وَهُوَ لم يَقطع هذا الوعدَ للملائكة. وكما قُلتُ سابقًا، فإنَّ الملائكة خُلِقَت في الوقتِ نفسِهِ الَّذي خُلِقَ فيهِ كُلُّ شيءٍ آخر. ونحنُ لا نَعرف مَتَى تحديدا، ولكِنَّهُ لم يَقْطَع هذا الوعدَ المُختصَّ بالخلاص للملائكة لأنَّ الملائكة لا تَختبر الخلاص. أليسَ كذلك؟ لِذلك فإنَّهُ لم يَعِدْهُم بذلك. فالملائكة الذينَ أخطأوا وسَقطوا مِنَ السَّماء، سَقَطوا منها إلى الأبد. ولا يوجد خلاصٌ للملائكة. إذًا، لِمَنْ قَطَعَ اللهُ وَعْدَ الخلاصِ قبلَ بَدْءِ الزَّمَن؟
حسنًا، افتحوا على رسالة تيموثاوس الثَّانية 1: 9. وسوفَ نَتعمَّق قليلاً في هذه النُّقطة. فهي تقول إنَّ اللهَ (في نهاية العدد 8) الَّذي خَلَّصَنا، دَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، إلخ، إلخ، إلخ، وإنَّهُ فَعَلَ هذا "بِمُقْتَضَى القَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي المَسِيحِ يَسُوعَ" – ولسببٍ ما، فإنَّ المُتَرْجِمينَ يُتَرجمونَ أحيانًا العبارة نفسَها الَّتي وردت في تيطُس 1: 2 بطريقة مُختلفة معَ أنَّها نَفْسُ العِبارة. فقد يُتَرْجِمونَها هناكَ: "منذُ وقتٍ طويل" أوْ شيئًا مِنْ هذا القَبيل. وقد يُتَرجمونَ هذه العِبارة هُنا: "قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ". ولكنَّها نفسُ العِبارة، وهي تَعني: "قَبْلَ بدْءِ الزَّمَن". وهي تتكرَّر هُنا. فاللهُ قَطَعَ هذا الوعدَ، بحسب تيطُس 1: 2: "قَبْلَ بَدْءِ الزَّمَن". ونقرأُ هنا أنَّهُ كانَ لَهُ قَصْدٌ يَختصُّ بالمسيحِ يسوع قَبْلَ بَدْءِ الزَّمَن.
لِذا، قبلَ بَدْءِ الزَّمَن، قَطَعَ اللهُ وَعْدًا. فقد قَطَعَ وَعْدًا بأنَّهُ مُزْمِعٌ أنْ يَفدي بعض البشرِ الذينَ سيَخْلُقهم، وأنَّهُ مُزْمِعٌ أنْ يَفديهم مِنْ خلالِ المسيح يَسوع. ولا بُدَّ أنَّهُ كانَ يُناقِشُ آنذاك مَعَ الأُقنومِ الثَّاني في الثَّالوث ضَرورةَ التَّجَسُّدِ، وضرورةَ دُخولِ العالَم، وضَرورةَ ذَبيحة الخطيَّة، وكُلَّ تلك الأمور. فقد تَمَّ التَّخطيطُ لكُلِّ شيءٍ قبلَ بَدْءِ الزَّمَن. والآية 10 تقول: "وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ المَسِيح"، أوِ المَسيح يَسوع. والآنْ، أنا أَصْحَبُكُم إلى ما قبل تكوين 1. وأنا أَصْحَبُكم إلى ما قبلَ بَدْءِ الزَّمَن، وإلى ما قَبْل تأسيسِ الأرضِ، وإلى ما قَبْل وجودِ أيِّ خليقة، وإلى الوقتِ الَّذي انْعَقَدَ فيهِ مَجْلِسُ الله.
وقد كانتِ الخُطَّةُ تَقْضي بوجود بَشَرٍ مَفْدِيِّين سيُخْلَقونَ، ويَتِمُّ فِداؤُهم، ويُمَجَّدون مِنْ خلال تَجَسُّدِ الأقنومِ الثَّاني وذَبيحَتِه. ونحنُ نَعْلَمُ مِن خلال نُصوص العهد الجديد أنَّهُ سَيَتِمُّ فِداؤُهُم مِنْ خلالِ عملِ الأقنومِ الثالثِ في الثَّالوث، أيِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي سيُبَكِّت قُلوبهم على خطيَّة وبِرّ ودينونة، والذي سيُنير أذهانهم لكي يَفهموا الحَقَّ، والذي سيُجَدِّدُهم ويَمنحهم الولادة الجديدة، والذي سيَعمل بِكُلِّ تأكيد، في لحظةٍ ما، على نَقْلِهِم مِنَ الموتِ إلى الحيا فيَنضمُّونَ إلى خَاصَّةِ اللهِ. وأولئكَ الذينَ سيَختبرونَ ذلكَ كُلَّهُ هُمْ أولئكَ الذينَ اختارَهُمُ اللهُ قبلَ تأسيسِ الأرضِ، وقبلَ بَدْءِ الزَّمَن.
ونَقرأُ في رسالة أفسُس 1: 3 عن مَقاصِدِ اللهِ: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ". لماذا؟ "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ" [ماذا؟] "تَأسِيسِ العَالَمِ". إذًا، فإنَّ كُلَّ المشيئة الإلهيَّة أُعْلِنَتْ قبلَ بَدْءِ الزَّمَن، وقبلَ خَلْقِ أيِّ شيء. وقد حَدَثَ ذلكَ في مَجْلِسِ الثَّالوث. فنحنُ نقرأ في العدد 4 أنَّهُ اخْتارَنا. وقد فَعَلَ ذلكَ ببساطة بسبب مَشيئَتِه.
وإلى أيِّ مَدَىً يَمْضي ذلك؟ حسنًا، لقد قالَ الآبُ: "سوفَ أَخْلُقُ بعضَ الأشخاصِ وأفديهُم. وسوفَ أُقَدِّمُهُم للابْنِ هَدِيَّةَ مَحَبَّة". والحقيقة هي أنَّكُم إذا نَظرتم إلى الأصحاح السَّادِس مِنْ إنجيل يوحنَّا (ولن أُطيلَ الحَديثَ عَنْ هذا الأمر)، وإذا نَظرتُم إلى الأصحاح 17 مِنْ إنجيل يوحنَّا، تَجِدونَ أنَّ يَسُوعَ يُشيرُ مِرارًا وتَكرارًا إلى كُلِّ المؤمنينَ بوصفهم أولئكَ الذينَ أعطاهُمُ اللهُ لَهُ. أتذكرونَ ذلك؟ فهو يقول في الأصحاح السَّادِس مِنْ إنجيل يوحنَّا: لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ". ويسوعُ يقولُ: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". ونقرأ في يوحنَّا 17 أنَّ يَسوعَ يُصَلِّي قائلاً: "أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي". لِذا فإنَّ يَسوعَ يُشيرُ إلى المؤمنينَ بوصفهم أولئكَ الذينَ أعطاهُمْ الآبُ لَهُ. وهذه هي بداية هذه الخُطَّة. لذا فقد كانَ اللهُ يَرْغَبُ في إظْهارِ مَحبَّتِهِ للابن. وهي مَحَبَّة فائقة. وهي مَحَبَّة لا يَعْرِفُها أحدٌ سِوى الله.
فهي مَحَبَّة فائقة حتَّى إنَّها تَتوقُ إلى أنْ تُعْطي. واللهُ يُقَرِّرُ أنَّ طريقةَ التَّعبير عن تلك المحبَّة هي أنْ يَخْلُقَ بَشَرًا، ويَفْدِيَهُم، وأنْ يُمَجِّدَهُمْ بعدَ ذلك. وعندما يُمَجِّدُهُم فإنَّهُ سيَجعَلُهم مُشابهين للمسيح. ونقرأ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِنْ رسالة فيلبِّي أنَّنا سَنَتَغَيِّرُ على صُوْرَة مَجْدِهِ، أوْ على صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ. ونقرأ في الأصحاح الثَّالث مِنْ رسالة يوحنَّا الأولى أنَّنا سَنَكونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. لِذا فإنَّ الآبَ سيَجعلُنا حَرْفِيًّا انعكاساتٍ أوْ صُوَرًا مُشابِهَةً ليسوعَ المسيح كَيْ نَعْكِسَ مَجْدَهُ، ونُسَبِّحَهُ، ونُعَظِّمَهُ، ونُمَجِّدَهُ إلى أبدِ الآبدينَ ودَهْرِ الدُّهور، ولكي نَخْدِمَهُ أيضًا. فهذه هي هَدِيَّة مَحَبَّةٍ مِنَ الآبِ للابْن.
والشَّيءُ الرَّائعُ (وقد أخبرتُكم بهذا في السَّابق) هو أنَّنا نقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى 15 أنَّهُ عندما يَستقبِل الابْن البشرَ المَفديِّينَ مِنَ الآب، وعندما يُعطي الآبُ الابْنَ هؤلاءِ البشرَ المَفديِّين، وعندما يَأتي بهم إلى المجد، وعندما نَصيرُ جميعًا هناك ولا يكونُ زَمانٌ بَعْد، ونَصيرُ في حَضْرَة الله، ونُقَدَّمُ مِنَ الآبِ إلى الابْنِ، أيْ عندما يُقَدِّمُ الآبُ البشرَ المَفديِّينَ جميعًا إلى الابن، فإنَّ الأصحاح 15 منْ رسالة كورنثوس الأولى يُشيرُ إلى أنَّ الابْنَ سيَلتفتُ يمينًا ويُعيدُهم إلى الآبِ كَيْ يكونَ اللهُ الكُلَّ في الكُلِّ. وما تَحَقَّقَ مِنْ خلال ذلك هو مجموعة كاملة مِنَ البَشَرِ المَفْدِيِّين والملائكة القِدِّيسين الذينَ يَسكنونَ السَّماءَ الجديدة والأرضَ الجديدة إلى الأبد لا لهَدَفٍ آخر سِوى أنْ يَخْدِموا ويُسَبِّحوا ويُمَجِّدوا اللهَ الآبَ، واللهَ الابْنَ، واللهَ الرُّوحَ القُدُسَ الَّذي يَستحقُّ كُلَّ المجد.
وهذا الأمْرُ يَصيرُ شَخصيًّا في الأصحاح 13 مِنْ سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 17 مِنْ سِفْر الرُّؤيا حيثُ نقرأ مَرَّتين في كِلتا الحالتين (في الأصحاح 13 والعدد 8، وفي الأصحاح 17 والعدد 8) الشَّيءَ نفسَهُ. فهُما تُشيران إلى وُجودِ مؤمنين كُتِبَتْ أسماؤُهم مُنْذُ تأسيس العالَم في سِفْر الحياة. إلى وُجودِ مؤمنين كُتِبَتْ أسماؤُهم مُنْذُ تأسيس العالَم في سِفْر الحياة. وهذا يُعيدُنا، مَرَّةً أخرى، إلى ما قبلَ تأسيسِ العالم. والآنْ، لنَرْجِع إلى الأصحاح الأوَّل مِنْ سِفْر التَّكوين في ضَوْءِ ما ذَكَرْناهُ للتَّوّ.
إذًا، يُمكننا أنْ نقول إنَّ الثَّالوثَ كانَ يُخَطِّطُ لهذا الأمر. فهناكَ مشورة وشَرِكَة دائِمَتَيْن بين أقانيم الثَّالوث. وقد حَدَثَ ذلك قبلَ وقتٍ طويلٍ مِنَ اليوم السَّادس. وقد حدثَ ذلك قبل بَدْءِ أيِّ شيءٍ بوقتٍ طويل. وقد حَدَثَ ذلكَ قبلَ بَدْءِ الزَّمَن. وقد حَدَثَ ذلك قبل بَدْءِ الخليقة. فقد كانت هناك خُطَّة قبل تنفيذها بوقتٍ طويل. واللهُ يقولُ الآن: "إنَّ كُلَّ شيءٍ آخر لا يُشَكِّلُ شيئًا شخصيًّا بالنِّسبةِ إلَيَّ. فكُلُّ شيءٍ آخر سيَحترق. وكُلُّ شيءٍ آخر سيَفنى. ولن يَبْقَ شَيءٌ خَلَقْتُهُ. فالكونُ كُلُّهُ سيُبْطَل". وكما يُخبرُنا بُطرس في رسالة بُطرس الثَّانية فإنَّ كُلَّ شيءٍ سيذوب – فالعناصرُ ستذوبُ مُحترقةً. وأنا أعتقدُ حقًّا أنَّ شَريطَ الخليقةَ سيَدورُ بِصُورة مَعكوسة (إنْ جازَ القَوْل)، وأنَّ الخليقةَ ستُبْطَلُ، وأنَّهُ سيكونُ هناكَ انْحِلالٌ للذَّرَّاتِ إذْ إنَّ الكونَ بأسْرِه سيَزول. فهو كُلُّهُ سيَحترِق.
ولكِنَّ جُزءً واحدًا فقط في الكونِ المادِّيِّ سيبقى إلى الأبد وَهُوَ: الإنسان. فالإنسانُ وَحْدُهُ هو الَّذي يَعْني شَيئًا لدى اللهِ في نهاية المَطاف. أمَّا كُلُّ شيءٍ آخر فَخُلِقَ لكي يُوَفِّرَ عالَمًا للإنسانِ، ولكي يَدْفَعَ الإنسانَ إلى تَسْبيحِ اللهِ وَحَمْدِهِ وتَمْجيدِه، ولكي يُظْهِرَ قُدرةَ اللهِ الرَّائعة وحِكْمَتَهُ وذَكاءَهُ أمامَ الجميع. ولا شَكَّ أنَّ التَّعقيدَ والتَّنويعَ في الكونِ يَفعلُ ذلكَ كَيْ يَدفعَ الإنسانَ إلى تمجيدِ اللهِ وإكرامِه. ولكِنَّ هذا كُلَّهُ سيَحترِق. فهو كُلُّهُ سيَحترِق. والإنسانُ هو الوحيدُ المخلوقُ على صورة الله. والإنسانُ هو الوحيدُ الذي يَعْني اللهَ المُثَلَّثَ الأقانيم في نهاية المَطاف. والإنسانُ هو الوحيدُ الَّذي خُلِقَ بعدَ شَرِكَةٍ بينَ الأقانيم الثلاثة.
صَحيحٌ أنَّ الإنسانَ كانَ مَخلوقًا حَيًّا مِثْلَ الحَيَواناتِ. وهذا يَعني ببساطة أنَّهُ يَتحرَّك ويَمتلِك وَعْيًا. وصَحيحٌ أنَّ الإنسانَ أُعْطِيَ نَسَمَةَ حَياةٍ. فنحنُ نقرأُ في الأصحاح الثاني والعدد 7 أنَّ اللهَ نَفَخَ في أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً. ولكِنَّ هذا يَصِحُّ أيضًا على جميعِ الحَيَوانات. ونقرأ في سِفْر التَّكوين 7: 22 عنْ جميعِ الكائناتِ الَّتي تَعيشُ على اليابسة والتي فِي أَنْفِها نَسَمَةُ رُوحِ حَيَاة. فكُلُّ الحَيَواناتِ تَمتلك ذلك. فهي كُلُّها كائنات حيَّة. والوَصْفُ بأنَّ في أنْفِها نَسَمَة حَياة أوْ بأنَّها مخلوقات حَيَّة هُوَ وَصْفٌ مُستخدَمٌ في سِفْر التَّكوين لكُلِّ حياةٍ مَخلوقة تَمتلك وَعْيًا؛ أيْ ليسَت نباتًا، بل تمتلك وعيًا وتتحرَّك. ولا شَكَّ أنَّ هذا الوصفَ يَصِحُّ على الإنسان، ولكِنْ عندَ هذه النُّقطة فإنَّ أوْجُهَ التَّشابُهِ تَتوقَّف. فقد خَطَّطَ الثَّالوثُ لِخَلْقِ كائنٍ يَختلف عن أيِّ جُزْءٍ آخر مِنَ الخليقة ولا يمكن أنْ يَتَطَوَّر ليصيرَ على هذه الصُّورة.
وهناكَ أربعُ صِفاتٍ هُنا تَختصُّ بالإنسان. أربعُ صِفاتٍ. والصِّفةُ الأولى واضحة. فالإنسانُ مَخلوقٌ على صورة الله. فنحنُ نقرأ مِرارًا: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا". واللَّفْظَتانِ "على صُورَتِنا" و "كَشَبَهِنا" مُترادِفَتان. فلا فَرْقَ في اللُّغة العِبريَّة بينَ هاتين اللَّفْظَتَيْن فيما يَختصُّ بالمَعنى. فَهُما تَكْرارٌ هَدَفُهُ التَّوكيد؛ وَهُوَ أسلوبٌ شائعٌ جدًّا في استخدام اللُّغة العِبْريَّة. لِذا فإنَّ اللَّفْظَتَيْن "على صُورَتِنا" وَ "كَشَبَهِنا" يُشيرانِ إلى الشَّيءِ نفسِه. فنحنُ نقرأ في العدد 27: "عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ". وهذه العِبارة تتكرَّرُ أربعَ مَرَّاتٍ مُختلفة بأنَّنا خُلِقْنا على صورة الله. ولكِنْ ما مَعنى ذلك؟ حسنًا، أيًّا كانَ مَعناها، فإنَّهُ مُهِمٌّ حَقًّا لأنَّهُ أيًّا كانَ مَعناها فإنَّها تُشيرُ إلى وجودِ اختلاف. فهذا هو ما يُمَيِّزُنا عنْ أيِّ مخلوقٍ آخر بما في ذلك أعلى الكائنات المخلوقة والحيوانات الَّتي تمتلك وَعْيًا.
وجوابُ هذا السُّؤالِ مُهِمٌّ. ومَرَّةً أُخرى، فإنَّ الجوابَ يُخبرُنا أنَّ الإنسانَ لا يمكن أنْ يَنْشَأَ وَيَرْتَقي مِنْ مَخلوقات أخرى. فهذا مستحيل. فلا يمكنك أنْ تتطوَّرَ وتَصيرَ على صورة الله. فهذا ليسَ شيئًا موجودًا في الجينات الوراثيَّة. وهذا ليس شيئًا موجودًا في الكروموسومات. وهذا ليس شيئًا موجودًا في الحَمْضِ النَّوويّ.
إذًا، ما هي صُورة الله؟ يبدو أنَّ جَذْرَ الكلمة العِبريَّة للكلمة "صُورة" هو: "سيليم" (tzelem) يَعني: "يَنْحَتْ" أوْ "يَنْقُش". بعبارة أخرى، كأنَّ الإنسانَ قِطْعَة مِنَ الله (إنْ جَازَ القَوْل). فقد صُوِّرَ وشُكِّلَ على صُورة الله. فقد خُلِقَ بهيئة سامِيَة. ويمكنكَ حَتَّى أنْ تقولَ إنَّهُ نُحِتَ ونُقِشَ وشُكِّلَ على صُورة الله. وهذا يعني أنَّنا خُلِقْنا وَفْقًا لِنَموذَجٍ سَماويٍّ، يا أصدقائي. فهذا يَعني أنَّنا خَلِقْنا وَفْقًا لنموذجٍ إلهيٍّ. واسمحوا لي أنْ أتَعَمَّقَ في هذه النُّقطة قليلاً. إنَّ هذا يعني أنَّنا خُلِقْنا لنكونَ أبَدِيِّين. وهذا لا يَصِحُّ على أيِّ شيءٍ آخر مَخلوق. فلا يوجد أيُّ شيءٍ يمتلك هذه الصِّفة في الكون المحدود بالزَّمان والمكان.
صَحيحٌ أنَّنا نَشترك بسِماتٍ بيولوجيَّة معَ بقيَّة الكائنات. فقد خَلَقَنا اللهُ جميعًا لنحيا معًا في بيئة مُشتركة. ويجب علينا أنْ نَشترك في بعض الصِّفات البيولوجيَّة لأنَّنا سنتشارك البيئة البيولوجيَّة نفسَها. لِذا فإنَّهُ توجد سِماتٌ مُشتركةٌ بيننا وبينَ النباتات. أليس كذلك؟ فنحنُ نُعْطي ثاني أوكسيد الكربون، وهي تُعطي ماذا؟ أوكسجين. وَهُوَ شيءٌ نَحتاجُ إليه. ونحنُ لدينا سِمات مُشتركة بيننا وبين النباتات لأنَّنا نأكُلُها. كذلكَ فإنَّ لدينا سِمات مُشتركة معَ الحَيَوانات، وسِمات مُشتركة معَ الماء، وسِمات مُشتركة معَ الشَّمس والقمر وكُلِّ المخلوقات الأخرى في العالَم. لذلك، يجب أنْ نكونَ صَالِحين للعيش في البيئة البيولوجيَّة. لذا فقد خُلِقْنا مِنَ المادَّة نفسِها مِنَ الناحية الجسديَّة.
ولكنَّنا لسنا قُرودًا تَطَوَّرَتْ وصارت إنسانًا. بل نحنُ نَفوقُها أهميَّةً لأنَّنا خُلِقْنا ونُحِتْنا حَرْفِيًّا على صُورة الله. ولا بُدَّ أنَّ هذا يِصِفُ بعضَ جوانب الطبيعة البشريَّة الَّتي لا يَشترك فيها معَ الحيوانات مِثْلَ الوعيِ الذَّاتيّ. فالحيواناتُ تمتلك وَعْيًا، ولكِنَّهُ ليسَ وَعْيًا ذاتيًّا. وهذا يعني أنَّها واعية وتتفاعل مع بيئتها، ولكنَّها لا تَعرف ما تَفعل. فهي لا تمتلك عقلاً، ولا قدرةً على التَّفكير بطريقة مُجَرَّدة. فالحيواناتُ لا تستطيع أنْ تَفعل ذلك. وقد تَمَّ إثبات ذلك مِرارًا. وهي لا تُقَدِّر الجَمال والأشياء البَديعة. وهي لا تَشْعُر بالعاطفة. وهي لا تمتلك رَهافةً حِسِّيَّةً أخلاقيَّةً، ولا وَعْيًا أخلاقيًّا، ولا ضَميرًا أخلاقيًّا. والأهمُّ مِن هذا كُلِّه، الأهمُّ مِنْ هذا كُلِّه – دَوِّنوا ذلك: الأهَمُّ مِنْ هذا كُلِّه هو أنَّ صُورةَ اللهِ تُشيرُ إلى القدرة على الارتباط شخصيًّا معَ شخصٍ آخر؛ وتحديدًا معَ اللهِ نفسِه. وهذا يعني أنْ نكونَ قادرين على أنْ نَعرفَهُ، وأنْ نكونَ قادرينَ على أنْ نُحِبَّهُ، وأنْ نكونَ قادرينَ على أنْ نُطيعَهُ، وأنْ نكونَ قادرينَ على أنْ نَعْبُدَهُ.
واسمحوا لي أنْ أقولَ لكم الآتي: يمكن تلخيص جوهر صورةِ اللهِ مِنْ خلال الكلمة: "شَخْصِيّ". فنحن أشخاص. نحنُ أشخاص. ونحنُ نعيشُ ونتحرَّك على أساس العلاقات... العلاقات. ونحنُ نَفْهَمُ الشَّركة، ونَفهمُ المحبَّة، ونَفهمُ الشَّراكة، ونَفهمُ المُحادثة، ونفهم مشاركة الأفكار، ومشاركة المواقف، ومشاركة وُجهات النَّظر، ومشاركة الخبرات معَ الآخرين. لذلك، عندما خَلَقَ اللهُ الإنسانَ قالَ حالاً: "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ". لماذا؟ لأنَّ صورة الله هي الشَّخصيَّة. والشخصيَّة لا يمكن أنْ تَعمل إلَّا في إطار العلاقات. فصورة الله، يا أصدقائي، هي القدرة على إنشاء علاقات شخصيَّة. والأهمُّ مِن ذلك هو إنشاء علاقة شخصيَّة مع الله.
لِذا، ألا يَجْدُرُ بنا أنْ نَفهمَ أنَّهُ عندما قالَ اللهُ: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا" فإنَّهُ يُقَدِّمُ لنا في تلك النُّقطة فِكرة أنَّهُ إلَهٌ يَهتمُّ بالعلاقة. ثُمَّ إنَّهُ يَخْلِقُنا على تلك الصُّورة لكي نكونَ كائنات تَرْبُطُها علاقات. فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. فصورة الله هي القدرة على الارتباط بعلاقة شخصيَّة. واللهُ نفسُهُ لم يوجد يومًا كأقنومٍ مُنفرد، أو وحيد، أو مُستقلّ، أو مُنعزِل. بل إنَّهُ موجودٌ دائمًا في عائلة. فهو الآبُ. والأقنومُ الثَّاني هو الابْن، والأقنومُ الثالثُ هو الرُّوح القُدُس. وقد قالَ القدِيِّسُ العظيم "أثناسيوس" (Athanasius) (الَّذي عاشَ في القرن الرَّابع للميلاد) إنَّ الآبَ لم يكن يومًا مِنْ دون ابْنِهِ.
والسِّرُّ العَجيبُ لأصْلِ الشَّخصيَّة، ولأصْلِ الكِيانِ الشخصيِّ، هو أنَّ اللهَ الواحِدَ هُوَ إلَهٌ مُثَلَّثُ الأقانيم موجودٌ دون انفصال في الكِيان، أو الجوهر، أو الذَّات، أو الواقِع. والجوهر الواحد، والكِيان الواحد، والوجود الواحد لله يَتطلَّب شخصيَّة. وعندما خَلَقَنا اللهُ على صورته، خَلَقَنا بوصفنا أشخاصًا. وهذا يعني أنَّهُ خَلَقَنا كائنات تَرتبط بعلاقات. ولأنَّنا أشخاصٌ ونمتلك وعيًا ذاتيًّا فإنَّنا قادرونَ على الارتباطِ معًا بعلاقات. ولكِنْ لو كُنْتُ حَيَوانًا، لما أَدْرَكْتُ حَتَّى أنَّني موجود. وحينئذٍ، كيفَ سأُدركُ أنَّ أيَّ كائنٍ آخر موجود؟ ولكنِّي شخصٌ، وأعرفُ أنِّي موجود، وأعرفُ أنَّكُم موجودون، وأعرفُ أنَّ اللهَ موجود.
فاللهُ مُثَلَّثُ الأقانيم. واللهُ يَرتبط بعلاقة في إطار الأقانيم الثَّلاثة. وقد خَلَقَني لكي أكونَ مخلوقًا تَرْبُطُهُ علاقةٌ بالآخرين. وهذا هو الجانبُ الوُجودِيُّ أوِ الجانبُ الطبيعيُّ الَّذي هو صُورة الله: الشخصيَّة والعلاقة.
وهناكَ جوانب أخلاقيَّة أيضًا. وقد أَشَرْتُ إليها للتَّوّ. فلأنِّي شخصٌ أمتلك وعيًا، فإنَّني أمتلك صِفاتٍ أخلاقيَّة. فأنا أُمَيِّزُ بينَ الصَّوابَ والخطأ. وأنا أفهمُ الفضيلة. وأنا أفهمُ الأخلاق. وأنا أفهمُ البِرَّ، وأنا أفهمُ الخطيَّة. وأنا أفهمُ القداسة. وأنا أفهمُ العِصيانَ والتَّمَرُّد. وأنا أمْلِكُ القدرة على فِعْل الصَّواب. وأنا أمْلِكُ القدرة على فِعْل الخطأ. وأنا أملكُ القدرة على أنْ أكونَ في شركة مُقَدَّسة ومُحِبَّة معَ الآبِ السَّماويّ. وأنا أملكُ القدرة على مَعرفة الله، ومعرفة المسيح، ومعرفة الرُّوح القُدُس. كما أنَّني أملكُ القدرة، بصِفَتي شخصًا مخلوقًا على صورة الله، على التَّمييزِ بين الصَّوابِ والخطأ، وعلى التَّمييزِ بين الأمور الصَّالحة والأمور الطَّالِحَة.
والحقيقة هي أنَّني بوصفي إنسانًا، فإنَّني أُشْبِهُ الخليقةَ في شكلي الجسديِّ البدنيِّ. فأنا مخلوقٌ جَسَدِيٌّ. وأنا مخلوقٌ مِنْ نفسِ العناصِر، ومخلوقٌ مِن نفسِ المادَّة الذَّرِّيَّة، ومِنْ نفسِ العَناصِر الخَام. ولكِنَّ الشَّيءَ الَّذي يَجعلني مُمَيَّزًا هو الجُزءُ غيرُ المَرئيُّ مِنِّي. وهو الجزءُ الَّذي لا يمكنكم العثور عليه في حَمْضي النَّوويّ. وهو الجزءُ غير الموجود في الكروموسومات. فهو ذلك الجزء غير المنظور مِنِّي. وهو ذلك الشَّخص الحقيقيّ الَّذي يَجعلني مشابهًا لله، وقادرًا على إنشاءِ علاقاتٍ معكم ومعَ الله. والسُّؤالُ الَّذي بَقِيَ يُطْرَحُ على مَرِّ القُرون هو: هل جسدُ الإنسانِ يَحْمِلُ صورة الله؟ لا. ليسَ بالمعنى الدَّقيق والصَّحيح.
وأنا لا أريدُ أنْ أدخُل في دقائِق فلسفيَّة عويصة هنا، ولكنَّنا مِنْ تُرابٍ وإلى تُرابٍ. وهذا لا يُشبهُ الله. أمَّا شخصيَّتُنا فأبديَّة وتُشبه الله. ونحنُ قادرونَ على التمتُّع بعلاقات شخصيَّة، وسنتمتَّع بها إلى الأبد بعضُنا مع بعض في ملكوت الله ومعَ اللهِ نفسه. ولكِنْ معَ أنَّ الجسد لا يُعَبِّر كثيرًا عن صورة الله، فإنَّ الجسدَ يَعْمَلُ كواسطة تَظهر مِن خلالها صورة الله. ويمكنني أنْ أُعَبِّر عن هذه الفكرة بالطَّريقة التالية: لو لم يكن لديَّ جسد، لَواجَهْتُ صُعوبةً جَمَّةً في الارتباط بكم بعلاقة. لذلك، معَ أنَّ الجسد ليس صورة الله لأنَّ اللهَ روح وليس له جسد، فإنَّ جسدي هو الواسطة الَّتي تُستخدَمُ في العالمِ الماديِّ والعالمِ الملموس لكي تَظهر صورة الله مِن خلالها.
وقد قالَ "أوغسطينوس" (Augustine) إنَّ جسدَ الإنسانِ مُناسِبٌ لاحتواءِ نَفْسِهِ العقلانيَّة لا بسبب ملامح وجهه وبُنية جسمه، بل بسبب حقيقة أنَّهُ يقف مُنتصبًا، ويستطيع أنْ يَنظر إلى السَّماء وأنْ يُحَدِّق في الأعالي. وقد كانَ "جون كالفن" (John Calvin) يُؤمِن بالشَّيء نفسِهِ تقريبًا، أيْ أنَّ اللهَ جَعَلَنا نَقِفُ مُنْتَصِبين لكي نُواجِهَ بعضُنا بعضًا، ولكي نَنظر إلى أعلى ونواجِهَه. وهذه استعارة وصورة رمزيَّة لقدرتنا على إنشاء علاقات. فالجسد ليس صورة الله، بل إنَّ الجسد هو الواسطة. وقد كَتَبَ "هنري موريس" (Henry Morris) الكلمات التَّالية عن هذا الموضوع: "يمكننا فقط أن نقول أنَّهُ بالرَّغم مِنْ أنَّ اللهَ نفسَهُ ليسَ لهُ جسد ماديّ، فإنَّهُ صَمَّمَ جَسَدَ الإنسانِ وخَلَقَهُ لكي يُمَكِّنَهُ مِنْ مُمارسة وظائفه جسديًّا بطُرق يمكن أنْ يُمارِسَها اللهُ نفسُهُ مِنْ دونِ جسد.
"فاللهُ يَرى ويَسمع ويَشُمّ. وبحسب ما جاء في سِفْر التَّكوين 8: 21 فإنَّهُ قادرٌ أنْ يَلمس وأن يتكلَّمَ سَواءٌ أكانَ (أَمْ لم يكن) يَمْلِكُ بالمعنى الحَرفيِّ عَيْنَيْن، أو أُذُنين، أو أنفًا، أو يَدَيْن، أو فَمًا. فضلاً عن ذلك، عندما قَرَّرَ أن يَظْهَرَ بهيئة منظورة للإنسان، فَعَلَ ذلكَ بهيئة جسديَّة كما جاءَ في الأصحاح 18 مِنْ سِفْر التَّكوين. والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ على الملائكة. فهي كائنات روحيَّة، ولكِنْ هناك مُناسَبات ظَهَرَتْ فيها بهيئة جسديَّة.
ويقول "موريس": "لذلك، هناك شيءٌ بخصوص الجسد البشريّ يَجعلُ مِنَ المُلائمِ تمامًا أنْ يُظْهِرَ اللهُ نفسَهُ في مُناسباتٍ مُعَيَّنة. ولا بُدَّ أنَّهُ خَلَقَ جَسَدَ الإنسانِ آخِذًا هذا الأمرَ في الحُسْبان. لِذا فقد خَلَقَهُ لا كالحيواناتِ، بل بهيئة مُنتصِبَة، وأعطاهُ القُدرة على النَّظَر إلى أعلى، وقُدرة على استخدامِ تَعابيرِ الوَجْهِ بما يَتَّفِق معَ المشاعر العاطفيَّة، ووَهَبَهُ عَقْلاً ولسانًا قادرًا على التَّعبيرِ باستخدامِ لُغَةٍ رمزيَّة. وقد كانَ يَعلمُ، دونَ شَكٍّ، أنَّهُ في مِلْءِ الزَّمان سيصيرُ إنسانًا. وقد كانَ مُزْمِعًا أنْ يُجَهِّزَ في ذلك اليوم جَسَدًا بشريًّا لابْنِهِ، وأنَّهُ سيكونُ مُشابهًا للإنسان – تمامًا كما أنَّ الإنسانَ خُلِقَ على صورة الله". وقد أَحْسَنَ "موريس" القَوْل.
لِذا فقد خُلِقْنا على صورة الله. فنحن نمتلك شخصيَّة، وقدرة على إقامة علاقات، وفَهْمًا للصَّوابِ والخطأ والأخلاق؛ وهي أمورٌ مُهمَّة جدًّا لعلاقاتنِا كُلِّها؛ ولا سِيَّما لعلاقَتِنا معَ الله.
وبالمناسبة، هناكَ استخدامٌ مُدهشٌ جدًّا لصيغة المُفرَد وصيغة الجَمْع هُنا. فنحنُ نقرأ في العدد 26: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ". ألا تَجِدونَ أنَّهُ مِنَ المُدهشِ أنَّ الكلمة "إنسان" الَّتي تَرِد بصيغة المُفْرَد (في اللُّغة الإنجليزيَّة) تَرِد في الكلمة "فيتسلَّطونَ" بصيغة الجَمْع: "نَعْمَلُ الإنسانَ... فيتسلَّطونَ"؟ ونقرأ في العدد 27: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ". فهُنا، تأتي كلمة "الإنسان" بصيغة المُفرد. لذلك، يمكن الإشارة إلى الإنسان بصيغة المُفرَد، أو بصيغة الجَمْعِ إشارةً إلى البَشَر عامَّة. فالكلمة "إنسان" تُشيرُ إلى البشر جميعًا. فاللهُ خَلَقَ البشرَ جميعًا، ولكنَّهُ خَلَقَ البَشَرَ بأنْ خَلَقَ إنسانًا واحِدًا (أوَّلَ إنسانٍ) ثُمَّ خَلَقَ أُنْثَى. وقد تَكاثَرَ الاثنان وَأَنْجَبا الجنسَ البشريَّ كُلَّهُ.
والكلمة "إنسان" تُشيرُ إلى شخصٍ واحد. وفي الأصحاحِ الثَّاني، نَرى أنَّ آدَمَ خُلِقَ أوَّلاً. ولكِنَّ الكلمة "آدَم" هي كلمة عامَّة أيضًا وتَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنثى. لذلك فإنَّ صيغةَ الجَمْعِ "خَلَقَهُم" تُسْتَخدَم هنا. ولكِنَّنا نَرى الخَلْقَ المُنْفَصِلَ لِكُلٍّ منهُما في الأصحاح الثَّاني. فقد خَلَقَ اللهُ آدَمَ أوَّلاً، ثُمَّ إنَّ آدَمَ أَطْلَقَ على جميعِ الحَيَواناتِ أسماءً.
وقد قالَ أحدُ الأشخاصِ إنَّ السَّبب في أنَّ اللهَ لم يُعْطِ آدَمَ زوجةً إلَّا بعدَ أنْ سَمَّى جميعَ الحيواناتِ هو سَبَبٌ واضِح. فهو لم يكن مُضطرًّا لأخذِ رأيِها. ولا أدري إنْ كانَ هذا صحيحًا أَم لا. وسوفَ أُلَطِّفُ الأمرَ قليلاً بأنْ أقول إنَّهُ لو كانت حَوَّاءُ موجودة فإنَّ عمليَّة تسمية الحيوانات ستكونُ أبطأ جِدًّا. فلا علاقة لهذا الأمرِ بمسألةِ الأنوثة، بل هو أمرٌ يَختصُّ بأخْذِ رَأيِها.
والآنْ، لننظر إلى النَّصِّ ونَخْتِمُ حَديثَنا. فما يزالُ أمامَنا الكثير لنقوله. عندما خَلَقَ اللهُ الإنسانَ، فإنَّ السَّبَبَ الَّذي يَجْعَلُهُ يقول إنَّهُ "خَلَقَهُم" مَذكورٌ في نهاية العدد 27 لأنَّهُ يَذكُر أنَّهُ "خَلَقَهُ"، ثُمَّ نقرأُ: "ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ" ... ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وهذا يُعيدُنا إلى النُّقطة الثانية. وأعتقد أنَّهُ مِنَ الأفضَل، على الأرجَح، أنْ نُرْجِئَ الحديثَ عن هذه النُّقطة إلى المَرَّة القادمة. فهي نُقطة مُدهشة. ولكِن اسمحوا لي فقط أنْ أُخبرَكُم عنِ الأشياءِ الأربعةِ الَّتي تُمَيِّزُ خَلْقَ الإنسان.
أوَّلاً، أنَّهُ خُلِقَ على صُورة الله. فهذا هو الشَّيء الأوَّل. فقد خُلِقَ لتكونَ لهُ شَخصيَّة ولتكونَ لَهُ علاقات. ثانيًا، أنَّهُ خُلِقَ بوصفِهِ سَيِّدًا على الأرض كَيْ يَتَسَلَّطَ على الخليقةِ ويُخْضِعَها. ثالثًا، لقد خُلِقَ بوصفِهِ الكائِنَ الَّذي سيَلِد الجنسَ البشريَّ لأنَّهُ كانَ ينبغي أنْ يَمْلأَ الأرضَ. رابعًا، لقد خُلِقَ كَيْ يكونَ المُتَلِّقي لكُلِّ الغِنى والوَفْرَة المُحيطة به. وهذا يَجْعَلُهُ أَسْمَى جِدًّا مِنَ الحَيَوانات. وهناكَ سِمَة أخيرة تُمَيِّزُ الإنسان. فإذا أردتُم أنْ تتحدَّثوا عنِ الشَّخصيَّة، وإذا أردتُم أنْ تتحدَّثوا عنِ العلاقات، اسمعوني جيِّدًا: يجب عليكم أيضًا أنْ تتحدَّثوا عنِ اللُّغة. أليس كذلك؟ فكم علاقة يمكنك أنْ تُنْشِئ إن كانَ كُلُّ ما يمكنك القيام به هو إصْدارُ بعضِ الأصوات؟ وقد تَقولين: "ولكِنَّ هذا يَنْجَح مَعَ زَوْجي ولا بأسَ في ذلك". حسنًا! لا بأسَ في ذلك.
ولكِنَّ العلاقاتِ تَتطلَّب تَخاطُبًا. أليس كذلك؟ فالحَيَواناتُ عاجزة عنْ التَّواصُل. فهي لا تملك وَعْيًا ذاتيًّا. وهي ليست لها شخصيَّة. وهي لا تمتلك علاقات. فهي تفعل كُلَّ ما تفعل بطريقة غريزيَّة لتحقيق غاية واحدة في الحياة وهي: الأكْلُ للحفاظ على حياتِها. أمَّا عندما نَنظرُ إلى البشر، فإنَّنا نَجِدُ أنَّهُم قادرونَ على التكلُّم باستخدام لُغَة. وهذا أمرٌ مُدهش. وقد أخبرتُكم قبل بضعة أسابيع أنَّهُ كانت هناك مقالة كاملة في مجلَّة نيوزويك (Newsweek magazine) تتحدَّث عن أنَّ العلماء يحاولونَ عَبَثًا أنْ يفهموا [دُوْنَ جَدْوى] كيفَ طَوَّرَ الإنسانُ القُدرةَ على التكلُّمِ بلُغات، وأنْ يتحدَّثَ بطريقة مُجَرَّدة، وأنْ يُفَكِّرَ بطريقة مُجرَّدة.
وتُبَيِّنُ الدراسات اللُّغويَّة، كما يقول العالِمان اللُّغويَّان "أولر وَ آمْدال" (Oller and Amdahl) أنَّهُ: "مِنَ الواضحِ أنَّ البشر، ولا أحدَ سِوى البشر، قد صُمِّمُوا بطريقة مُعيَّنة تجعلهم قادرين على اكتساب نِطاقٍ مِنَ الأنظمة اللُّغوية، وهو نِطاقُ الأنظمة اللُّغويَّة الَّذي نَراهُ واضحًا مِنْ خلال اللُّغات الموجودة في العالم والتي يزيدُ عددُها عن خمسة آلاف لُغة". وهذا مُدهش. فهناك نحو خمسة آلاف لغة في العالم. والبشرُ هُمُ الوحيدون القادرون على اكتساب هذه اللُّغات. وقد تقول: "وماذا عنِ الدَّلافين؟ فعندما تقولُ لها ’اقفِزي‘ ألا تَقْفِز؟" إنَّها لا تقفز لأنَّك قلتَ لها ’اقفزي‘ أو لأنَّها فَهِمَت فَهْمًا مُجَرَّدًا أنَّ تلكَ الحروف الَّتي تتشكَّل منها تلك الكلمة تَعني أنْ تَقْفِزَ في الهواء. بل إنَّهُمْ يُعَلِّموها أنَّها إنْ قَفَزَتْ فإنَّها ستحصل على سَمَكةٍ مُكافأةً لها. وهي تَتعلَّمُ ذلك.
ويقول "أولر وَ آمْدال": "إنَّ مُعَدَّل تَعَلُّم المُفردات عالٍ جدًّا في مراحل مُعيَّنة مِنَ الحياة، وإنَّ مِعيارَ الدِّقَّة والإتقانَ في المفاهيم المكتسبة مُدهشٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الاستنتاجِ بأنَّهُ، إلى حَدٍّ ما، فإنَّ النِّظامَ المَفاهيميَّ الَّذي ترتبط به المُفردات المُعْجَمِيَّة موجودٌ في تَكوين الإنسان". ويا للعجَب! فهذا وَصْفٌ عِلْمِيٌّ يَعْني إنَّ شَيئًا يَحْدُث في قدرة العقل البشريّ على التَّفكير بطريقة مُجَرَّدة، وأنَّ هذا الشَّيءَ يتطلَّبُ اكتسابَ اللُّغة لإشباعِه. ونحنُ جميعًا نَبتدئ في رؤية ذلك عند الأطفال. أليس كذلك؟ فَهُمْ يبتدئونَ في النُّطْق ويبتدئونَ في فَهْمِ التَّعقيدات اللُّغويَّة في التَّخاطُب.
وقد بَيَّنَ "نِيُوم تشومسكي" (Noam Chomsky)، وهو لُغَوِيٌّ يَهوديٌّ بارِع، أنَّ القدرة على تَعَلُّم اللُّغة هي جُزءٌ لا يتجزَّأ مِنْ كِيانِ الإنسان. وهو يُبَيِّن أنَّ القرود العُليا نَفْسَها تبقى عاجزةً عنِ التَّعامُلِ مَعَ نِظامِ الأرْقامِ أوْ مَعَ أيِّ خَواصّ مَكانيَّة مُجَرَّدة، أو بصورة عامَّة مع أيِّ نظامٍ مُجَرَّدٍ للتَّعابير. ويتحدَّث "تشومسكي" في مَوْضِعٍ آخر عن البُنَى العقليَّة الموهوبة للبشر، وعن البُنى العميقة في البشر الَّتي تُؤدِّي إلى ظهور قواعد لُغَويَّة شاملة غير مُتغيِّرة بين البشر. وهذا صحيح. فيمكنك أنْ تأخذ أيَّة لغة موجودة، وأنْ تُترجمها إلى أيَّة لُغة أخرى موجودة لأنَّ العناصر البُنيويَّة لِلُّغَة مُتطابقة. فهي حرفيًّا جزءٌ مِنْ تركيب صورة الله حَتَّى نتمكَّن نحنُ، بِصِفَتِنا مَخلوقات تمتلك علاقات وشخصيَّة، مِنَ التَّواصُل.
فكُلُّ الأشياء الضَّروريَّة موجودة هنا. وبالمناسبة، فقد أَجْرَى "نِيُوم تشومسكي" بَحْثًا عن تَفَرُّدِ الأجناسِ البشريَّةِ فيما يَختصُّ باللُّغة؛ وهو بَحْثٌ مُقنعٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُلاقي تَرحيبًا في أوساط أنصار نظريَّة التطوُّر. وقد وَصَفوهُ بأنَّهُ مِنْ أنصارِ الخَلْق؛ ولكنَّهُ يُنْكِرُ ذلك.
وخِلافًا للقِرَدَة وغيرها مِنَ المخلوقات الحيَّة، فإنَّ قُدرة الإنسان اللُّغويَّة هي بابٌ يُفْضِي إلى رِحابِ العالَمِ الأبديِّ. وهي بابٌ يُفْضِي إلى حَضْرَةِ الله. وهي تتطلَّب الإقرارَ بأنَّنا خُلِقْنا على أُنْموذَجٍ سَماوِيٍّ للتخاطُبِ بعضُنا معَ بَعْضٍ، وللتَّخاطُبِ معَ خَالِقِنا الَّذي خَلَقَنا على صُورته. ويَكتُبُ "أولر وَ آمْدال": "إنَّ قُدرتنا اللُّغويَّة لا يمكن أنْ تكونَ قد نَشأت في الحُدود الضَيِّقة لأيَّة خبرة مَهما كانت مُدَّتُها الزَّمنيَّة. فحتَّى لو أنَّ جميع أيونات العالم المؤلَّف مِنْ مَكانٍ وزَمان تَضاعَفَتْ حتَّى صار عَدَدُها غير محدودٍ، فإنَّ العالمَ الماديَّ سيبقى عاجِزًا عن أنْ يكونَ مَسؤولاً عنِ المفاهيم المُجَرَّدة الَّتي يمكن لأيِّ إنسانٍ أنْ يَفهمَها بسهولة مِن خلال هِبَة اللُّغة". وهذا مُدهش! فاللهُ النَّاطِقُ هو الوحيدُ القادر أنْ يَخْلُقَ بَشَرًا ناطِقين. أليسَ كذلك؟ فاللهُ يتخاطَب. وكذلكَ نحن. لذلك فقد خُلِقْنا على صُورتِه. وفي الأسبوع القادِم، سنتحدَّث عن النِّقاط المُتبقِّية وهي: سِيادَة الإنسان على الأرض، وتَكاثُر الإنسان، وحصول الإنسان على البَرَكات الغَنِيَّة.
يا رَبّ، لقد كان هذا اليومُ يومًا رائعًا، وكان هذا المساءُ مساءً رائعًا إذْ تَأمَّلنا في كُلِّ هذه الأشياء. ونحنُ نَشكُرك على قُدرة كلمتِك على إزالة كُلِّ تشويش وارتباك يَحْدُثُ في أذهانِنا غالبًا بسببِ الأشخاصِ غير المؤمنين. ونحنُ نَشكُرك لأنَّ كلمتَك واضحة. ونحنُ نريدُ أنْ نكونَ أُمناء لكلمتك بِشَتَّى السُّبُل المُمكنة. ونحن نَعترِفُ بأنَّكَ أنتَ الخالِق الَّذي خَلَقْتَ كُلَّ شيءٍ بالطَّريقة المُبَيَّنة في الكتاب المقدَّس، وبأنَّكَ خَلَقْتَنا لكي نَتَمَتَّعَ بعَلاقَةٍ مَعَك. فقد خَلَقْتَنا لنفسِك. وأنفُسُنا لن تَجِد راحَتَها إلَّا عندما تتحقَّق هذه العلاقة. ونحنُ نَشكُرُك لأنَّنا نستطيعُ أنْ نَعرِفَكَ وأنْ نَعْرِفَ بعضُنا بعضًا. ونحنُ نَشكُرُكَ لأنَّ أفضَلَ ما في الحياة موجود في العلاقات الشخصيَّة. وأفضَلُ الكُلِّ هو أنْ نتمتَّعَ بعلاقةٍ معك بِوَصْفِكَ خالِقَنا ومُخَلِّصَنا. ويا لَهُ مِنَ امتيازٍ عظيمٍ لنا! ويا لها مِنْ بَرَكَةٍ عظيمةٍ! ونحنُ مُمْتَنُّونَ جِدًّا. آمين!

This article is also available and sold as a booklet.