Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لا شَكَّ في أنَّ عالَمَنا مَشغولٌ بِمسألةِ أُصُول الأشياء. فنحنُ نَسمعُ عَنها ونَقرأُ عنها طَوالَ الوقت. وفي كُلِّ إصدارٍ تَقريبًا مِنَ الصَّحيفةِ اليَوميَّة، وفي كُلِّ إصدارٍ مِنْ إصداراتِ المَجلاَّتِ الكُبرى في أُمَّتِنا، لا بُدَّ أن نَقرأَ نِقاشاتٍ عَنْ أُصُولِ الأشياء؛ أيْ كَيفَ نَشأتِ الأشياءُ وَصَارتْ على الهَيئةِ الَّتي هِيَ عليها سَواءَ في الكَونِ المَادِّيِّ، أو في الكَونِ الرُّوحيِّ، أو في عِلْمِ الاجتماعِ البَشريِّ، أو في عِلمِ التَّشريحِ البَشريّ. ولكي نَعرِفَ حَقيقةَ البِداياتِ، لا بُدَّ أن نَعودَ إلى الكتابِ المقدَّس. فاللهُ أعطانا قِصَّةَ الأُصُولِ في سِفْرِ التَّكوين. فَفي سِفْرِ التَّكوين والأصحاحَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني، نَقرأُ عن أصْلِ الكَونِ المَادِّيِّ كَما نَعرِفُهُ. وفي الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْرِ التَّكوين، نَقرأُ عَن أصْلِ الشَّرّ.

افتَحُوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على سِفْرِ التَّكوينِ والأصحاحِ الثَّالث. وأريدُ أن أقرأَ هَذا المَقطعَ على مَسامِعِكُم لكي يَتَرَسَّخَ في أذهَانِكُم. فبعدَ أنْ خَلَقَ اللهُ الكَوْنَ في سِتَّةِ أيَّامٍ، استَراح. وَكانَ كُلُّ شَيءٍ صَنَعَهُ [بِحَسَبِ مَا جَاءَ في الأصحاحِ الأوَّلِ والعَدد 31] حَسَنًا جدًّا. ثُمَّ إنَّ اللهَ استَراحَ. وقد خَلَقَ اللهُ كَوْنًا كَامِلاً. ولكِنَّنا نَعيشُ في كَونٍ أبعَدُ مَا يَكون عَنِ الكَمال. وَهُناكَ سَبَبٌ لذلك. فعندما تَصِلونَ إلى الأصحاحِ الثَّالثِ، نَرى مَشهَدًا درامِيًّا يَحدُثُ. وَهَذا هُوَ السَّببُ في أنَّ العَالَمَ على الصُّورةِ الَّتي هُوَ عَليها. "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا». فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ".

إنَّ التَّشخيصَ الصَّحيحَ لحالةِ الإنسانِ يَنبُعُ مِن ذلكَ الحَدَث. فاللهُ الَّذي خَلَقَ الكَونَ هُوَ إلَهٌ كُلُّهُ صَلاحٌ وَلا يُوجَدُ فيهِ شَيءٌ سِوى الصَّلاح. وَقد كانت خَليقَتُهُ الأصليَّةُ صَالِحَةً ولا يُوجَدُ فيها سِوى الصَّلاح. فَقد كَانَ صَلاحُ خَليقَتِهِ يَعكِسُ صَلاحَ طَبيعَتِه. والآن، اسمَحُوا لي أن أتحدَّثَ بِطريقةٍ فَلسفيَّةٍ قَليلاً مَعَكُم. اللهُ ليسَ هُوَ مَنْ صَنَعَ الشَّرَّ. فَإنْ كَانَ اللهُ هُوَ مَن صَنَعَ الشَّرَّ لَكانَ صَالِحًا وشِرِّيرًا. وإنْ كَانَ اللهُ صَالِحًا وشِرِّيرًا لَما كَانَ هُناكَ أيُّ أَمَلٍ في انتصارِ الصَّلاحِ في النِّهايَةِ كَما يَعِدُ الكتابُ المقدَّس. فإنْ كَانَ اللهُ نَفسُهُ شِرِّيرًا، لا يُمكِنُهُ أن يَنتصِرَ على الشَّرّ. لِذا، لا يُمكِنُ للخَيرِ أن يَنتصِر. وإنْ كَانَ اللهُ هُوَ مَصدرُ الشَّرِّ لَكانَ هُوَ نَفسُهُ شِرِّيرًا. وإنْ كَانَ اللهُ نَفسُهُ شِرِّيرًا، لن يَكونَ هُناكَ أيُّ أساسٍ للخَلاص لأنَّ اللهَ لا يَقدِرُ أن يُخَلِّصَنا مِنَ الشَّرِّ إنْ كَانَ الشَّرُّ مَوجودًا في طَبيعَتِه.

لِذا فإنَّ الإعلانِ الكِتابِيَّ عَنِ الصَّلاحِ الأصلِيِّ للخَليقَةِ يَحمي صَلاحَ الله. وَهُوَ يَجعلُ مَصدرَ الشَّرِّ مَوجودًا خَارِجَ نِطاقِ الله. وعندما يَكونُ مَصدرُ الشَّرِّ مَوجودًا خَارِجَ نِطاقِ اللهِ، يَستطيعُ اللهُ في هذهِ الحَالَةِ فقط أن يَغلِبَ الشَّرَّ وَيُخَلِّصَ الخُطاةَ مِنَ الشَّرّ. وهُناكَ مُلاحَظَةٌ أريدُ أن أَقولَها هُنا وَهِيَ أنَّهُ لَو كانَ اللهُ قَدِ استَخدَمَ أيَّةَ عَمليَّةِ نُشوءٍ لِخَلْقِ الأشياءِ فَإنَّ النُّشوءَ يَقومُ على التَّحَلُّلِ والمَوتِ؛ وَهُما شَيئانِ نَاتِجانِ عَنِ الشَّرِّ أو يَعكِسانِ الشَّرّ. لِذا، إنْ كانَ اللهُ قدِ استَخدَمَ أيَّ شَكلٍ مِن أشكالِ النُّشوءِ لِخَلْقِ الأشياءِ لَكانَ اللهُ هُوَ أَصْلُ الشَّرِّ. فَقد خَلَقَ التَّحَلُّلَ، وَخَلَقَ المَوت. ولو كَانَ اللهُ قدِ استخدَمَ أيَّ شَكلٍ مِن أشكالِ النُشوءِ لَمَا كَانَتْ خَليقَتُهُ حَسَنَةً جدًّا، ولَمَا كَانَت كاملةً عندما خَلَقَها، بَلْ لَكانَتْ على الحَالِ الَّتي هِيَ عليها الآن بِسَببِ التَّحَلُّلِ والمَوت. لِذا، لو كانَ قَدِ استَخدمَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ في عمليَّةِ الخَلْقِ، وَكُنَّا نَعلَمُ أنَّ هَذينِ الشَّيئَيْنِ يَدُلاَّنِ على الشَّرِّ، لا بُدَّ أنْ يَكونَ اللهُ نَفسُهُ شِرِّيرًا. ولكِنَّ إلَهَنا ليسَ شِرِّيرًا، بل إنْ إلَهَنا إلَهٌ كُلُّهُ صَلاحٌ وَلا يُوجَدُ فيهِ سِوى الصَّلاح.

لِذا فإنَّ السُّؤالَ المَطروحَ هُوَ: مِن أينَ جَاءَ الشَّرُّ؟ والجَوابُ على ذلكَ السُّؤالِ هُوَ أنَّ كُلَّ مَا نَعرِفُهُ هُوَ مَا أعلَنَهُ لَنا الكتابُ المقدَّس. فَلا فَائِدَةَ تُرْجَى مِنَ التَّخمينِ بهذا الخُصوص. وَلا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يُنكِرَ حَقيقةَ وُجودِ شَرٍّ في العَالَم. فالجَميعُ يُقِرُّ بذلك. صَحيحٌ أنَّ هُناكَ أشخاصًا لا يُقِرُّونَ بأنَّنا فَاسِدونَ تَمامًا وبأنَّهُ تُوجَدُ خَطيَّةٌ أَصليَّةٌ فينا، وَصَحيحٌ أنَّ هَناكَ أشخاصًا لا يُقِرُّونَ بأنَّنا أشرارٌ وَفاسِدونَ في أعماقِنا، ولكِنَّ الجَميعَ يُقِرُّونَ بأنَّهُ يُوجَدُ شَرٌّ في العَالَمِ بدرجاتٍ مُتفاوِتَة.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّ مُشكلةَ الشَّرِّ في العَالَمِ شَغَلَتْ أعظمَ العُقولِ في التَّاريخ. فَلا شَكَّ في أنَّنا نَتَّفِقُ في بَلَدِنا، أو في تَاريخِ بَلَدِنا، على أنَّهُ لم يُوجَد عَقْلٌ أعظمُ، وَلا قُدرةٌ عَقليَّةٌ تَفوقُ تِلكَ الَّتي كَانَ يَمتَلِكُها "ألبيرت آينشتاين". فَلا يَكفي أن نَقولَ عنهُ إنَّهُ أعظمُ عَالِمٍ في هَذا القَرنِ، بَل رُبَّما كَاَن أعظمَ مُفَكِّرٍ عَرَفْناهُ في الأزمنةِ الحَديثَة. وبالنِّسبةِ إلى ألبيرت آينشتاين، وبِقَصْدِ التَّوضيحِ فقط، على الرَّغمِ مِن أنَّهُ كانَ عَالِمًا عَظيمًا، وَعلى الرَّغمِ مِن أنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ عَقلاً عَظيمًا، فإنَّ أكبرَ عَقَبَةٍ فِكريَّةٍ أمامَ إيمانِهِ بالمَسيحِ لم تَكُن تَتَمَثَّلُ في السُّؤالِ المُختصِّ بِخَلْقِ اللهِ للعَالَم. فالمَنطِقُ البَسيطُ المُسَمَّى "مَنطِقُ السَّببِ والنَّتيجَةِ" لم يَكُن شَيئًا يَصعُبُ على آينشتاين أن يَستوعِبَهُ. فقد رَأى أنَّ الكَونَ هُوَ نَتيجَة، وَأنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ مَصدرٍ لَهُ. وَقد رَأى أنَّ الكَونَ صُمِّمَ وَأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكونَ لَهُ مُصَمِّم. وَقد رَأى أنَّهُ كَوْنُ مُنَظَّمٌ وَأنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ عَقْلٍ مُنظِّمٍ لَهُ. لِذا فقدِ استَنتَجَ آينشتاين أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ عَقلٍ وَراءَ الكَون. وَقد رَفَضَ فِكرةَ أنْ المَادَّةُ كَانَت تُحَوِّمُ في الفَضاءِ بِلا هَدَفٍ إلى أنْ شَاءَتِ الصُّدْفَةُ أنْ تَتَشَكَّلَ على هَيئةِ الكَونِ المَوجودِ الآن. وَكَما قَالَ [وَأنا أَقتَبِسُ كَلامَهُ هُنا]: "الكَوْنُ يَكشِفُ عَنْ عَقلٍ خَارِقِ الذَّكاءِ يَفوقُ كُلَّ ذَكاءٍ بَشريٍّ".

لا! فآينشتاين لم يَتَعَثَّرْ بفكرةِ أنَّ اللهَ هُوَ الخَالِق. ولكِنَّ الشَّيءَ الَّذي عَجِزَ آينشتاين عَنِ استيعابِهِ هُوَ شَيءٌ أعوَصُ بكثير مِن عَقيدةِ الخَلْق. فَقد عَجِزَ عَنِ استيعابِ مُعضِلَةِ الشَّرِّ والألم. فقد كانَ يَعلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ مُصَمِّمٍ، ولكِنَّهُ عَجِزَ عَنْ فَهْمِ شَخصيَّةِ ذلكَ المُصَمِّم. فكيفَ يُعقَلُ أنْ يَكونَ اللهُ صَالِحًا وَأنْ يَسمَحَ بحدوثِ أمورٍ مُريعةٍ للنَّاس؟ فقد عَجِزَ آينشتاين عن حَلِّ مُعضلةِ الشَّرِّ والألمِ بوجودِ إلَهٍ صَالِح. لِذا فقدِ ابتَعَدَ تَمامًا عنْ إلَهِ الكتابِ المقدَّس، وَعَنِ اللهِ الَّذي كَانَ قَد نَشَأَ نَشْأةً يَهوديَّةً على الإيمانِ بِهِ.

والشَّيءُ الَّذي أَعْثَرَ آينشتاين حَقًّا هُوَ أنَّهُ كَانَ يُؤمِنُ بالقَضاءِ والقَدَر؛ أيْ أنَّهُ كَانَ يُؤمِنُ بأنَّ البَشَرَ آلاتٌ مُعَقَّدَة. وَقد كَانَ يَراهُم يَفعلونَ ببساطَةٍ الأشياءَ الَّتي تَمَّتْ بَرْمَجَتُهُم لِيَفعلوها بِفِعْلِ القُوَى الطَّبيعيَّةِ الَّتي لا يَستطيعُ أَحَدٌ أن يُقاوِمَها. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ آينشتاين استَنتَجَ أنَّ البَشَرَ يُشبِهونَ الدُّمَى الَّتي تُحَرَّكُ بواسِطة مِفتاح. فَإنْ أَدَرْتَ المِفتاحَ فإنَّها تَعمَلُ الأشياءَ الَّتي صُنِعَت لِتَعمَلَها. وقدِ استَنتَجَ بأنَّهُ إنْ كَانَ الأمرُ كذلكَ، لا يُمكِنُ أن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ اسمُهُ "أخلاق"، وَلا يُمكِنُ أن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ اسمُهُ "صَواب" أو "خَطأ"، وَلا يُمكِنُ أن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ اسمُهُ "خَطِيَّة"، وَلا يُمكِنُ أن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ اسمُهُ "ذَنْب". فإنْ كَانَتْ أفعالُ الإنسانِ مُقَرَّرَة مُسَبَّقًا، وَإنْ كَانَ الإنسانُ مُجَرَّدَ دُمْيَةٍ مُتَحَرِّكَةٍ تُدارُ مِن خِلالِ عَقْلٍ كَونِيٍّ لِتَفعلَ مَا صَمَّمَها لِتَفعلَهُ، لا يُعْقَلُ أنْ يَكونَ الإنسانُ مَسؤولاً عَمَّا يَفعلُهُ أمامَ الله. وَقد قالَ آينشتاين إنَّ الإنسانَ ليسَ مَسؤولاً عَمَّا يَفعلُهُ، كَما أنَّ الحَجَرَ ليسَ مَسؤولاً عَنِ الضَّرَرِ الَّذي أَحْدَثَهُ الشَّخصُ الَّذي رَمَاه.

إذًا، مَنِ المَسؤول؟ لا بُدَّ أنْ يَكونَ اللهُ هُوَ المَسؤول! هَذِهِ هِيَ النَّتيجةُ الَّتي وَصَلَ إليها آينشتاين. ولكِنْ إنْ كانَ اللهُ هُوَ المَسؤول، لا يُعقَلُ أن يَكونَ إلَهًا صَالِحًا لأنَهُ المَسؤولُ عَنِ الشَّرّ. وإنْ كَانَ اللهُ مَسؤولاً، أيْ إلَهُ اليَهوديَّةِ، أو إلَهُ المَسيحيَّةِ، فإنَّهُ يَجعَلُنا نَفعلُ أُمورًا سَيِّئَةً وأمورًا صَالحةً. وَقد قالَ آينشتاين، إنْ كانَ اللهُ كذلك، لا بُدَّ أنَّ يَحكُمُ على نَفسِهِ دائمًا بأنَّهُ شِرِّير. وَلم يَتمَكَّن آينشتاين مِن قَبولِ ذلك. فهو لم يَقبَل فِكرةَ أن يَكونَ اللهُ صَالحًا وشِرِّيرًا. لِذا فقد قَرَّرَ أنَّهُ لا يُوجَدُ إلَهٌ شَخصيٌّ البَتَّة. وَقد رَفَضَ إلَهَ اليَهوديَّةِ، ورَفَضَ إلَهَ المَسيحيَّةِ، ورَفَضَ إلَهَ الكتابِ المقدَّسِ، واستَنتَجَ أنَّ اللهَ مَوجودٌ بِصِفَتِهِ عَقْلاً كَونِيًّا غَيرَ شَخصيٍّ. فَهُوَ مُجَرَّدُ قُوَّةٍ مَنطقيَّةٍ تُعطي العَالَمَ بُنْيَتَهَ المَنطقيَّة. وإنْ كُنتُم قَد دَرَستُمُ الفَلسفةَ، لا بُدَّ أنَّكُم تَعلَمونَ أنَّهُ كَانَ يُؤمِنُ بإلَهِ الفيلسوف "سبينوزا" (Spinoza). وفِكرةُ آينشتاين القائلة إنَّ البَشَرَ مُجرَّدُ آلاتٍ كانت قائمةً على حَقيقةِ وُجودِ عَقلٍ غيرِ شَخصيٍّ خَلَقَ تِلكَ الآلات. فَهُوَ لا يُعْقَلُ أن يَكونَ إلَهًا شَخصيًّا يَمتَلِكُ أيَّةَ طَبيعةٍ شَخصيَّة.

ولكِنَّ آينشتاين كانَ على خَطأ. وَكَما قُلتُ لَكُم قبلَ بِضعةِ أسابيع عندما كُنتُ أتحدَّثُ عن آينشتاين في سِياقٍ آخر: "لم يَفهَم آينشتاين ذلكَ يَومًا". فَهُوَ لم يَفهم يَومًا اللهَ فَهمًا سَليمًا بِوَصفِهِ القُوَّةَ الخَالِقَة. لِذا فقد مَاتَ وَهُوَ في حَالَةِ عَدَمِ رِضَا، وَماتَ دُونَ أن يَعرفَ حَقًّا القُوَّةَ الحَقيقيَّةَ في الكَون. ولكِنَّ آينشتاين كانَ على خَطأ بخصوصِ الله. فاللهُ إلَهٌ شَخصيٌّ. واللهُ ليسَ مَسؤولاً عَنِ الشَّرّ. وتَتَلَخَّصُ مُشكلةُ آينشتاين في أنَّهُ لم يُؤمِن بأسفارِهِ المُقَدَّسَةِ؛ أيْ بالأسفارِ المُقَدَّسَةِ اليَهوديَّة.

والآن، عِندَما نُفَكِّرُ في أَصْلِ الشَّرِّ، نَجِدُ أنفسَنَا أمامَ خِياراتٍ عَديدة. وإليكُم الخِيارات الشَّائِعَة: أوَّلاً، يُمكِنُكَ أن تَتَبَنَّى مَوقفَ آينشتاين القائِل إنَّهُ تُوجَدُ قُوَّةٌ كَونيَّةٌ لا يُمكِنُنا أن نَعرِفَها، وَغَير شَخصيَّة إذْ إنَّها مُجَرَّدُ قُوَّةٍ عَاقِلَةٍ ولكِنَّها بِلا شَخصيَّة مُحَدَّدة، وَلا تَرتبط بأيَّة عَلاقات، وغير قادرة على التَّواصُل مَعَنا. فهي مُجرَّدُ قُوَّةٍ كَونِيَّةٍ أزليَّةٍ، أو قُوَّةٍ عَاقلةٍ خَلَقَتْ كُلَّ شَيءٍ في كَونِنا. يُمكِنُكَ أنْ تَتَبَنَّى هَذا الرَّأي. فَاللهُ ليسَ إلهًا شَخصيًّا، وَلا يَستطيعُ أن يَعرِفَ وَلا أنْ يُعْرَف. أو يُمكِنُكَ أن تَتَبَنَّى مَوقِفًا آخرَ؛ وَهُوَ المَوقِفُ الَّذي يَقولُ إنَّ اللهَ غَيرُ مَوجودٍ أصلاً. وَهَذا الرَّأيُ هُوَ رَأيُ المُلْحِدِ الَّذي يُفَكِّرُ بِعَقلِهِ ويَقول: "لا تُوجَد قُوَّة، وَلا تُوجَد قُدرة، ولا يُوجَد عَقلٌ مُدَبِّر، وَلا يُوجَدُ أيُّ شَيءٍ البَتَّة هُناك. فالكَونُ خَلَقَ نَفسَهُ بنفسِه. وَحيثُ إنَّهُ لا يُوجَدُ إلَهٌ، لا يُوجَدُ شَرٌّ، ولا يُوجَدُ خَيرٌ في الوَاقِع. فَهذانِ الشَّيئانِ هُمَا مُجَرَّدُ قَرارانِ شَخصيَّانِ مِن صُنْعِ البَشَر. ولكِنْ لا يُوجَدُ خَيرٌ أو شَرٌّ حَقيقيَّان".

أو يُمكِنُكَ أن تَتَبَنَّى مَوقفًا آخر. فيُمكِنُكَ أن تَتَبَنَّى المَوقفَ الَّذي يَقولُ إنَّ الألمَ والشَّرَّ والمَوتَ هِيَ أُمورٌ غَير مَوجودة في الحَقيقة. فاللهُ صَالِحٌ. لِذا فإنَّ كُلَّ شَيءٍ صَالِحٌ؛ ولكِنَّكَ تَظُنُّ فقط أنَّهُ غَير صَالِح. وَهَذا يَعني أنَّ الشَّرَّ وَهْمٌ، وَأنَّ المُعاناةَ وَهْمٌ، وَأنَّ المَوتَ وَهْمٌ. وَقد تَقول: "وَمَنِ الَّذي يُؤمِنُ بِهَذا الرَّأي؟" جَماعَةُ العِلْمِ المَسيحيِّ يُؤمِنونَ بذلك. وَلكِنَّ جَماعَةَ العِلْمِ المَسيحيِّ، يا أحبَّائي، لَيسوا مَسيحيِّينَ وَلا صِلَةَ لَهُم بالعِلم. فَهُمْ يُشبِهونَ حُبوبَ الفُطورِ الَّتي كُتِبَ عَليها "عِنَب وَمُكَسَّرات" (Grape-Nuts). هَل أكَلتُموهَا يَومًا؟ ولكِنَّها لا تَحوي عِنَبًا وَلا مُكَسَّرات. فجَماعَةُ العِلمِ المَسيحيِّ ليسُوا مَسيحيِّينَ وَلاَ صِلَةَ لَهُم بالعِلم. فَقدِ اختارُوا الاسمَ المَغلوطَ لأنفسِهم. وبالمُناسَبة، يَقولُ الهِندوسُ أيضًا إنَّ الكَونَ كُلَّهُ وَهْم. لِذا، يُمكِنُكَ أن تَتَبَنَّى الفِكْرَ البَاطِنِيَّ السِّرِّيَّ بِخُصوصِ وَاقِعِ الشَّرِّ وَأنْ تَتَّفِقَ مَعَ هَؤلاءِ الأشخاص.

رَابعًا، يُمكِنُكَ أن تَقولَ إنَّ اللهَ أَسْمَى مِن كُلِّ خَيْرٍ وَشَرّ؛ أيْ أنَّ اللهَ عَالٍ جِدًّا وَلا يُمكِنُ أن يُعَرَّفَ بأيَّة مَفاهيم بَشريَّة. وَهَذا يُشبِهُ نَظرةَ آينشتاين القائِلَةَ إنَّ اللهَ لا يُكَلِّفُ نَفسَهُ عَناءَ الانشغالِ بِما يَحدُثُ في هذَا الكَون. فَهُوَ أسمَى بكثير مِن ذلك. فَرُبَّما هُوَ إلَهُ أنصارِ المَذهبِ الرُّبوبِيِّ. فَهُوَ اللهُ الَّذي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، ولكِنَّهُ لا يَتَحَرَّكُ وَلا يَتأثَّرُ بأيِّ شَيءٍ يَحدُثُ في الكَون.

أو يُمكِنُكَ أن تَتَبَنَّى الرَّأيَ الشَّائِعَ اليومَ وَهُوَ أنَّ اللهَ يَمْلِكُ قُدرةً مَحدودة. وَهَذا لاهُوتٌ جَديدٌ يَنتشرُ بسُرعةٍ كبيرةٍ جدًّا. وَالشَّيءُ الَّذي يَصعُبُ تَصديقُهُ هُوَ أنَّهُ وَاسِعُ الانتشارِ في الأوساطِ المَسيحيَّةِ الإنجيليَّة، وَهُوَ يُسَمَّى "لاهُوت الصَّيْرُورَة" (process theology) الَّذي يَقولُ إنَّ اللهَ يَتَغَيَّرُ تَدريجيًّا، وَإنَّهُ يُحاولُ أن يَصِلَ إلى المَكانَةِ الَّتي يَرغَبُ في الوُصولِ إليها كَما نَرغَبُ نَحنُ في الوُصولِ إلى المَكانَةِ الَّتي نُريد. وَهَذا يَعني أنَّ الأمورَ السَّيِّئَةَ تَحدُثُ لأنَّ اللهَ عَاجِزٌ عَن إيقافِها. وَهَذا هُوَ اللهُ الَّذي يَخوضُ صِراعًا بِحَسَبِ قَولِ الحَبْر "كوشنر" (Kushner) الَّذي أَلَّفَ كِتابًا بعُنوان: "عندما تَحدُثُ أمورٌ رَديئةٌ لِشعبِ الله" (When Bad Things Happen to God's People). هَل تَذكرونَ ذلكَ الكِتاب الشَّهير؟ فَبِحَسَبِ قَولِ الحَبْر "كوشنر"، لم يَكُنِ اللهُ قد حَقَّقَ المَكانَةَ الَّتي أَرادَها لنفسِه؛ أيْ أنْ يَكونَ إلَهًا صَالِحًا تَمامًا، وإلَهًا كَامِلَ السِّيادَةِ، وإلَهًا يُحْكِمُ السَّيطرةَ على كُلِّ شَيءٍ؛ ولكِنَّهُ لم يَتَمَكَّن مِن تَحقيقِ ذلك. فَقد كَانَ في مَرْحَلَةِ صَيْرُورَة. وَقد غَزا ذلكَ الفِكْرُ الكَنائسَ الإنجيليَّةَ الآن. وَيُوجَدُ لَدينا الآن لاهُوتِيُّونَ إنجيليُّونَ يُنادونَ بهذا الفِكْرِ بِخُصوصِ اللهِ؛ أيْ أنَّ اللهَ لا يَعرِف. وَقد قَرأتُ مُؤخَّرًا كِتابًا يُدَرَّسُ في كُليَّةِ لاهُوتٍ إنجيليَّةٍ يَقولُ فيهِ كَاتِبُهُ إنَّ اللهَ لا يَعرِفُ مَا سيَحدُثُ في المُستقبل. والسَّببُ في أنَّهُ لا يَعرِفُ مَا سيَحدُثُ في المُستقبل هُوَ أنَّهُ لم يَحدُث شَيءٌ بَعد. لِذا فإنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَعرِفَ أيَّ شَيء. وكُلُّ مَا يَقولُهُ ذلكَ الكَاتِبُ يَدورُ حَولَ ذلكَ المَنطِق!

لِذا، إمَّا أنْ تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ ليسَ الله؛ بَل هُوَ مُجَرَّدُ قُوَّةٍ كَونيَّةٍ مَوجودة. وَإمَّا أن تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ غَيرُ مُوجودٍ البَتَّة إذْ إنَّ أصحابَ ذلكَ الرَّأي يَقولونَ إنَّ حَاصِلَ ضَرْب "لا أَحَد" في "لا شَيء" يُساوي "كُلَّ شَيء". وَإمَّا أن تُؤمِنَ بأنَّ الخَطِيَّةَ والمَوتَ غَيرُ مَوجودَيْنِ حَقًّا، بَل هُما وَهْمٌ وَحَسْب. وَإمَّا أنْ تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ أسمَى بكثير مِن كُلِّ الأشياءِ، وَبأنَّهُ لا يَتأثَّرُ بها البتَّة؛ لِذا فإنَّهُ في حِلٍّ مِنَ المَسؤوليَّةِ عَنِ الشَّرّ. وَإمَّا أن تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ يَمُرُّ بِمَرحلةِ صَيْرُورَة. وَهَذا هُوَ الفِكْرُ الرَّائِجُ حَالِيًّا؛ أيْ أنَّ اللهَ يَرغَبُ حَقًّا في عَمَلِ الصَّلاحِ، ولكِنَّهُ ليسَ صَاحِبَ السِّيادَةِ تَمامًا وَلا يَستطيعُ أن يُحَقِّقَ الأشياءَ الَّتي يَرغَبُ في تَحقيقِها وبالسُّرعةِ الَّتي يُريدُها.

وَهُناكَ رَأيٌ آخرُ يُمكِنُكُم أن تُضيفوهُ إلى اللاَّئِحَةِ وَهُوَ رَأيٌ قَديمٌ وبسيطٌ يَقولُ إنَّ اللهَ خَلَقَ الشَّرَّ. وَهُناكَ أُناسٌ يُعَلِّمونَ ذلك. فَقد كُنتُ أقرأُ في هذا الأسبوعِ كُتُبًا يَقولُ كُتَّابُها إنَّ اللهَ خَلَقَ الشَّرَّ. فَقد خَلَقَ الشَّرَّ لِغاياتٍ نَبيلَة. فَقد أرادَ أن يُحَقِّقَ العَديدَ مِنَ الغَاياتِ النَّبيلَة. وَقد كانَ بِحاجَةٍ إلى الشَّرِّ لِتَحقيقِ تِلكَ الغَايات. لِذا فقد خَلَقَ الشَّرَّ لِغاياتٍ نَبيلَة.

ولكِنْ لا يُوجَد رأيٌ واحِدٌ مِن هذهِ الآراءِ صَحيح – البتَّة. فعلى الرَّغمِ مِمَّا قَالَهُ آينشتاين فإنَّ اللهَ إلَهٌ شَخصيٌّ، وَيَرتَبِطُ بِنا بِعلاقاتٍ، وَهُوَ صَالِحٌ. كَذلكَ فإنَّ اللهَ مَوجود. وَكذلكَ الخَطيَّة. وَكذلكَ الألم. وَكذلكَ المَوت. ولا أَحَدَ سِوى الحَمْقَى يَرى أنَّ تِلكَ الأشياءَ وَهْم. وَاللهُ لا يُوجَدُ خَارِجَ نِطاقِ الخَيرِ والشَّرّ. وَهُوَ ليسَ مُتَسامِيًا جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا صِلَةَ لَهُ بأيٍّ مِنَ الخَيرِ والشَّرِّ وَلا يَتعامَلُ مَعَ أيٍّ مِنهُما. واللهُ لا يَمْلِكُ قُوَّةً مَحدودةً حَتَّى إنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَفعلَ مَا يَشاء لأنَّهُ يُشبِهُنا في أنَّهُ يُكابِدُ في سَبيلِ تَحقيقِ أيِّ شَيءٍ دُونَ أن يَتَمَكَّنَ مِن تَحقيقِه. وَأخيرًا، اللهُ لم يَخلِق الشَّرَّ.

واسمَحُوا لي أن أقولَ ذلكَ ببساطَةٍ مُتناهِيَة: اللهُ ليسَ مَسؤولاً عَنِ الشَّرِّ، بَلْ إنَّ خَليقَتَهُ هِيَ المَسؤولَةُ عَنه. اللهُ ليسَ مَسؤولاً عَنِ الشَّرِّ، بَلْ إنَّ خَليقَتَهُ هِيَ المَسؤولَةُ عَنه. فَكُلُّ شَيءٍ... استَمِعُوا إلى مَا يَلي بعِنايَة... كُلُّ شَيءٍ خَلَقَهُ اللهُ كَانَ مَاذا؟ حَسَنًا جدًّا. كُلُّ شَيء. وَهَذا شَيءٌ مُؤكَّدٌ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر حَبَقُّوق والأصحاحِ الأوَّل: "عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ" (سِفْر حَبَقُّوق 1: 13). ونَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 14: 33: "لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ". فالتَّشويشُ يَنْجُمُ عنِ الخطيَّة. ونَقرأُ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 1: 5: "إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ". ونَقرأُ في رِسالةِ يَعقوب 1: 13 أنَّ: "اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا". ونَقرأُ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 2: 16: "لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ [أيْ كُلَّ شَرٍّ فيه، وتَحديدًا]: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ". ونَقرأُ في المَزمور 5: 4: "لأَنَّكَ أَنْتَ لَسْتَ إِلهًا يُسَرُّ بِالشَّرِّ، لاَ يُسَاكِنُكَ الشِّرِّيرُ" (المَزمور 5: 4). والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في الجَانِبِ الإيجابِيِّ (في سِفْرِ إشَعْياء والأصحاحِ السَّادِسِ) أنَّ مَلاكًا نَادَى مَلاكًا آخَرَ وَقَالَ إنَّ الرَّبَّ: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ".

ويُمكِنُكُم أن تَرَوْا لَمحَةً مِن ذلكَ بِكُلِّ تَأكيدٍ عندما جاءَ يَسوعُ إلى العَالَم بِصِفَتِهِ اللهَ الظَّاهِرَ في جَسَدٍ بَشَرِيٍّ. فَقد كَانَ قُدُّوسًا، ووَديعًا، وغيرَ نَجِسٍ، ومُنفصِلاً عَنِ الخُطاة. فاللهُ ليسَ شِرِّيرًا. واللهُ لا يَصنَعُ شَرًّا. وَهُوَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بالشُّرورِ وَلا يُجَرِّبُ أحدًا بالشَّرّ. واللهُ غَيرُ مَسؤولٍ عَنِ الشَّرّ. فَمَصدَرُ الشَّرِّ ومَصدَرُ الخَطيَّةِ مَوجودٌ خَارِجَ نِطاقِ الله. فعندما خَلَقَ اللهُ المَلائكةَ وَخَلَقَ البَشَرَ، أعطاهُم ذَكاءً، وأعطاهُم تَفكيرًا مَنطقيًّا، وأعطاهُم حُريَّةَ اختيار. وهُناكَ تَرتيبٌ مُحَدَّدٌ. فَقد ذَكَرْتُ هذهِ الكلماتِ بهذا التَّرتيبِ لِسَبَب.

فالذَّكاءُ مَنَحَهُم القُدرةَ على فَهْمِ الأشياء. والمَنطِقُ أعطاهُمُ القُدرةَ على تَرْجَمَةِ ذلكَ الفَهْمِ إلى سُلوك. وحُريَّةُ الاختيارِ أعطتهُم الحُريَّةَ في تَقريرِ ذلكَ السُّلوك. فَهُناكَ الذَّكاءُ، والمَنطِقُ، والاختيار. والخُلاصَةُ هِيَ أنَّهُ في ضَوْءِ مَا عَرَفوهُ، وفي ضَوْءِ القُدرةِ الَّتي كَانُوا يَمتَلِكونَها لتَرجمةِ تلكَ المَعلوماتِ إلى أعمال، يَأتي دَوْرُ الاختيار. وَسَواءَ كَانتِ المَخلوقاتُ مَلائكةً أَمْ بَشَرًا، كَانَت لَديهِم حُريَّةُ الاختيارِ في أن يُطيعوا اللهَ أو أن يَعْصُوه.

استَمِعُوا إلى مَا يَلي: كَانَ عِصْيانُ اللهِ يَعني صُنْعُ الشَّرّ. فالشَّرُّ لا يَعني وُجودَ شَيءٍ مَا، بَلْ إنَّ الشَّرَّ يَعني غِيابَ البِرّ. فَلا يُمكِنُكَ أن تَخلِقَ الشَّرَّ لأنَّ الشَّرَّ لا يُوجَدُ كَشَيءٍ مَخلوق. فَهُوَ لا يُوجَدُ كَشَيءٍ حَقيقيٍّ مَخلوق. بَلْ إنَّ الشَّرَّ هُوَ غِيابٌ شَيءٍ مَا. فالشَّرُّ هُوَ غِيابُ الكَمالِ، وغِيابُ القَداسَةِ، وغِيابُ الصَّلاحِ، وغِيابُ البِرّ. والشَّرُّ لم يَصِرْ وَاقِعًا إلاَّ عندما اختارتِ المَخلوقاتُ أن تَعصِي الله. لِذا فقد ظَهَرَ الشَّرُّ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ عِنْدَ سُقوطِ المَلائكةِ، ثُمَّ بعدَ ذلكَ عِندَ سُقوطِ آدمَ وحَوَّاء.

وَيَكفي أن تَحفَظُوا الأمرَ بالطَّريقةِ التَّاليةِ في أذهانِكُم: الشَّرُّ ليسَ شَيئًا مَخلوقًا. فَالشَّرُّ ليسَ مَادَّةً. والشَّرُّ ليسَ كِيانًا. والشَّرُّ ليسَ شَخصًا. والشَّرُّ ليسَ قُوَّةً. والشَّرُّ ليسَ رُوْحًا هَائِمًا؛ بَلْ إنَّ الشَّرَّ هُوَ انعِدامُ الكَمالِ الأدَبِيِّ. فاللهُ خَلَقَ كَمالاً مُطْلَقًا. وعندما لا يَعودُ ذلكَ الكَمالُ المُطلَقُ مَوجودًا فإنَّ هَذا يَعني أنَّ هُناكَ خَطيَّة. وَهَذا شَيءٌ لا يُمكِنُ أن يُوجَدَ في طَبيعةِ اللهِ أو في أيِّ شَيءٍ يَخلِقُهُ اللهُ. فالشَّرُّ يَظْهَرُ عندما تَعْجَزُ خَلائِقُ اللهِ عَنِ الوَفاءِ بِمِعيارِ الكَمالِ الأدَبِيِّ.

والآن، اسمَحُوا لي أن أتَوَسَّعَ في هذهِ الفِكرة. فاللهُ لَم يَخلِقِ الشَّرَّ، وَلَم يُوْجِدِ الشَّرَّ، وَلَم يَصنَعِ الشَّرَّ. ولكنِ اسمَعُوا بِعنايةٍ لأنَّ مَا سَأقولُهُ مُهِمٌّ جدًّا: اللهُ سَمَحَ بأنْ يَستخدِمَ الشَّرَّ كَجُزءٍ مِن خُطَّتِهِ الأزليَّة. هَل هذا مَفهوم؟ فَهُوَ ليسَ مَسؤولاً عَنهُ. وَهُوَ لم يَخْلِقْهُ. فَهَذا مُستحيلٌ لأنَّ اللهَ صَالِحٌ، بَل كُلِّيُّ الصَّلاحِ وَلا يُوجَدُ فيهِ سِوى الصَّلاح. لِذا فإنَّ كُلَّ مَا يَنْشَأُ عَنهُ هُوَ صَالِحٌ جِدًّا وَلا يُوجَدُ فيهِ سِوى الصَّلاح. فاللهُ لا يَخلِقُ إلاَّ الأشياءَ الصَّالِحَة. والشَّرُّ هُوَ غِيابُ الصَّلاحِ. وَهُوَ خِيارٌ نَاجِمٌ عَنِ التَّفكيرِ، وَقائِمٌ على المَعلوماتِ المُعلنةِ مِن خِلالِ خَليقَتِه. ولكِنَّ اللهَ لم يُؤخَذْ على حِيْنِ غِرَّة. فالحَقيقةُ هِيَ أنَّ اللهَ شَاءَ أنْ يَكونَ الشَّرُّ جُزءًا مِن خُطَّتِه. صَحيحٌ أنَّهُ لم يَخلِقِ الشَّرَّ وَأنَّهُ لم يَكُنْ سَبَبًا في وُجودِ الشَّرِّ. فَهُوَ لَم يَجلِبِ الشَّرَّ إلى الوُجودِ بالمَعنى الكَونِيِّ، وَهُوَ لَم وَلا يَجلِبِ الشَّرَّ إلى الوُجودِ بالمَعنى الشَّخصيِّ. وَهُوَ ليسَ سَبَبَ الخطيَّة، وَلا سَبَبَ وُجودِ الخَطايا في حَياةِ النَّاسِ. ولكِنَّهُ يَستخدِمُ الشَّرَّ لِتَحقيقِ غَاياتِه.

لِذا فإنَّ الآيةَ إشَعْياء 45: 7 تَقول (وَهِيَ آيَةٌ يَنبغي أن تُدَوِّنوها لأنَّكُم سَتَقرأونَها يَومًا) إنَّ الرَّبَّ هُوَ "جَالِبُ الوَيْلات". وَهُناكَ تَرجَماتٌ قَديمَةٌ تَقولُ إنَّهُ "خَالِقُ الشَّرّ". وَهذهِ تَرجَمَةٌ رَكيكَةٌ وَغير صَحيحَة. فاللهُ يَجْلِبُ الوَيلات. فإنْ قَرأتُم سِياقَ الآيةِ إشَعْياء 45: 7، مِنَ الواضِحِ أنَّ الدَّينونَةَ هِيَ المَعنى المَقصودُ هُنا. فاللهُ لا يَخلِقُ الشَّرَّ، ولكِنَّ اللهَ يَجلِبُ الدَّينونَةَ على الشَّرِّ. لِذا فإنَّهُ يَجْلِبُ الوَيلاتِ كَيْ يَدينَ الشَّرَّ.

والآن، اسمَعوني جَيِّدًا: إنَّ الكتابَ المقدَّسَ الَّذي كُتِبَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ يُوَجِّهُ إصْبَعَ الاتِّهامِ والمَسؤوليَّةَ عن كُلِّ خَطيَّةٍ إلى المَخلوقاتِ، ولا يُوَجِّهُهُ البَتَّةَ إلى الله... لا يُوَجِّهُهُ البَتَّةَ إلى الله. وَهَذا هُوَ، يا أحبَّائي، كُلُّ مَا نَعرِفُهُ. حَسَنًا؟ وَقد غُصْتُ بِكُمْ إلى أعْمَقٍ مَكانٍ مُمكِن. فَلا يُوجَدُ مَكانٌ آخرُ نَذهبُ إليه. هَذا هُوَ كُلُّ ما نَعرِفُه. عَدا عَن ذلكَ فإنَّنا نَسلُكُ بالإيمان.

فَنَحنُ نَعلمُ أمورًا مُعيَّنة. فَنَحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ قُدُّوسٌ. أليسَ كذلك؟ وَنَحنُ نَعلمُ أنَّ عَيْنَيْهِ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْر. وَنَحنُ نَعلَمُ أنَّهُ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا وَلا يُجَرَّبُ مِن أَحَد. وَنَحنُ نَعلَمُ أنَّهُ قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ. وَنَحنُ نَعلمُ كُلَّ الأشياءِ الَّتي ذَكَرْناها. فَهُوَ لاَ يُسَاكِنُهُ الشِّرِّيرُ. وَهُوَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّة. نَحنُ نَعلمُ ذلك. ونَحنُ نُؤمِنُ بذلك. واللهُ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ. وَهُوَ لَيسَ مَصدرَ الخطيَّة. نَحنُ نَعلَمُ ذلكَ وَنُصَدِّق ذلك. فالخطيَّةُ ظَهَرَتْ إلى الوُجودِ عندما لم يَتِمَّ الالتزامُ بمِعيارِ الكَمالِ الأدَبِيّ. وَهَذا فِعْلٌ قَائِمٌ على الذَّكاءِ والمَنطِقِ وَالاختيارِ مِنْ قِبَلِ المَخلوقات.

لِذا فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يَنبغي أن يُطْرَحَ الآنَ هُوَ: لماذا يَسْمَحُ اللهُ بالخطيَّة؟ هَذا هُوَ السُّؤالُ المَطروحُ الآن. ويُمكِنُني أن أُخَمِّنَ الإجابَةَ وَحَسْب. فَلا تُوجَدُ إجابَةٌ مُحَدَّدة، ولكنِّي أعتقدُ أنَّني أستطيعُ أن أُخَمِّنَ إجابَةً مَعقولةً لا أستطيعُ أن أُخَمِّنَ غَيرَها وَلا أَجِدُ سَبَبًا للبَحثِ عَن غَيرِها، وَهِيَ التَّالية: مَا الَّذي نَجَمَ عَن مَجيءِ الخطيَّةِ إلى العَالَم؟ يُمكِنُني أن أقولَ إنَّها جَلَبَتْ ثَلاثةَ أشياء. وَهَذِهِ هِيَ الأسبابُ الثَّلاثةُ وراءَ سَماحِ اللهِ بوجودِ الشَّرّ.

أوَّلاً، لَقَد أدَّتْ إلى تَخليصِ الخُطاة. أليسَ كذلك؟ فقد كانَ لا بُدَّ أنْ يَسمَحَ اللهُ بالخطيَّة، أيْ أنْ يَسْمَحَ اللهُ بوجودِ الخطيَّةِ في الخُطَّةِ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ ليسَ مُنْشِئَ الخَطيَّة لِكَي يُخَلِّصَ الخُطاة. ولماذا أَرادَ اللهُ أن يُخَلِّصَ الخُطاةَ؟ لكي يُظْهِرَ صِفاتٍ لم يَكُن يُمكِنُ أن تَظهَرَ بأيَّةِ طَريقةٍ أخرى. أليسَ كذلك؟ فكيفَ سَيُظهِرُ اللهُ النِّعمَةَ لو لم يَكُن هُناكَ أيُّ خُطاة؟ وكيفَ سَيُظهِرُ اللهُ الرَّحمَةَ لو لم يَكُن هُناكَ أيُّ خُطاة؟ فَقد كَانَتْ تِلكَ الصِّفاتُ جُزءًا مِن طَبيعةِ اللهِ، وَقد أرادَ اللهُ أن يُظهِرَها لأجْلِ مَجْدِهِ إلى أبدِ الآبِدين. لِذا فقد وَفَّرَ اللهُ وَسيلةً يُمكِنُهُ مِن خِلالِها أن يُظهِرَ النِّعمَة، وَأنْ يُظهِرَ الرَّحمَة. كَما أنَّهُ أرادَ أن يُظهِرَ المَحبَّة؛ وَهِيَ مَحَبَّةٌ فَائِقَةٌ يُمْكِنُها أنْ تَطَالَ حَتَّى أعداءَهُ الَّذينَ يُبغِضُونَهُ. فَكيفَ سَيُظهِرُ تِلكَ المَحبَّةَ لو لم يَكُن لَهُ أعداء؟

لِذا فإنَّ اللهَ يَسمَحُ بوجودِ الشَّرِّ لكي يُظهِرَ النِّعمَةَ والرَّحمَةَ والغُفرانَ والخَلاص. ثَانيًا، إنَّهُ يَسمَحُ بالشَّرِّ لكي يُظهِرَ غَضَبَهُ... لِكَيْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ، وَلِكَيْ يُظْهِرَ سخْطَهُ، وَلِكَيْ يُظْهِرَ دَينونَتَهُ. فَكيفَ كَانَ اللهُ سَيُظهِرُ ذلكَ الجُزءَ مِن طَبيعَتِهِ الحَقيقيَّةِ والأزليَّةِ لو لم تَتَوافَر فُرصةٌ لإدانَةِ الخُطاة؟ لِذا، كُلُّ مَا يَلزَمُكُم أن تَفعلوهُ هُوَ أن تَنظُروا إلى تَاريخِ الفِداءِ لكي تَرَوْا خَلاصَ الخُطاةِ، وَدَينونَةَ الخُطاةِ، وَمَا يَجري، وَأنْ تَرَوْا أخيرًا المَكانَ المُعَدَّ لهؤلاءِ الَّذينَ قَدْ دِيْنُوا، والمَكانَ المُعَدَّ لهؤلاءِ الَّذينَ خَلَصُوا. وَحينئذٍ، ستَستنِجونَ أنَّ قَصدَ اللهِ الأزليّ هُوَ أن يُخَلِّصَ أُناسًا وَأنْ يَدينَ أُناسًا لكي يُظْهِرَ نِعمَتَهُ وَغَضَبَهُ.

ثُمَّ أريدُ أن أَذكُرَ فِكرةً ثَالثةً هُنا. فأنا أعتقدُ أنَّ اللهَ سَمَحَ بوجودِ الخطيَّةِ لكي يَقْضي عَليها نِهائيًّا. فَطالَما أنَّ خَليقَتَهُ تَتَمَتَّعُ بأيِّ قَدْرٍ مِنَ الحُريَّةِ، وَطَالَما أنَّ خَليقَتَهُ تَتَمَتَّعُ بالذَّكاء؛ أيْ أنَّهُم يَستطيعونَ أن يَعرِفُوا وَأن يُفَكِّرُوا عَقلانِيًّا، ويَستطيعونَ أن يُتَرجِمُوا تلكَ المَعرفةِ إلى سُلوك، وطَالَما أنَّهُ أعطاهُم حُريَّةَ الاختيار، أيْ أنَّهُم يَستطيعونَ أن يَختارُوا مَا سَيَفعلونَهُ، هُناكَ احتمالٌ في عَدَمِ الوَفاءِ بالمِعيارِ المَطلوب. أليسَ كذلك؟ أيْ أنْ يَتَّخِذُوا القَرارَ الخَطأ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ لم يَمْضِ وَقتٌ طَويلٌ حَتَّى أخْفَقُوا. صَحيحٌ أنَّنا لا نَعلَمُ الوَقتَ الَّذي انقَضَى قبلَ أن يَتَّخِذ لوسيفر قَرارًا مَغلوطًا أمامَ الله، وَأنَّنا لا نَعلَمُ الوقتَ الَّذي انقَضَى في جَنَّةِ عَدْن قَبلَ أن يُقْدِمَ آدَمُ وَحَوَّاء على ذلكَ الخِيارِ المَغلوط؛ ولكِنَّنا نَعلَمُ يَقينًا أنَّهُما فَعَلاَ ذلكَ قَبلَ أن يُنْجِبا أيَّ أبناء. فَقَدْ أَنْجَبا أبناءً رُبَّما في عُمْرِ المِئَة أو بَعدَ ذلكَ بقليل.

لِذا، هُناكَ حُريَّةُ اختيارٍ، وهُناكَ احتمالٌ في أن يُسيءَ الإنسانُ الاختيار. فَهُناكَ قَدْرٌ مِنَ الحُريَّةِ المُعطاة للمَخلوقاتِ يُمكِنُهُم مِن خِلالِها أن يَختارُوا أن يُمَجِّدُوا اللهَ، أوْ أنْ يَختارُوا أَلاَّ يُمَجِّدوه. وَطَالَما أنَّ حُريَّةَ الاختيارِ مَوجودة، هُناكَ احتمالٌ كَبيرٌ في وُجودِ الشَّرِّ عندَ إساءةِ الاختيار. وأعتقدُ أنَّهُ حَالَما يُسيءُ الإنسانُ الاختيارَ فإنَّ اللهَ يَعمَلُ حَالاً بأنْ يُظْهِرَ [أوَّلاً] نِعْمَتَهُ وَخَلاصَهُ، وَبأنْ يُعْلِنَ [ثانيًا] غَضَبَهُ وَدَينونَتَهُ، وَبأنْ يَعْمَلَ [ثَالِثًا وأخيرًا] على القَضاءِ على الشَّرّ.

وكأنَّ اللهَ أرادَ للشَّرِّ أن يَطفُو على السَّطحِ لكي يَتمكَّنَ مِنَ استِئصالِه. وَهَذا هُوَ مَا سيَحدُثُ عندما يَكتَمِلُ كُلُّ تَاريخِ الفِداء، وعندما يَخلُصُ جَميعُ المُختارينَ للخَلاصِ وَيُطرَحُ جَميعُ الهَالِكينَ في بُحيرةِ النَّارِ، ثُمَّ يُطرَحُ المَوتُ والجَحيمُ في بُحيرةِ النَّار. مَا مَعنى ذلك؟ أنَّهُ لن يَعُودَ هُناكَ مَوتٌ، وَلا جَحيم، وَلا دَينونَة. لماذا؟ لأنَّهُ لَن تَعودُ هُناكَ أيَّة خَطيَّة. وعندما تَذهبونَ إلى السَّماءِ، لَن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ مِنْ بَقايا العَالَمِ الخَاطِئ. أليسَ كذلك؟ فَلَن يَكونَ هُناكَ حُزْنٌ، وَلا بُكاءٌ، وَلا خَطيَّة، وَلا احْتِضارٌ، وَلا مَوت. لِذا، أعتقدُ أنَّ اللهَ سَمَحَ بوجودِ الشَّرِّ في خُطَّتِهِ مِن دُونِ أنْ يَخْلِقَهُ لأجلِ هذهِ الأسبابِ الثَّلاثة: لكي يُخَلِّصَ الخُطاةَ التَّائِبين، وَلِكَيْ يَدينَ الخُطاةَ غَير التَّائِبين، وَلِكَيْ يَستأصِلَ الشَّرَّ مَرَّةً واحِدَةً وإلى الأبد. فقد قَامَ دَائِمًا باستِخدامِ الشَّرِّ. فَطالَما أنَّ ذلكَ مُمكِنٌ، كَانَ لا بُدَّ أنْ يَطفو الشَّرَّ على السَّطْحِ لكي يَتمكَّنَ مِنَ استئصَالِه.

والآن، اسمَعوني: استِنادًا إلى ذلكَ التَّفسير، وَأنا أعلَمُ أنَّ هَذا الأمرَ قَد يَبدو بَسيطًا جدًّا في نَظَرِكُم، ولكِنَّهُ أمرٌ احْتَجْتُ إلى وَقتٍ طَويلٍ لتوضيحِهِ في ذِهني على مَرِّ السِّنين. صَحيحٌ أنِّي كُنتُ أفهَمُهُ في السَّنواتِ المَاضِيَة، ولكِنْ عندما تَكونُ شَابًّا، رُبَّما تُصارِعُ كثيرًا مَعَ تلكَ الأفكار. ولتلخيصِ هذا الأمر أقولُ إنَّهُ لا يُوجَدُ مَصدرٌ خَارِجيٌّ للخطيَّة. حسنًا؟ أيْ خَارِجَ الخليقَة. فَلا تُوجَد قُوَّةٌ هَائِمِةٌ في الكَونِ خَلَقَها اللهُ. بَلْ إنَّ الخَطيَّةَ هِيَ غِيابُ الكَمال. فَلا يُوجَدُ سَبَبٌ ونَتيجَةٌ مَحْتومان؛ أيْ أنَّ الخَطيَّةَ ليسَتْ مَسألةَ قَضاءٍ وَقَدَر؛ بَلْ هِيَ خِيارٌ وَحَسْب. وَقد شَاءَ اللهُ أنْ يَسْمَحَ بحُريَّةِ الاختيارِ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ كَانَ يَعلَمُ أنَّ تلكَ الخِياراتِ سَتَؤولُ إلى مَا آلَتْ إليه. ولكِنَّهُ شَاءَ أنْ يَسمَحَ بذلكَ لكي يُظْهِرَ نِعْمَتَهُ وغَضَبَهُ، وَلِكَي يَضَعَ حَدًّا نِهائيًّا وَحَاسِمًا للخطيَّة. ولكِنْ تَذَكَّرُوا دَائِمًا... والآن، لاحِظُوا مَا يَلي: أنَّ الشَّخصَ الَّذي يَختارُ الشَّرَّ هُوَ مَصْدَرُهُ.

فَفي حَالَةِ لُوسيفَر، كَانَ هُوَ مَصدر الشَّرِّ في عَالَمِ المَلائِكَة. وَكَما سَنَرى، لَقد جَعَلَ ثُلْثَ المَلائكةِ يَفعلونَ مِثلَهُ ويَنْضَمُّونَ إليه. والآن، حَيثُ إنَّ المَلائكةَ لا يَتناسَلونَ، فإنَّ لُوسيفَر أخطأَ، ولكِنَّهُ لم يُوَرِّث الخطيَّةَ لأنَّ المَلائكةَ "لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ" (كَما قَالَ يَسوع). فَهُم لا يَتَناسَلون. فَقَد خُلِقُوا جَميعًا دُفعةً واحِدَة. ولكِنْ عندما أَساءَ الشَّيطانُ الاختيار، نَجَحَ في جَرِّ ثُلْثِ المَلائكةِ الباقينَ وَراءَهُ. وَهُناكَ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ مِنَ المَلائكة. لِذا، يُمكِنُكم أن تُحاوِلُوا أن تَحْسِبُوا عَدَدَهُم مَا شِئتُم؛ ولكِنَّكُم لن تَتَمَكَّنُوا مِن ذلك. لِذا فإنَّ عَدَدَ المَلائكةِ القِدِّيسينَ هُوَ ضِعْفَا عَدَدِ الشَّياطينِ حيثُ إنَّ ثُلْثَ المَلائكةِ سَقَط. أمَّا الثُّلُثانِ البَاقِيانِ فَلَم يَسْقُطَا. ولكِنَّ المَلائكةَ الَّذينَ سَقَطُوا سَقَطُوا باختيارِهم. وَسوفَ نَرى حُريَّةَ الاختيار تِلكَ عندما نَصِلُ إلى الأسفارِ النَّبويَّة.

وَقد حَدَثَ الأمرُ نَفسُهُ مَعَ آدمَ وحَوَّاء؛ ولكِنَّ التَّأثيرَ كَانَ مُختلفًا. فَبالنِّسبةِ إلى المَلائكةِ الَّذينَ أخطأوا، بَقِيَتْ خَطيئَتُهُم مَحصورَةً فيهم ولم تَنتَقِل خَطيَّتُهُم إلى أيِّ شخصٍ آخرَ لأنَّهُم لا يَتَناسَلون. ولكِن في حَالةِ آدمَ وحَوَّاء، عندما أساءَ آدَمُ وَحَوَّاءُ الاختيار، سَقَطَ كُلُّ الجِنسِ البَشريِّ مَعَهُم لأنَّنا جَميعًا نُولَدُ مِنْ نَسْلِ آدَمَ وَحَوَّاء. لِذا فإنَّ مَصدَرَ الشَّرِّ مَوجودٌ خَارِجَ الله. فَمَصدَرُ الشَّرِّ هُوَ الخَليقَة.

والآن، لِنَرجِع إلى سِفْرِ التَّكوين والأصحاحِ الثَّالث. وَعلى أقَلِّ تَقدير، يُمكِنُنا أن نَتأمَّلَ في الكلماتِ الثَّلاثِ الأولى... رُبَّما جُزئيًّا. فَهذا مَوضوعٌ كَبير. فالحَيَّةُ مَوضوعٌ كَبير. "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ". سَوفَ نَتوقَّفُ عِندَ هذهِ النُّقطة: "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ". وَهَذا يُذَكِّرُني بما حَدَثَ عندما كُنتُ أُعَلِّمُ رِسالةَ رُومية وَابتدأتُ رِسالةَ رُومية في أوَّلِ عِظَةٍ وقُلتُ: لِنَقرأَ النَّصَّ". والكلمةُ الأولى في رِسالةِ رُومية هِيَ "بُولُس". فَقُلتُ: "حسنًا! لنتوقَّف هُنا". وَقد صَرَفْنا وَقتًا طَويلاً جدًّا في التَّحدُّثِ عَن بولس. والأمرُ مُشابِهٌ هُنا. فَلا يُمكِنُكَ أن تَقرأَ العِبارَة "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ" وَأنْ تُتابِع القِراءة، بَل يَنبغي أن تَسألَ: "مَن هِيَ هَذِهِ الحَيَّة؟" أو "مَاذا تَكون؟"

المَشهَدُ هُنا هُوَ الجَنَّة. وَقد كانَ كُلُّ شَيءٍ حَسَنًا. وَكانَت جَميعُ أنواعِ المَخلوقاتِ الَّتي خَلَقَها اللهُ مَوجودة هُناك. فَقد كانَـت هُناكَ حَيَواناتٌ مِن مُختلفِ الأنواع. وَكانَت هُناكَ طُيورٌ وَبَهائِم. وكانَت هُناكَ زَحَّافات؛ أيْ حَيَواناتُ تَزحَفُ بالقُربِ مِنْ سَطْحِ الأرض. فالكلمةُ المُستخدمَةُ هُنا لا تَعني أنَّها حَيَواناتٌ تَزْحَفُ زَحْفًا، بَلْ تَعني أنَّها قَريبَة جدًّا مِنَ الأرض. وَهي قَد تُشيرُ إلى الحَيواناتِ ذاتِ الأرجُلِ القَصيرة (كَما أَشَرْتُ سَابِقًا). وَهِيَ قَد تَعني "حَشَرات"، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهُناكَ حَيَواناتُ أطوَل، وَهُناكَ حَيَواناتٌ في السَّماءِ وَتَحديدًا: الطُّيور. وهُناكَ حَيَواناتٌ في المَياه. وَقد خَلَقَ اللهُ كُلَّ تِلكَ المَخلوقات.

إذًا، نَحنُ نَلتقي هُنا الحَيَّة (أو: "نَكاش" – "nachash" باللُّغةِ العِبريَّة). وَهُوَ اسْمُ واحِدٍ مِنَ الزَّواحِف. ولكِنَّنا لا نَعلَمُ مَاذا كانَ هذا الزَّاحِفُ في الأصل. أعتقدُ أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يَفتَرِضونَ أنَّ هَذا الحَيَوانَ كَانَ حَيَّةً زَاحِفَة. فأنتُم تَرَوْنَ صُورةً صَغيرةً لِحَيَّةٍ مُلْتَفَّةٍ على شَجَرَةٍ أو مُتَدَلِّيَةٍ مِن غُصْنٍ، أو مَا شَابَهَ ذلكَ، أو حَيَّةً تَزحَفُ وَتُطِلُّ بِرأسِها مِثلَما تَفعلُ الكُوبرا. ولكِنَّنا لا نَعرِفُ يَقينًا أنَّها كانت كذلك. فَسوفَ تُلاحِظونَ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 14 أنَّ جُزءًا مِنَ اللَّعنَةِ الَّتي حَلَّتْ على هذهِ الحَيَّةِ كَانَ يَتَضَمَّنُ أنَّها ستَزحَفُ على بَطنِها وَتأكُلُ التُّراب. لِذا، إنْ كَانَتْ تِلكَ لَعنة، يُمكِنُنا أن نَفتَرِضَ أنَّها في هذا الوَقتِ تَحديدًا؛ أيْ في الوقتِ الَّذي ظَهَرَتْ فيهِ الحَيَّةُ في الجَنَّةِ، لم تَكُن تَزحَفُ على بَطنِها وَتأكُلُ التُّرابَ بَعد. فَقد كَانَ ذلكَ جُزءٌ مِنَ اللَّعنَة. لِذا، يُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ هَذا الحَيَوانَ كَانَ يَمْلِكُ قَوائِم. والكلمة "نَكاش" (nachash) في اللُّغةِ العِبريَّةِ يَقتَرِنُ بالفِعْل "يَهُسُّ"؛ وَهُوَ صَوْتُ الهَسْهَسَةِ الَّذي يَصْدُرُ عَنِ الزَّواحِف.

وَهُناكَ كلمةٌ أخرى في العهدِ القديمِ تُشيرُ إلى الزَّواحِفِ وَهِيَ "تَنِّين" (tannin) ومَعناها "ثُعْبان". وَهاتانَ الكلمتانِ تُستخدمانِ بالتَّبادُل. وَهُناكَ مَقطَعٌ في سِفْرِ الخُروج 7: 9-15 يَقِفُ فيهِ مُوسَى أمامَ السَّحَرَةِ في بَلاطِ فِرْعَوْن. أتَذكُرونَ ذلك؟ فَقد طَرَحُوا عِصِيَّهُم فَصارَت ثَعابين. ولكِنَّ عَصَا مُوسَى صَارَتْ حَيَّةً أو "نَكَاش" (nachash). لِذا، يُمكِنُنا أن نَستنتِجَ مِنَ النَّصِّ أنَّ الكلمة "حَيَّة" والكلمة "ثُعْبان" تُستخدَمانِ بالتَّبادُلِ على الرَّغمِ مِن أنَّ الكلمة "تَنِّين" (tannin) تُستَخدَمُ للإشارةِ إلى التِّنِّين أو وَحْش البَحر. لِذا فإنَّ الكلمة "نَكَاش" هِيَ نَوعٌ مِنَ الزَّواحِف. فَهِيَ حَيَوانٌ زَاحِفٌ يُشبِهُ التِّنِّين. وَهُوَ قَد يَكونُ حَيَّةً بِكُلِّ تَأكيدٍ بَعدَ اللَّعنَة. وبَعدَ ذلكَ، أيْ حَتَّى بَعدَ الطُّوفانِ، لا نَدري مَا الشَّكلُ الَّذي ظَهَرَتْ عليهِ الزَّواحِف. وَنَحنُ لا نَدري مَا هِيَ الزَّواحِفُ الَّتي صَعِدَت إلى الفُلْكِ وَنَزَلَتْ مِنْهُ، وَما هِيَ الزَّواحِفُ الَّتي هَلَكَتْ. وعلى أيَّةِ حَالٍ، إنَّها نَوعٌ مِنَ الزَّواحِف، أو نَوعٌ مِنَ التَّنانين، أو حَيَّةٌ مِن نَوعٍ مَا.

وعندما تَصِلُونَ إلى العهدِ الجديد، نَقرأُ شَيئًا مُدهِشًا جدًّا. فَالشَّيطانُ يُدعَى في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 12 (وَسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ لاحِقًا)، ولكِنَّهُ يُدعَى في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 12، وسفر الرُّؤيا والأصحاح 20 "الحَيَّة" وَ "التِّنِّين" في آنٍ واحِد. لِذا فإنَّهُ يُدعَى في العِبريَّةِ "نَكَاش" وَ "تَنِّين". وَعليهِ فإنَّهُ يُدعَى حِيْنًا تِنِّينًا، ويُدعَى حِينًا آخرَ حَيَّةً. لِذا، نَستَنتِجُ أنَّنا لا نَدري مَا هُوَ. فَهُوَ تِنِّينٌ يَنتَمي إلى فَصيلَةِ الزَّواحِف، أو حَيَوانٌ رُبَّما تَرغَبونَ في أن تُسَمُّوهُ حَيَوَانًا كَاسِرًا إنْ كُنْتُم تَفهَمونَ قَصدي؛ أيْ حَيَوانًا يُشبِهُ الدِّيناصُور. فَهَذا هُوَ حَقًّا كُلُّ مَا نَعرِفُهُ عَن ذلكَ المَخلوق.

ولكنَّ الحيَّةَ تُقارَنُ بغيرِها مِنَ الحَيَوانات. انظروا إلى العَددِ الأوَّل: "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ". وَهَذا يَعني أنَّ هَذا الحَيَوانَ يَنْتَمي إلى مَملكةِ الحَيَوان. فَهِيَ لَيسَت مَخلوقًا مُنفردًا، وَهِيَ لَيسَتْ حَيَوانًا فَريدًا، بَلْ هِيَ جُزءٌ مِمَّا صَنَعَهُ اللهُ في الأصحاحِ الأوَّلِ والأعداد مِن 24 إلى 28 وَتَمَّتِ الإشارةُ إليهِ مَرَّةٍ أخرى في الأصحاحِ الثَّاني والعَدَدَيْن 19 و20. فَهِيَ جُزْءٌ مِن "...جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ". فَهِيَ وَاحِدَةٌ مِن هَذِهِ الحَيَوانات. فَهِيَ حَيَوانٌ مَادِّيٌّ حَقيقيّ. إنَّها حَيَوانٌ حَقيقيّ. ولكِنَّها ليسَت حَيَوانًا نَعرِفُه، بَلْ هِيَ حَيَوانٌ زَاحِفٌ كَانَ مَوجودًا قَبْلَ اللَّعْنَة. وَأيًّا كَانَ هَذا الحَيَوانُ في السَّابِقِ فإنَّهُ صَارَ يَزحَفُ على بَطنِهِ وَيأكُلُ التُّرابَ بَعدَ اللَّعنَة. لِذا فإنَّهُ حَيَوانٌ زَاحِفٌ نَاطِقٌ أَسْمَى مِنَ الحَيَّةِ الَّتي نَعرِفُها وَمُختلِفٌ عَنها.

ولكِنَّ هَذا الحَيَوانَ هُوَ ليسَ مُجَرَّدَ حَيَوانٍ زَاحِفٍ. فَهُوَ يَتكلَّم! إنَّهُ يَتَكَلَّم. وَقد قَرأتُ كِتابًا لأحدِ الشُّرَّاحِ يَقول فيهِ إنَّهُ كَانَتْ هُناكَ الكَثيرُ مِنَ الحَيَواناتِ النَّاطِقَةِ في الجَنَّة. وَقد قُلتُ: "مَاذا؟ هَذا غَيرُ مَذكورٍ في الكتابِ المقدَّس". وَقد رَاحَ المُفَسِّرُ يَتحدَّثُ عَن ذلكَ في نَحوِ ثَلاثِ فِقْراتٍ. ولكِنَّنا لا نَقرأُ أيَّ شَيءٍ عَن ذلكَ في الكتابِ المقدَّس. ويَبدو أنَّ هَذا المُفَسِّرَ مُصابٌ بِعُقدةِ الدُّكتور "دوليتل" (Dr. Dolittle) أو شَيئًا مِن هَذا القَبيل. فالكِتابُ المُقَدَّسُ لا يَقولُ أيَّ شَيءٍ عَن وُجودِ حَيَواناتٍ نَاطِقَة. وَهُوَ يَقولُ: ماذا عَن حِمارِ بَلْعَام؟ لم يَقُل حِمارُ بَلعام أيَّة كلمة إلاَّ عندما تَكَلَّمَ اللهُ مِن خِلالِهِ في مُناسَبَةٍ وَاحِدَة فقط. لِذا، لم تَكُن هُناكَ حَيَواناتٌ نَاطِقَةٌ في الجَنَّة. ولكِنْ لا شَكَّ في أنَّهُ كانَت تُوجَدُ عَجائِبُ في الجَنَّة. وأعتقدُ أنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ كَانَا مَا زَالاَ يَكتَشِفان تلكَ العَجائِب. لِذا فإنَّ حَوَّاءَ لَمْ تَتَعَجَّب. فَلا تُوجَد لَدينا أيَّة مَعلومات عَن ذلك. ولكِنَّها لم تُصْدَمْ عندما تَكَلَّمَتِ الحَيَّة وابتدأت في التَّحَدُّث.

ولكِنَّنا نُلاحِظُ شَيئًا مُختلِفًا بِخصوصِ هذهِ الحَيَّةِ تَحديدًا لأنَّها قَالت للمرأة: "أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟" فَهَذا الحَيَوانُ تَحديدًا يَعرِفُ عَنِ الله. وَهَذا الحَيَوانُ تَحديدًا لَهُ شَخصيَّة. وَهَذا الحَيَوانُ تَحديدًا يَتَكَلَّمُ بِذَكاء. وَهَذا الحَيَوانُ تَحديدًا يَمْلِكُ عَقلاً مَاكِرًا، ومُخَادِعًا، وشِرِّيرًا. واسمَحُوا لي أن أقولَ لكُم يا أحبَّائي إنَّ هذهِ القِصَّةَ ليسَت قِصَّةً مِنْ نَسْجِ الخَيال. فَلا نَقرأُ هُنا جُملةً تَقول: "سَأَقُصُّ عَليكُم [أو أَحكِي لَكُم] قِصَّةً تُوَضِّحُ كَيفَ ابتدأتِ الخطيَّة". فَلا تُوجَد جُملةٌ كَهذِهِ. فَهِيَ ليسَت قِصَّةً مِن نَسْجِ الخَيال. وَهِيَ ليسَت أُسطورَةً تَحوي دَرْسًا أخلاقِيًّا. فَلا يُوجَد دَرسٌ أخلاقِيٌّ هُنا. وَإنْ كَانَتِ الحَيَّةُ رَمْزًا، كَيفَ تَلْعَنُ رَمْزًا في العَدد 14؟ فقد لَعَنَ اللهُ الحَيَّة. لِذا فإنَّ هذهِ القِصَّةَ ليسَت مِنْ نَسْجِ الخَيال. وَهِيَ ليسَت أسطورةً. وَهِيَ ليسَت مَثَلاً. فالنَّاسُ يَقولون: "إنَّها مَثَلٌ يَحوي دَرسًا أخلاقِيًّا". ولكِنْ مَا هُوَ الدَّرسُ الأخلاقِيُّ؟ فلا يُوجَدُ دَرسٌ أخلاقِيٌّ. فقد قالَ أحبارُ اليَهودِ [وَقد قَرأتُ الكَثيرَ مِن أقوالِهم] لَقد قَالوا إنَّ الحَيَّةَ لم تَكُن تَتَكَلَّمُ حَقًّا مَعَ حَوَّاء، بَلْ إنَّ الكَاتِبَ [أيْ: مُوسَى] استَخدَمَ الحَيَّةَ رَمزًا للأفكارِ الشِّرِّيرةِ الَّتي ظَهَرَتْ في قَلبِ حَوَّاء. حَقًّا؟ إذًا، هذهِ مُجَرَّدُ طَريقةٍ رَمزيَّةٍ للإشارةِ إلى شَيءٍ كَانَ يَدورُ في ذِهنِ حوَّاء؟ حَقًّا؟ إذًا، لماذا لَعَنَ اللهُ الحَيَّة؟ وَأينَ نَقرأُ أنَّ الحَيَّةَ رَمْزٌ فقط؟ ولماذا لا يَستطيعُ النَّاسُ أن يَفهَمُوا الكتابَ المقدَّسَ حَرفِيًّا؟ فقد كانت حَوَّاءُ في الجَنَّةِ ذَاتِ يَومٍ، وَجاءَتْ حَيَّةٌ إليها وَقالت: "مَرحبًا! هَل تَظُنِّينَ حَقًّا أنَّ اللهَ قالَ إنَّهُ لا يُمكِنُكُما أن تَأكُلا مِن أشجارِ الجَنَّة؟" وَقد كانَ كَلامُها مُقْنِعًا جدًّا حَتَّى إنَّ حَوَّاءَ لم تَرجِع إلى الوَراء، بَل اشتركَتْ حَالاً في الحَديثِ وقالت: "مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ". وَقد رَاحَا يَتَجاذَبانِ أطرافَ الحَديث.

هَل تَعلمونَ مَاذا أعتقد؟ أعتقدُ أنَّ هَذا هُوَ مَا حَدَثَ حَرفِيًّا. ولو لم يَحدُث حَرفِيًّا لَما استَطعنا أن نَثِقَ بكلمةِ الله. ولكِن لا تَقُل لي إنَّكَ تُؤمِنُ بكلمةِ اللهِ إنْ لم تَكُن تُصَدِّقُ هذهِ القِصَّة.

والآن، لم يَكُن هذا المَخلوقُ يُشبِهُ أيَّ مَخلوقٍ آخر. لاحِظُوا ما جَاءَ في العَددِ الأوَّل: "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ". إذًا، هُناكَ حَيَّة. ونَحنُ لا نَتَحَدَّثُ هُنا عَن أنَّ الحَيَّةَ مَاهِرَةٌ في التَّسَلُّلِ أكثرَ مِنَ الحَيَواناتِ الأخرى. لا، لا، لا. فَهُوَ لا يَعني أنَّ الحَيَّاتِ أَمْهَرَ في التَّسَلُّلِ مِنَ الحَيَواناتِ الأخرى. فالكلمة "أَحْيَل" تُشيرُ إلى الدَّهاءِ، والمَكْرِ، والذَّكاءِ، والحِكمَة. وَلا أعتقدُ أنَّ الحَيَّاتِ ذَكيَّة جدًّا. هَل قَابَلتُم حَيَّةً ذَكيَّة؟ أو حَيَوانًا زَاحِفًا ذَكِيًّا؟ أو مَاكِرًا، أو مُخادِعًا؟ إنَّها ليست أكثر دَهاءً أو مَكْرًا مِن بَقيَّةِ الحَيَواناتِ الَّتي تَصْطادُ فَرائِسَها.

لِذا فإنَّ المَكْرَ والدَّهاءَ هُنا لا يُشيرُ إلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الحَيَّات. فَهُوَ لا يُقارِنُ الحَيَّاتِ بالأبقارِ مَثَلاً، وَلا يُقارِنُ الحَيَّاتِ بالأُسود، وَلا يُقارِنُ الحَيَّاتِ بأيِّ حَيَوانٍ آخر؛ بَل إنَّهُ يُقارِنُ هَذا الحَيَوانَ بِجَميعِ الحَيَواناتِ الأخرى ويَقولُ إنَّ هَذا الحَيَوانَ أَحْيَلُ مِن أيِّ حَيَوانٍ آخر.

والحَيَّاتُ، في الحَقيقةِ، مَخلوقاتٌ رَائِعَة. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّها مَخلوقاتٌ مُدهشةٌ حَقًّا. فيُمكِنُكم أن تَقرأُوا مَا جَاءَ في سِفْرِ الأمثال 30: 18 و 19 عَنْ طَريقِ الحَيَّةِ على الصَّخْر. ولكِنَّ هذا الحَيَوانَ مَاكِرٌ، ومُخادِعٌ، وخَبيثٌ، وشِرِّيرٌ، ومُؤذٍ لأنَّهُ استَخدَمَ ذَكاءَهُ الفَائِقَ لِلتَّحايُلِ على حَوَّاءَ وَآدَمَ كَيْ يَخْتارَا الشَّرَّ. وَهَذا خِيارٌ اتَّخَذَهُ هَذا المَخلوقُ نَفسُهُ. اسمَعوني جيِّدًا: لَقد كانَت هذهِ الشَّخصيَّةُ المَاثِلَةُ في هذا المَخلوقِ تَعرِفُ تَأثيرَ الخِيارِ الَّذي سَيَتَّخِذُهُ آدَمُ وَحَوَّاء. أمَّا آدَمُ وَحَوَّاءُ فَلَم يُدرِكا مَا كَانَ يَجري. فَهُما لم يَعلَمَا مَاذا سيَحدُثُ عِندَما يَتَّخِذا هذا الخِيار.

وَكَما تَرَوْنَ، عندما اتَّخَذَ لُوسيفر هذا الخِيارَ في البِداية، اتَّخَذَهُ لأنَّهُ قَالَ: "أريدُ أن أكونَ مِثلَ اللهِ". وَقد وَجَدَ حَالاً أنَّهُ صَارَ مُختلفًا عنِ اللهِ كُلَّ الاختلاف. فاللهُ قُدُّوسٌ؛ أمَّا هُوَ فَصارَ شِرِّيرًا. وَهُوَ يَقولُ لِحَوَّاء: "إنَّ السَّببَ الَّذي يَجْعَلُ اللهُ غَيرَ رَاغِبٍ في أن تَأكُلا مِنْ هذهِ الشَّجرةِ هُوَ أنَّكُما ستَصيرانِ كالله". فَهُوَ يُعيدُ عَليهِما نَفسَ الحِوارِ تَمامًا، ولكِنَّهُ يَعرِفُ تَمامًا عَاقِبَةَ ذلك. صَحيحٌ أنَّهُ لا يَفهَمُ جَانِبَ التَّناسُلِ، ولكِنَّهُ يَفهَمُ أنَّهُما إنْ أخطآ فإنَّهُما سيَختبرانِ الشَّيءَ الَّذي اختَبَرَهُ هُوَ. فالرَّغبةُ في أن تَصيرَ كَاللهِ تَجعَلُكَ مُختلِفًا جدًّا عَنهُ. والشَّيءُ الَّذي اكتَشَفَتْهُ حَوَّاءُ هُوَ أنَّها كانت تَظُنُّ أنَّهُ بِمَقدورِها أن تَكونَ كَاللهِ، ولكِنَّها وَقَعَتْ في نَفسِ المَأزِقِ لأنَّها صَارتْ أبعدَ مَا يَكون عَنِ الله.

إذًا، إنَّ هذهِ الحَيَّةَ مَاكِرَة. فَهِيَ حَيَّةٌ تَكرَهُ اللهَ. وَهِيَ حَيَّةٌ غَاضِبَةٌ مِنَ العَاقِبَةِ الَّتي تَعَرَّضَتْ لَها بِصِفَتِها شَيطانًا، أو تِنِّينًا، أو حَيَّةً. وَهِيَ تُريدُ أنْ تَخْدَعَ هَذا المَخلوقَ البَديع. فَلا شَكَّ في أنَّ الشَّيطانَ نَظَرَ إلى آدَمَ وَحَوَّاءَ وَقال: إنَّ هَذا المَخلوقَ مُختَلِفٌ عَن أيِّ شَيءٍ عَرَفْتَهُ! فالمَلائِكَةُ لا تَتناسَلُ، وَلا تَتَكاثَرُ، وَلا تَملأُ الأرضَ، وَلا تَتَسَلَّطُ على بَقيَّةِ المَخلوقات. فَكَما تَعلمونَ، مِنَ الرَّائعِ أن نَذهبَ أنا وأنتُم إلى حَديقَةَ الحَيَوانات. ولكِنْ تَخَيَّلُوا وَحَسْب أنْ تَتَجَوَّلَ المَلائكةُ في الأيَّامِ الأولى في جَنَّةِ عَدْن. فَما أروعَ هَذا المَخلوقَ الَّذي خَلَقَهُ اللهُ! ولكِنَّ الشَّيطانَ الخَبيثَ والشِّرِّيرَ يُريدُ (هُوَ وأعوانُهُ) أن يُوْقِعا الإنسانَ في الإثم. وَهَذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي أَدَّى إلى هذا الحَدَث.

فهذهِ الشَّخصيَّةُ تَمْتَلِكُ مَعرفةً طَبيعيَّةً أكبر. فقد كانَ الشَّيطانُ يَعرِفُ عَنِ النَّهْي. وَكانَ يَعرِفُ أنَّ اللهَ قَالَ لآدَمَ وَحَوَّاءَ أَلاَّ يَأكُلا مِن تِلكَ الشَّجرة. وَقد ادَّعَى لا فقط أنَّهُ يَعرِفُ مَا قَالَهُ اللهُ، بَل إنَّهُ ادَّعَى... اسمَعوني... لقدِ ادَّعى أنَّهُ يَعرِفُ أكثرَ مِن حَوَّاء. فَهُوَ يَزْعُمُ أنَّهُ يَعرِفُ أكثرَ مِمَّا تَعرِف حَوَّاء. وَفي العَددِ الرَّابعِ، قَالتِ الحَيَّةُ للمرأة: "لَنْ تَمُوتَا". أنا أعرِفُ أكثرَ مِنْكِ. هَل تَظُنِّينَ أنَّكِ سَتَموتين؟ لا، أنا أعرِفُ أكثرَ مِنْكِ. فقدِ ادَّعَى أنَّهُ يَعرِفُ أكثرَ مِن حَوَّاء. وَقد كانت أفكارُهُ فَاسِدَةً أخلاقِيًّا. والحَيَّاتُ ليسَت لَديها أفكارٌ أخلاقيَّة. والزَّواحِفُ ليسَت لَديها أفكارٌ أخلاقيَّة. وَهِيَ لا تَستطيعُ أن تَتَّخِذَ قَراراتٍ أخلاقيَّة. ولكِنَّ هَذا المَخلوقَ شِرِّيرٌ في نَواياه، وشِرِّيرٌ تُجاهَ اللهِ، وشِرِّيرٌ تُجاهَ الإنسان. وَهُوَ يَعِدُ حَوَّاءَ بِبَرَكَةٍ لا مَثيلَ لَها. فَهل مِن شَيءٍ أفضَل مِن أن تَكونَ مِثلَ الله؟ ولكِنَّهُ يَعلَمُ أنَّهُ عندما تُحاوِلُ أن تَصيرَ كَاللهِ فإنَّ النَّتيجَةَ النِّهائيَّةَ ستَكونُ هِيَ أنَّكَ ستَشعُرُ بالعَارِ، والخِزْيِ، والبُؤسِ، وَأنَّكَ سَتُدان. وَقد كانَ يَعلَمُ ذلكَ مُسَبَّقًا لأنَّ هَذا هُوَ مَا اختَبَرَهُ. وَحَقيقةُ أنَّهُ لُعِنَ تُشيرُ إلى أنَّهُ كَانَ مَخلوقًا مَسؤولاً أَدَبِيًّا.

والآن، مَن هُوَ هذا المَخلوق؟ مَن هُوَ؟ افتَحُوا على نِهايةِ الكتابِ المقدَّس. هَذا هُوَ السَّببُ في أنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَعرِفُوا كُلَّ مَشيئةِ الله لأنَّكُم لن تَفهَموا كُلَّ القِصَّةِ مَا لَم تَعرِفُوا تَمامًا مَن يَكون. فَنَحنُ لا نَقرأُ [بالمُناسَبَةِ] أيَّ شَيءٍ عنِ الشَّيطانِ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين. فالشَّيطانُ لا يُذكَرُ البَتَّة في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين. لِذا فإنَّنا نَذهبُ إلى نِهايةِ الكتابِ المقدَّسِ لِنَعرِفَ مَن هُوَ. افتَحُوا على سِفْر الرُّؤيا 12: 9 – سِفْر الرُّؤيا 12: 9. وَهُناكَ مَعلوماتٌ كَثيرةٌ هُنا، ولكِنَّنا سنَنظر إلى العَددِ التَّاسِعِ اختصارًا للوقت. فَنَحنُ نَرى هُنا مَرَّةً أخرى هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ المُستعارَتَيْنِ مِنَ اللُّغَةِ العِبريَّةِ حيثُ إنَّ هَذا المَخلوقَ يُسَمَّى في العهدِ القديمِ: "نَكَاش" وَ "تَنِّين"؛ أيْ: الحَيَّة [أو الثُّعبان] والتِّنِّين. ونَقرأُ في العَددِ التَّاسع: "فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ". إذًا، نَجِدُ هُنا وَصْفًا وَاضِحًا جدًّا. فَمَن هِيَ تِلكَ الحَيَّة؟ وَمَن هُوَ ذلكَ التِّنِّين؟ وَمَن هُوَ ذلكَ المَخلوقُ القَديمُ الَّذي يُضِلُّ العَالَمَ كُلَّهُ؟ إنَّهُ إبليسُ أوِ الشَّيطان. فَهَذا تَعريفٌ واضِحٌ لَهُ.

والآن، افتَحُوا على الأصحاحِ العِشرين مِن سِفْر الرُّؤيا والعَددِ الثَّاني. ويُمكِنُنا في الحَقيقةِ أن نَبتَدِئَ بالعَددِ الأوَّل: "وَرَأَيْتُ مَلاَكًا..." – والحَديثُ هُنا هُوَ عَنِ المُلْكِ الألفِيِّ بَعدَ المَجيءِ الثَّاني للمَسيحِ، وبَعدَ الدَّينونَةِ المَوصوفَةِ في الأصحاح 19. "وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ. فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ".

إذًا، لا تُوجَد مُشكلةً حَقيقيَّةٌ في مَعرفةِ هُوِيَّةِ هَذا المَخلوقِ لأنَّهُ مُعَرَّفٌ في النِّهاية عندما يَأتي الوقتُ الَّذي سيَتَدَخَّلُ اللهُ فيهِ ويَضَعُ حَدًّا لِسُلطانِ إبليس. فَهُوَ الحَيَّةُ أوِ التِّنِّين. وأعتقدُ أنَّ استِخدامَ كِلا هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ في العهدِ الجديدِ، إلى جَانِبِ استِخدامِ الكلمتَيْنِ العِبريَّتَيْنِ بالتَّبادُلِ يُشيرُ إلى أنَّ هَذا المَخلوقَ هُوَ ليسَ مُجَرَّدَ حَيَّة. فَهُوَ مَخلوقٌ زَاحِفٌ يُمكِنُ أن يُسَمَّى حَيَّةً مِن جِهَة، وتِنِّينًا مِن جِهَةٍ أخرى. والفَرْقُ هُوَ أنَّهُ عندما نُفَكِّرُ في الحَيَّةِ فإنَّنا نُفَكِّرُ في مَخلوقٍ بِلا أرجُل، وعندما نُفَكِّرُ في التِّنِّين فإنَّنا نُفَكِّرُ في مَخلوقٍ لَهُ أرجُلٌ؛ وَهُو مَخلوقٌ مُدهِشٌ وعَجيبٌ رُبَّما لا يُوجَدُ لَهُ مَثيلٌ في عَالَمِنا المَخلوقِ اليوم.

والآن، هُناكَ شَرْحٌ لِذلكَ في العهدِ الجَديد. وسَوفَ أختِمُ بِهذا. فَهُناكَ شَرحٌ في العهدِ الجديدِ لِما جَاءَ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين في مَوْضِعَيْن. الأوَّلُ هُوَ الرِّسالة الثانية إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاح الحادي عَشَر. وَهَذا سيُساعِدُنا في فَهْمِ مَنْ هِيَ الحَيَّة هَذِهِ، وَأيضًا في تَأكيدِ صِحَّةِ هذهِ القِصَّة. ففي رِسالةِ كورنِثوسَ الثَّانية 11: 3، يَقولُ بولُس: "وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا...". نَقرأُ هُنا نَفسَ فِكرةِ الخِداع. ونَقرأُ هُنا عنِ الحَيَّةِ وحَوَّاء مَرَّةً أخرى. والخُلاصَةُ هِيَ أنَّ العهدَ الجديدَ يُؤكِّدُ حَقيقةَ القِصَّةِ الَّتي وَرَدَتْ في العهدِ القديم. فهذهِ ليسَت أُسطورةً، وليسَت قِصَّةً مِنْ نَسْجِ الخَيالِ، وَهذا ليسَ مَثَلاً، بَل إنَّها قِصَّةٌ حَقيقيَّة. فالحَيَّةُ خَدَعَتْ حَوَّاءَ بِمَكْرِها. وَهَذا يُؤكِّدُ ببساطَةٍ مَا جَاءَ في سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الثَّالث.

وَهَذا يَصِحُّ أيضًا على مَا جاءَ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس والأصحاحِ الثَّاني. وأريدُ مِنكُم أن تَنظُروا إلى العَدَدَيْن 13 و14 لأنَّ مَا حَدَثَ في الجَنَّةِ يَجِدُ مَا يُؤكِّدُهُ في العهدِ الجديد، وتَحديدًا في العَدد 13 مِنَ الرسالةِ الأولى إلى تيموثاوس والأصحاحِ الثَّاني. فنحنُ نَقرأُ في الرسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 2: 13: "وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ". ويَنبغي أن تَتذكَّروا ذلك: "وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ". فآدَمُ لَمْ يُغْوَ، بَلْ مَنِ الَّذي تَعَرَّضَ للإغواء؟ حَوَّاء. فَقد كانَت هُناكَ. وَقد تَمَّ إغواؤُها. وَقد قالَ آدَمُ: "إنْ كُنتِ سَتَفعلينَ ذلكَ، سَأفعلُ ذلكَ أنا أيضًا". وَقد فَعَلَ مَا فَعَلَتْهُ. ولكِنَّهُ لم يُغْوَ. وَهَذا يُؤكِّدُ القِصَّةَ تَمامًا بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي ذُكِرَتْ بِها في سِفْر التَّكوين. ولكِن هَل هذا مُهِمّ؟ إنَّهُ مُهِمٌّ بِكُلِّ تأكيد لأنَّ حَقيقةَ أنَّ هَذهِ القِصَّةَ هِيَ قِصَّةٌ تَاريخيَّةٌ حَقيقيَّةٌ تُدَعِّمُ حَقيقةَ أنَّ الإنسانَ هُوَ رأسُ المَرأةِ لأنَّ المَرأةَ الَّتي تَخرُجُ عَنْ سُلطانِ زَوجِها وتَتصرَّفُ باستقلاليَّةٍ هِيَ امرأةٌ أكثرَ عُرْضَةً للخِداع. لِذا فقد خُلِقَ آدَمُ أوَّلاً، ثُمَّ حَوَّاء. وَلم يَكُن آدَمُ هُوَ الَّذي خُدِعَ أوَّلاً، بَل إنَّ المَرأةَ هِيَ الَّتي خُدِعَتْ وَحَصَلَتْ في التَّعَدِّي. لِذا، نَجِدُ في العهدِ الجديدِ تَعريفًا وَاضِحًا لِهُويَّةِ الحَيَّةِ، وتَأكيدًا لحُدوثِ هذهِ التَّجربةِ مِنْ قِبَل إبليس.

والآن، مَاذا يُمكِنُنا أن نَقولَ تَلخيصًا لِهذا كُلِّه؟ إنَّ شَخصيَّةَ الحَيَّةِ ليسَت مُعَرَّفَة في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين. ولكِنَّنا نَعرِفُ مَا يَلي: أنَّ هُناكَ شَخصيَّةً حَقيقيَّة. فَهُناكَ شَخصيَّةٌ مُعارِضَةٌ لله، وَتُشَكِّكُ في كَلِمَةِ اللهِ، وتُشَكِّكُ في صِفاتِ اللهِ، وَتُكَذِّبُ اللهَ، وتَقولُ إنَّ اللهَ لا يَرغبُ في أن تَعرِفُوا مَا يَعرِفُهُ هُوَ لأنَّهُ أنانِيٌّ في الحَقيقة. لِذا، نَرى هُنا شَخصيَّةَ؛ وَهِيَ شَخصيَّةٌ حَاقِدَةٌ، وشِرِّيرةٌ، وَأثيمَةٌ، وَمَاكِرَةٌ تُعارِضُ اللهَ، وَتُعارِضُ الإنسانَ لأنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أن يَذوقَ البَشَرُ طَعْمِ البُؤسِ الَّذي ذَاقَهُ هُوَ. فَهُوَ لا يَذهَبُ إلى حَوَّاء ويَقول: "أيًّا كَانَ مَا ستَفعلينَهُ يا حَوَّاء، لا تَعصِي الله. وَأيًّا كَانَ مَا ستَفعلينَهُ يا حَوَّاء، لا تُحاوِلِي أن تَصيري كَالله. فأنا مَثَلٌ حَيٌّ على سوءِ الاختيار". فَلا يُوجَد أيُّ شَيءٍ مِن هذا الفِكرِ عندَ الشَّيطان، بَل إنَّهُ شِرِّيرٌ وَخَبيثٌ مِنْ فَوْق إلى أسفَل، ومِنَ الدَّاخِلِ والخَارِج [إنْ جَازَ أنْ نَقولَ ذلكَ عَن هذا الكَائِنِ الرُّوحيِّ]. فَهُوَ لا يَسعى إلاَّ إلى الشَّرّ.

لِذا فإنَّهُ يَسْعَى إلى تَدميرِ الإنسان. فَهُوَ مُخادِعٌ. وَهُوَ كَاذِبٌ. وَهُوَ مُعادٍ. وَهُوَ شِرِّير. وَهُوَ قَاتِلٌ. وَهُوَ يُريدُ أن يُهْلِكَ لا فقط جَميعِ هؤلاءِ المَلائكةِ الَّذينَ تَمَرَّدُوا مَعَهُ، بَل إنَّهُ يُريدُ أن يُهْلِكَ أيضًا كُلَّ الجِنسِ البَشريِّ. ولكِنْ على الرَّغْمِ مِن قُوَّتِهِ، وعلى الرَّغمِ مِن شَرِّهِ، وعلى الرَّغمِ مِن خُبْثِهِ... اسمَعوني جيِّدًا... فإنَّهُ يَخضَعُ لِسُلطانِ الله. والآن اسمَعُوا ما سَأقول: إنَّ إغواءَهُ لِحَوَّاء لا يَعني أنَّهُ أَرْغَمَهَا على فِعْلِ أيِّ شَيء. فَهُوَ لا يَستطيعُ أن يَجعَلَها تُخطِئ. فَهُوَ لا يَمْلِكُ تلكَ القُوَّة.

والآن، اسمَحُوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا يا أحبَّائي. مَا يَزالُ الشَّيطانُ عَاجِزًا عَن جَعلِكَ تُخطِئ. هَل سَمِعتُم ذلك؟ فَهُوَ لا يَستطيعُ أن يَجعلَكَ تُخطِئ. فعندما تُخطِئ، أنْتَ مَنْ تَتَحَمَّلُ المَسؤوليَّة. فَهُوَ لا يَقْدِرُ أن يَجعلَكَ تُخطِئ. وَهُوَ لم يَكُن يَقدِرُ أن يَجعلَ حَوَّاءَ تُخطِئ، بَل إنَّها أخطأتْ باختيارِها. وآدَمُ وَحَوَّاءُ مُذنِبانِ تَمامًا لأنَّهُما اقتَرَفا تِلكَ الخَطيَّة. صَحيحٌ أنَّهُ قُوَّةٌ خَبيثَة، ولكِنَّهُ يَخضَعُ لِسُلطانِ الله. وسَوفَ نَرى ذلكَ عندما نَنظُرُ إلى قِصَّةِ أيُّوب في الأسبوعِ القَادِم. كَما أنَّ قُدرَتَهُ مَحدودة. فاللهُ يَقولُ لَهُ إنَّ هُناكَ أُمورًا كَثيرةً لا سُلطانَ لَكَ عَليها. وَواحِدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي هُوَ مَحدودٌ فيها هُوَ قُدرَتُه.

فَكِّروا في ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية: لَقَدْ ظَنَّ أنَّهُ بمقدورِهِ أن يَكونَ كَالله. ولكِنْ خَمِّنُوا ما الَّذي حَدَث؟ إنَّهُ ليسَ عَليمًا بِكُلِّ شَيء، وَليسَ قَادِرًا على كُلِّ شَيء، وَليسَ حَاضِرًا في كُلِّ مَكان. وَهُوَ ليسَ ثَابِتًا، وليسَ صَاحِبَ السِّيادَةِ المُطلَقَة. فَهُوَ لا يُشبِهُ اللهَ البَتَّة، بَلْ إنَّهُ مُختَلِفٌ عَنِ اللهِ كُلَّ الاختلاف. لِذا فإنَّهُ لم يَحصُل على مُرادِهِ. وَكما قَالَ "مارتن لوثر" (Martin Luther): "إبليسُ هُوَ إبليسُ الرَّبّ". فَهُوَ يَعمَلُ في نِطاقِ المَقاصِدِ الإلهيَّةِ لتَحقيقِ الأشياءِ الَّتي قَرَّرَها اللهُ مِنَ الأزَل لِتَخليصِ الخُطاةِ الَّذينَ يَتوبونَ، وَإدانَةِ الخُطاةِ الَّذينَ لا يَتوبونَ، وَتَحقيقِ الغَلَبَةِ، وَالقَضاءِ على الشَّرّ.

والكلمةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي تَصِفُهُ أو يُسَمَّى بِها هِيَ: "الشَّيطان"... الشَّيطان. فَهُوَ يُدعَى بهذا الاسمِ كَما قَرأتُ لَكُم قبلَ قَليل مِنْ سِفْر الرُّؤيا 12: 9 وسِفْر الرُّؤيا 20: 2. ولكِنَّهُ يُدعَى أيضًا بهذا الاسمِ في العهدِ القديم. أجل. فَهُوَ يُدعَى ثَلاثَ مَرَّاتٍ في ثَلاثَة مَقاطِع باسْم "الشَّيطان". والكلمة "شَيطان"... وأنا أقولُ ذلكَ على سَبيلِ التَّمهيدِ للأسبوعِ القَادِم... الكلمة "شَيطان" تَعني الخَصْم أو العَدُوّ. فَهُوَ خَصْمٌ للهِ، وَهُوَ خَصْمٌ للإنسان. وَهُوَ يُمكِنُ أنْ يُدْعَى "الخَصْم" (بأداةِ التَّعريف)... "الخَصْم". وَهُوَ يُدعَى كَذلكَ في المَرَّتَيْنِ الأولى والثَّانية. وَهُوَ يُسَمَّى في المَرَّةِ الثَّالِثَةِ (في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل والأصحاحِ الحادي والعِشرين) "خَصْمًا". وقد صَارتِ الكلمة "الخَصْم" (الَّتي هي ببساطَة كَلِمَة تُعَرِّفُهُ) اسْمَ عَلَم لَهُ. فَهُوَ لم يَعُدْ مُجَرَّدَ شَيطانٍ، بَل هُوَ "الشَّيطان". وَمِنَ الآن فَصاعِدًا، إنَّهُ الشَّيطانُ الَّذي هُوَ خَصْمٌ للهَ وخَصْمٌ للإنسان.

ونَقرأُ في الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس 2: 11: "لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ". لِذا، مَا سَنَفعَلُهُ في المَرَّةِ القَادِمَةِ هُوَ أنَّني سأصْحَبُكُم إلى العهدِ القديمِ وأُريكُم كيفَ يُشارُ إلى الشَّيطانِ في العهدِ القديم. وسوفَ أُريكُم أيضًا كيفَ سَقَطَ ولماذا سَقَط. وَحالَما نَفهمُ الحَيَّةَ، يُمكِنُنا أن نَنظُرَ إلى أُسلوبِهِ مَعَ حَوَّاء بِفَهْمٍ أكبر. وَهَذا سيُساعِدُنا في صِراعاتِنا الشَّخصيَّةِ أيضًا. حَسَنًا! سَوفَ نَكتَفي بهذا. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، إنَّ كَلِمَتَكَ تُعطينا مَرَّةً أخرى نُوْرًا يَكشِفُ الحَقَّ لَنا. نَشكُرُكَ على القُوَّةِ الَّتي وَهَبْتَها لنا في المَسيحِ والَّتي تَسمَحُ لنا أن نَفعلَ أكثر جدًّا مِمَّا نَطلُب أو نَفتَكِر. ونَشكرُكَ لأنَّكَ وَضَعْتَ الشَّيطانَ تَحتَ أقدامِنا (كَما تُخبِرُنا رِسالةُ رُومية). ونَشكُرُكَ لأنَّهُ عَدُوٌّ مَهزوم. ونَشكُرُكَ لأنَّهُ يُمكِنُنا أن نُقاوِمَهُ وأنْ نَجْعَلَهُ يَهرُبُ مِنَّا بِخوف. يا لَها مِن ثِقَةٍ عَظيمة! ونَشكُرُكَ على قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ السَّاكِنِ فينا. ونَشكُرُكَ على سَيفِ الرُّوحِ وَقُوَّةِ الحَقِّ الَّتي تَجعَلُنا نَنتصِر. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ تُرينا أنَّكَ إلَهٌ صَالِحٌ ولا يُوجَدُ فيكَ سِوى الصَّلاح، وَأنَّك صَالِحٌ دَائِمًا، وَأنَّ كُلَّ مَا فيكَ صَالِحٌ، وَأنَّ ذلكَ الشَّرَّ هُوَ شَيءٌ لم تَخْلُقْهُ أنتَ. ولكِنَّكَ سَمَحْتَ بِسُلطانِكَ أنْ يَكونَ هُناكَ شَرٌّ لكي تَسْتَخْدِمَهُ لأجلِ مَجْدِ اسْمِكَ أنتَ لكي تُبَرْهِنَ في النِّهاية على أنَّ الشَّرَّ سَيُدان إلى الأبد. وَنَحنُ نَتوقُ إلى ذلكَ اليومِ الَّذي سنَحيا فيهِ في ذلكَ العَالَمِ الكَامِلِ الَّذي لا تُوجَدُ فيهِ خَطيَّة، ولا حُزْن، ولا ألم، ولا مَوت لأنَّ الخَطيَّةَ لن تَكونَ مَوجودة. وَإلى أنْ يَأتي ذلكَ اليَوم، لَيتَنا نَستمرُّ في اختبارِ النُّصرةِ والانتصارِ على الشِّرِّيرِ بِقوَّةِ كَلِمَتِك. نَشكرُكَ في اسْمِ المُخَلِّص. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize